دراسات

المهندس محمد فواز/اللامركزية في عمل البلدية

 إن قراءة سريعة للأحكام القانونية التي ترعى شؤون البلديات ( المرسوم الإشتراعي رقم118/1977 ) تعطينا انطباعاً بأن اللامركزية الإدارية موجودة بالفعل على المستوى المحلي وأن البلديات في لبنان تتمتع بصلاحيات واسعة.

نذكر من هذه الصلاحيات ما يلي:
-1 البلديّة هي إدارة محليّة، تتمتّع بالشخصيّة المعنويّة والاستقلال الماليّ والإداريّ في نطاق القانون.1
-2 كلّ عمل ذي طابع أو منفعة عامّة، في النّطاق البلديّ، هو من اختصاص المجلس البلديّ.2
-3 تكون للأنظمة التي يصدرها المجلس البلديّ في المسائل الداخلة ضمن اختصاصه صفة الإلزام ضمن النّطاق البلديّ.3
-4 يتولّى المجلس البلديّ دون أن يكون ذلك على سبيل الحصر. 4
– البرامج العامّة للأشغال والتّجميل والتّنظيفات والشؤون الصحيّة ولمشاريع المياه والإنارة.
– تخطيط الطرق وتقويمها وتوسيعها وانشاء الحدائق والسّاحات العامّة ووضع التّصاميم العائدة للبلدة والمخطّط التوجيهيّ العامّ، بالتّعاون مع المديريّة العامّة للتّنظيم المدني.
– إنشاء الأسواق والمنتزهات وأماكن السّباق والملاعب والحمّامات والمتاحف والمستشفيات والمستوصفات والملاجئ والمكاتب والمساكن الشعبية والمغاسل والمجارير والنّفايات وأمثالها.
– المساهمة في نفقات المشاريع ذات النّفع العام.

– مساعدة النّوادي وسائر النّشاطات الصّحيّة والرّياضيّة.
-5 يجوز للمجلس البلديّ ضمن منطقته أن ينشئ أو يدير بالذات أو بالواسطة أو يسهم أو يساعد في تنفيذ الأعمال والمشاريع الآتية.5
-المساكن الشعبية والحمّامات والمغاسل العموميّة والمسابح.
– المستشفيات العمومية والمصحّات والمستوصفات…
-المتحف والمكتبات العامّة ودُور التّمثيل والسّينما والملاهي والأندية والملاعب الرياضيّة وغيرها.
-الوسائل المحليّة للنقل العام.
-الأسواق العامة لبيع المأكولات وبرّادات لحفظها وبيادر الغلال.
-6 قرارات المجلس البلديّ نافذة بحدّ ذاتها، باستثناء القرارات التي أخضعها قانون البلديّات صراحة لتصديق سلطة الرقابة الإداريّة، فتصبح نافذة من تاريخ تصديقها.6
-7 يتولّى رئيس السلطة التنفيذيّة في البلديّة، على سبيل التعداد لا الحصر، الأعمال التالية.7
– المحافظة على الراحة والسّلامة والصّحة العامّة، بشرط أن لا يتعرّض للصلاحيّات التي تمنحها القوانين والأنظمة لدوائر الأمن في الدّولة.
– كلّ ما يتعلق بتأمين السّير وتسهيل التجوّل في الشّوارع والسّاحات والطرق العموميّة وكلّ ما يتعلّق بالتنظيف والإنارة ورفع الأنقاض والأقذار.
– كلّ ما يختصّ بحماية صحّة الأفراد والصّحة العامّة كالمراقبة الصّحيّة على أماكن الاجتماعات والفنادق والمقاهي والمطاعم والأفران وحوانيت اللّحامين والسّمانين والحلّاقين الخ..
– الاهتمام باتّخاذ وسائل الوقاية من الحريق والانفجار وطغيان المياه كتنظيم مصلحة المطافىء.
– فرض ما يلزم من تدابير النظافة والرّاحة والصّحة والسّلامة على وسائل النّقل العموميّ.
– كلّ ما يختصّ بحماية البيئة والمناظر الطبيعيّة والآثار التاريخيّة وصيانة الأشجار والأماكن المشجَّرة ومنع التلوّث.
– إعطاء رخص البناء ورخص السَّكن وافادات إنجاز البناء. – التوقيف عن البناء.
– الترخيص بحفر الطرقات العامّة وقساطل المياه والكهرباء والهاتف والمجارير وغيرها، لقاء كفالة تضمن إعادة الحال إلى ما كانت عليه على نفقة طالب التّرخيص.
– التّرخيص بالإعلان.

{البلديّة من النّاحية القانونيّة، هي “حكومة محليّة”، بل إنها تتمتّع بصلاحيّات تفوق سلطة الحكومة في بعض المجالات}

-8 يُحظر على الإدارات العامّة والمصالح المستقلّة وسائر المؤسّسات والشّركات ذات الامتياز كلّ فيما يختصّ بها إفراز البناء إلى حقوق مختلفة واشراك صاحب العقار أو شاغله بالهاتف أو بالكهرباء أو بالماء ما لم يبرز صاحب العلاقة رخصة إشغال (سكن) صادرة حسب الأصول.8
-9 يمكن أن تُعطى رخصة البناء بشرط التقيّد بأحكام خاصّة ويمكن أن تُرفض إذا كانت الأبنية بالنظر إلى مواقعها واحجامها ومظاهرها الخارجية والانشاءات المنْويّ تشييدها أو تغييرها من شأنها أن تضرَّ بالصحة والسلامة العامّتيْن أو بالمنظورات الطبيعية أو بالبيئة أو بالمنظورات المعمارية.9
-10 يمكن أن يُفرَض على طالب الرخصة عند منحه إياها تحقيق اشغال مختلفة وعلى الأخص شبكة الطرق، شبكة المياه، تصريف المياه السمتعملة، الإنارة، ترتيب وتجهيز المساحات المخصصة للملاعب وللمواقف والفسحات الحرة أو المُشجَّرة، أو غرس أشجار جديدة، المساهمة إمّا نقداً واما بتقديم الأراضي مجاناً لتنفيذ التجهيزات العامة المتعلقة بحاجات الأبنية المنويّ تشييدها والتي تصبح ضرورية بمجرد تشييد هذه الأبنية.10
-11 يمكن أن تُرفَض رخصة البناء أو أن لا تُعطى إلا ضمن شروط تُحدَّد في الموافقة الفنية على الترخيص إذا كانت العقارات موضوع الطلب واقعة في مناطق يتعرّض فيها البناء وشاغلوه للخطر كالفيضانات أو الأرض المعرّضة للانزلاق أو الانهيