فكر ونقد

كمال بكداش/ الأفكار والمشاعر حالات ماركس، نيتشه، إدوارد سعيد

 

“أفكارنا تنبع من مشاعرنا”
نيتشه، ما وراء الخير والشر

يستبدّ بقارئ الأعمال الفكرية، لاسيّما المترجم منها إلى العربية، اعتقادٌ أن الأفكار في هذه الأعمال إنما تصدر عن عقول المفكرين المحضة أو المجرّدة من المشاعر والأهواء الشخصية.

من المؤكّد أن المفكرين يتأثرون، في إنشاء أفكارهم، بظروف مجتمعاتهم وتاريخها وبروح أو مزاج عصرهم، غير أن هذه الأفكار تقترن، وإلى حد كبير في بعض الحالات، بمشاعرهم وأهوائهم. وسوف نحاول في هذه المقالة أن نتحقق من هذه العلاقة بين الأفكار والمشاعر لدى ثلاثة مفكرين يُؤثَر عنهم حساسيتهم الشعورية التي قد نجد لها تجلياً أو انعكاساً في أفكارهم وأسلوب التعبير عنها.

ماركس(1)

لم يعمل ماركس طوال حياته إلا كاتباً، كاتب مؤلّفات أشهرها “رأس المال”، وكاتب مقالات لصحف أوروبية وأميركية كانت الأجور التي يتقاضاها مقابلها توفّر له

([1])  اعتمدنا في تبيان العلاقة بين سيرة ماركس الشخصية وأفكاره على: فرانسيس وين، “رأس المال” سيرة كتاب، ترجمة: ثائر ديب، فواصل – سوريا، 2019.

جزءاً بسيطاً من نفقاته، فيما كان صديقه إنجلز – الشريك في ملكية مصنع نسيج في مانشستر – إنكلترا – يوفّر له جزءاً بسيطاً آخر من هذه النفقات.
لقد عاش طيلة حياته هو وأسرته – زوجة صبورة وأربعة أولاد تُوفي ثلاثة منهم نتيجة سوء التغذية والمرض – في عَوَز مدقع، فيما كان بإمكانه بعد نيله الدكتوراه في الفلسفة حول “الفارق بين فلسفة ديمقريطس وفلسفة إبيقور” أن يعمل أستاذاً محاضراً في إحدى جامعات ألمانيا ويوفّر لنفسه ولأسرته دخلاً ثابتاً ومجزياً. غير أنه – رغم أنه فكّر في هذا الاحتمال – قرّ قراره على أن القرب اليومي من الأساتذة الجامعيين أمر لا يُطاق: “مَنْ الذي يريد أن يتكلّم طوال الوقت مع سَفَلة مثقفين، مع أناس لا يدرسون إلا كي يجدوا مآزق جديدة في كل زاوية من زوايا الدنيا”(1).

{كانت متعته القصوى أن يغلق على نفسه في غرفة، يقرأ ويكتب على نحو كثيف ومحموم}

ما الذي دعاه ذاتياً إلى ذلك؟ كان ماركس – على ما يظهر – يكره العمل وتخيّل أن التطوّر التقني للصناعة، سوف “يحّرر” البشر من العمل ليحققوا ذواتهم ويتخلّصوا من إغترابهم عن نتاج عملهم ولينصرفوا إلى إشباع احتياجاتهم المادية والروحية، بلا إكراه في مجتمع بلا طبقات ولا دولة.
كانت متعته القصوى أن يغلق على نفسه في غرفة، يقرأ ويكتب على نحو كثيف ومحموم، وكان وسواسياً في ما يكتب، لا يعجبه العجب في معظم ما كتبه، وقد أحال العديد من كتاباته إلى “نقد الفئران”، فيما تجلّى وسواسه في بطئه أو تباطئه الأسطوري في إنجاز المجلد الأول من رأس المال الذي استغرق منه خمسة عشر سنة، والذي لم يرضَ إلا بعد تردّد بدفعه إلى الطباعة تحت ضغط شديد من إنجلز وبعض أصدقائه.

([1])  وين، المصدر السابق، ص 18.

عانى ماركس لفترة من شبابه نوعاً من “الإنهيار” وأقّرَه طبيبه بأن يلجأ إلى الريف في استراحة طويلة استسلم خلالها لصوت هيغل المغوي الذي كان يرى أن الشخص الناضج حقاً يجب أن يدرك “الضرورة الموضوعية ومعقولية العالم كما هي”، فعنده أن “كل ما هو واقعي عقلاني”، غير أنه كشف نقيصة في فلسفة هيغل: فقد زعم هذا الأخير أن “فكرة الدولة” هي الفاعل، والمجتمع هو المفعول لهذا الفاعل، فيما أظهر التاريخ، حسب ماركس، أن العكس هو الصحيح. يكفي إذاً أن نقلب هيغل رأساً على عقب كي تُحلُّ المشكلة، ذلك أن “الفكر ينشأ من الكينونة ولا تنشأ الكينونة من الفكر”
(فيورباخ).
على ذلك بات مقتنعاً بأن القوى الاجتماعية والاقتصادية هي التي تدفع عجلة التاريخ، فإنكبَّ – بعد أن تضلَّع من الفلسفة الألمانية ومن السياسة الفرنسية – على تثقيف نفسه بالإقتصاد الإنجليزي، ولكن لم تكن لديه أي معرفة مباشرة بالرأسمالية في الممارسة. وكان صديقه إنجلز مؤهلاً – لشراكة ملكية معمل نسيج – لأن ينوِّره على هذا الصعيد، لاسيما رصده العواقب الإنسانية التي ترتبت على الرأسمالية.

{حيثما كانت للبرجوازية اليد العليا وضعت حدّاً للعلاقات الإقطاعية والبطريكية والرعوية}

تملّك ماركس شعور متجاذب تجاه الرأسمالية البورجوازية، فهو كان يعتقد عام 1848 -عام كتابته للبيان الشيوعي – أن الرأسمالية البورجوازية سوف تُدفن تحت ركام تناقضاتها، فــ “ما تنتجه البورجوازية، إذاً، وقبل كل شيء، هو حفّاري قبرها”، فيما مَنْ يقرأ البيان غالباً ما يدهش للمديح الذي يكيله ماركس لعدوه من دون حساب بما يشبه، حسب أحد النقّاد، “احتفاء” غنائياً بأعمال البورجوازية”:
“لعبت البورجوازية، تاريخياً، دوراً ثورياً بالغاً. فحيثما كانت للبرجوازية اليد العليا، وضعت حدّاً للعلاقات الإقطاعية والبطريكية والرعوية. ومزّقت إرباً وبلا هوادة تلك الأواصر الإقطاعية المتعددة التي كانت تقيّد الإنسان إلى “أسياده الطبيعيين”… لا يمكن للبروجوازية أن توجد من دون أن تثوّر أدوات الإنتاج، وبذلك علاقات الإنتاج ومعها علاقات المجتمع بأكملها”.
بالرغم هذا المديح للدور التاريخي للرأسمالي البورجوازية، فقد كان ماركس شديد الاهتمام والحساسية للعواقب الإنسانية التي ترتبت على الرأسمالية. ومن المحتمل أن هذا الاهتمام الإنساني يتصل بعلاقة وثيقة بحياة ماركس وأسرته التي كانت في حالة من البؤس أقرب إلى اليأس. وتجلّى هذا الاهتمام الإنساني في مفهومه لصنميّة (فيتشية) السلعة، أي ذلك الاعتقاد بأن السلع تنطوي في جوهرها على قيمة روحية مبجّلة، فوق طبيعية، مثل عظام القديسين لدى المتدينين.

{هذا الاهتمام الإنساني هو ما أوقع ماركس بتناقضات ومبالغات عديدة}

وتجلّى هذا الاهتمام الإنساني أيضاً في تعليق ماركس على قانون يمنع الفلاحين من جمع الحطب من الغابات الخاصة بأن “الأصنام الخشبية هي التي تنتصر في حين يُضحّى بالبشر”، أو في تعليقه على أن “اختراعاتنا وضروب تقدمنا جميعاً تؤدي إلى منح القوى المادية حياة فكرية، وإلى تسفيه الحياة البشرية بتحويلها إلى قوة مادية”، أو في ملاحظته أن الإعلانات التي تطلب عمالاً من الأطفال غالباً ما تكون شبيهة بتلك الإعلانات التي كانت تظهر من قبل في الصحف الأميركية وتطلب عبيداً من الزنوج”… ولعل هذا الاهتمام الإنساني هو ما أوقع ماركس بتناقضات ومبالغات عديدة ومنها توقعه – أو تمنّيه بالأحرى – بالسقوط الوشيك للرأسمالية الذي يتعارض مع نظريته في تعاقب أنماط الإنتاج التي دام كل منها عدة قرون فيما لم يمضِ على الرأسمالية الأشد حيوية منها كلّها قرن أو قرنان من الزمن على بزوغها.
من المرجّح أن مشاعر ماركس الإنسانية تكوّنت من مشاهداته وقراءاته – وخاصة لوصف صديقه إنجلز لوضع الطبقات العاملة في أوروبا – حول العواقب الإنسانية للرأسمالية، وتعزّزت هذه المشاعر، على ما يبدو، بوقائع حياة ماركس، حياة أسرته البائسة، ولاسيما وفاة ثلاثة من أولاده نتيجة المرض وسوء التغذية.
والأرجح أيضاً أن هذه المشاعر الإنسانية غلبت على أفكاره وأوقعته – في العديد من مواضع مؤلفاته وحتى في أكثر كتبه تجريداً “رأس المال” – في مبالغات وتناقضات وتمنيات، وحتى في طوباويات مجتمع شيوعي مأمول بلا طبقات ولا دولة، وتسود فيه الحرية التامة و”من كل حسب قدرته” و”لكل حسب حاجته”.

نيتشه(1)
توفّر لنا أعمال نيتشه الدليل الأوضح على الإقتران بين الأفكار والمشاعر الذي صرّح به هو نفسه بقوله أن “أفكارنا تنبع من مشاعرنا” (ما وراء الخير والشر).
يتسم أسلوب التعبير لدى نيتشه، كما هو معلوم، بالعنف والقسوة على معظم ما أنجزه الغرب من الفلسفة إلى الفن والدين والأخلاق، ويتميّز هذا الأسلوب بوجه خاص بالرغبة الجامحة في التدمير. فقد انصبّت جهود نيتشه على تحطيم القوالب الفكرية التي هيمنت على العقل البشري في الغرب، وأهم هذه القوالب هي الثنائيات من مثل الخير والشر، الحقيقة واللاحقيقة، الخطأ والصواب، الذات والموضوع وما إلى ذلك. ورفض المسلمات الثقافية لعصره باشمئزاز، وفي أعماق نفسه اعتملت مشاعر الرفض للروح المسيحية، ولن نجد مصدراً لهذا الإشمئزاز وذلك الرفض إلا لدى مشاعره، هذه المشاعر التي يرى أنها تبقى مخبّأة لدى المفكرين خلف عقولهم تتحكم بها من بعيد. فقد وجد أن كل ما قاله الفلاسفة عن أنه الاستدلال الواعي ليس سوى أعمال تختبئ خلفها المشاعر التي تشق طريقها إلى الوعي بصورة سرية. فالفلاسفة يزعمون مثلاً بأن الدافع النهائي الكامن خلف أنشطتهم إنما هو الطموح إلى الحقيقة. والواقع، لدى نيتشه، أن أي طموح نحو الحقيقة لابد أن يكون مسيّراً بإرادة القوة. ولا يدرك الفلاسفة والأخلاقيون “إرادة القوة” التي تحرّكهم في الخفاء، ويخبّئون دوافعهم ومشاعرهم الفعلية تحت ستار كثيف من المفاهيم.

{العقل لا يستطيع أن يعترف بأنه هو يفسّر الظاهرات تعبيراً عن طموح إلى القوة}

إنّها “إرادة القوّة” التي تكمن في دوافع المعرفة، والعقل لا يستطيع أن يعترف بأنه هو ذاته الذي يفسّر الظاهرات تعبيراً عن طموح إلى القوة، إلى السلطة. ولقد وجد استثناءً في شوبنهاور الإنسان الذي امتلك الشجاعة ليجعل من مشاعره الشخصية إزاء العالم مادةً لفلسفته.
عاش نيتشه حياته في عزلة، وهو ينفر من الجماعة ويشكو من عجزه عن تحمّل الناس، “ولشد ما أنا بحاجة إلى العزلة… أما القرف من الإنسان، فإنه الخطر الأكبر الذي يتهددني”، ونعثر في أعماله على صفة عامة هي نقص الحس بالحقيقة الموضوعية، وازدادت حدّة هذه الصفة وتحولت إلى كره لكل ما له صلة بالتعليل المنطقي، فـــ “كل ما يحتاج إلى برهان يحمل في طياته قيمة وضيعة” (غروب الأصنام، 1888). ويتجلّى ضمور حس الحقيقة لديه في التعبير العاطفي المتدفق في مجمل أعماله.
توجد لديه بلا شك إشكالات نفسانية، بل وصفات مَرَضية، وليس من الصعب أن نكتشف العنصر التدميري الذي يبدو دائم الحضور في أعماله. ومن شبه المؤكد أن معظم ما كتبه كان استجابة فكرية لهذا الدافع التدميري. يوجد لديه أيضاً نوع من التفكك (عدم الترابط) في تداعي تصوراته، وعدد لا يحصى من القفزات التي لا يمكن تعليلها إلا انطلاقاً من أساس نفساني.
“إن أعظم ما تميّزتُ به هو الانفعال الكامل”. وبالفعل فإنّ ما هو جديد لدى نيتشه هو المشاعر الصاخبة، والتي لا يمكن فهمها، ولاسيما منها مشاعر الاحتقار، احتقار البشر واحتقار الفلاسفة، إلا إذا قبلنا بها كأفكار لها صفة الإكراه أو القسر. ويتجلّى هذا الإكراه في ظاهرة إجبار التكرار المتواصل للتصورات ذاتها في معظم أعماله.
وباختصار فإن أفكاره ليست قابلة للفهم إلا في ارتباطها مع مشاعره المضطربة، إنها أشبه بتفريغات نفسانية كان ينتشي بها، وتجد بها روح مريضة دواءً شافياً، ووسيلة توفّر لها شيئاً من المرح. لقد إستقى نيتشه جانباً عظيماً من حدوسه الفكرية، لاسيما في “تحطيم الأصنام” الفكرية للفلسفات العقلانية، من إشكالاته الشخصية، والمفارقة أنه كان يمارس قدرته على التهديم لهذه الفلسفات” بإسم الدعوة إلى الصحة والقوة” وهو يعاني طيلة حياته من المرض، البدني والعقلي. لقد اضطر أن يعيش المرض ويحلم بصحة ذاته.

إدوارد سعيد(1)
كان إدوارد سعيد في مراهقته “تلميذاً لامعاً وإن كان يفتقر إلى الانتظام”(1)، كثير الحركة،
مفرط النشاط و”سليط اللسان”، وهو نفسه يدّعي في مذكراته، أنه كان “شقياً”، وكان في نظر المحيطين به “عاصفاً، قوياً، صريحاً، إلى حد الوقاحة”(1).
كان سعيد الإبن المفضّل للأم، فيما لم تكن علاقته بأخواته الأصغر منه سناً دافئة، وتروي أمه القصص عن سوء تصرفاته مع أخواته، ورَفَض أثناء أخذ صورة للعائلة أن يضع ذراعه اليسرى على كتف الأخت التي تقف بجانبه كما فعل الباقون، هذا فيما اعترت علاقته بأبيه صعوبات ذاتية عبّر عنها مرّة بشعوره بالمرارة لأن أباه لم يكتب له “رسالة شخصية حقاً”، وأنه “ملّ من تذكيره بأنه شخص سيء وأنه لا يرتقي إلى الدرجة المطلوبة من الأخ الطيب والإبن البار…” (1).

{هدفه الأسمى في كتاباته هو “فضح” فظائع الأمبراطوريات الأوروبية والأميركية وإسرائيل}

يبدو من هذه الخلفية لنشأته، أن سعيد اختبر طوال حياته حالة من “التردُّد بين الخوف والتحدي”(1)، الخوف من العالم المحيط به، بما في ذلك محيطه الأسري، غير أن شجاعته المشهودة له قولاً وفعلاً جعلت التحدي عنده يغلب على الخوف، فلم ينسحب أو ينكمش في مواجهة محيطه، بل على الضد كان هو “القادر على مد يد العون إلى الغير”(1) لمواجهة واقع معطوب. ولعل روح التحدي هذه ما جعلت هدفه الأسمى في كتاباته هو “فضح” فظائع الأمبراطوريات الأوروبية والأميركية وإسرائيل والنظم الإستبدادية الفاسدة وأشكال التمييز والعنصرية على أنواعها.
لقد تجلَّت روح التحدّي هذه في معظم مؤلفاته، ولاسيما في كتاب “الاستشراق” الصادر عام 1979، هذا الكتاب – الأسطورة الذي لم يُعِقْ احتواؤه على ثغرات بحثية عديدة انتشاره وترجمته إلى معظم اللغات الحية وأثره الهائل على ما لا حصر له من المثقفين والباحثين في أرجاء متباعدة من العالم وفي ميادين معرفية متعددة.
لقد نما لدى سعيد، بتأثير شعور الخوف من العالم المحيط به وروح التحدّي التي غلبت على شخصيته، ميلٌ إنساني عميق شديد الحساسية وروح استنكار أخلاقي حادة ضد أي إجحاف يلحق بالبشر كائناً من كانوا.

{إدانة عقيدة استشراقية في الفكر الغربي مشبعة بالتحيُّز الثقافي وحتى العنصري}

لذا حاول في معظم مؤلفاته ولاسيما في “الاستشراق” أن يقوّض أسس الصُوَر النمطية المجحفة التي ألحقها مستشرقون بـــ “العرب” و”الإسلام” بوجه خاص، ووظّف لهذه الغاية مواهبه البلاغية بالإنكليزية، ولاسيما في التحليل المدقّق للنصوص والكشف عن خلفياتها العقائدية والسياسية، وذلك لا لإنصاف هذه الفئة أم تلك من الفئات التي تناولها الاستشراق، بل لإدانة عقيدة استشراقية في الفكر الغربي مشبعة – وسط بحر من التّبَحُّر المعرفي – بالتحيُّز الثقافي، وحتى العنصري.
لا ريب أن إنتشار “الاستشراق” وأثره يُعزيان، في جانب أساسي منهما، إلى الظرف أو السياق الذي ظهر فيه: كان هناك في الثمانينات ما يشبه حالة انتظار لدى الجامعيين والمثقفين اليساريين في الغرب للإنقضاض على الفكر الغربي للحداثة في شتى ميادينه الذي عُزيَ إلى “تمحوره حول العقل” إسهامه في كوارث القرن العشرين، وكان ميدان الاستشراق يعاني أصلاً سكرات الموت ويسهل الانقضاض عليه، وتقويض أطره المعرفية، وهو ما كان محل انتظار لدى عدد وافر من الجامعيين والمثقفين في الغرب من ذوي الأصول غير الغربية. غير أن الظروف الخارجية لهذه الحقبة لا تفسّر كل شيء في مدى انتشار الكتاب وأثره المذهليْن. فلقد كان لأسلوب الكاتب نصيب وافر في هذا الانتشار وذاك الأثر: أسلوب غنيّ معرفياً، حيوي، بل انفعالي ولكنه مضبوط، عاطفي ولكن مكبوح نوعاً ما، لا نظير لتفصيليته في تحليل النصوص والأقوال وردّها إلى ظروفها وتاريخها وربطها بالسياسات العامة للدول… أسلوبٌ يقطع أنفاس القارئ ويستحوذ على عقله وخياله كما في أروع الروايات لا يدعه يدرك عدداً وافراً من الثغرات في تحليل الكاتب وأحكامه.
حقاً أن الأسلوب هو الشخصية. وبالفعل اتسمت شخصية سعيد – كما أسلفنا – بالحساسية المفرطة وبروح أخلاقية حادة ضد الإجحاف البشري، وقد عبّر عن هذه الحساسية وتلك الروح بأسلوب ناقد ملتهب لكل مظهر من مظاهر هذا الإجحاف.

زر الذهاب إلى الأعلى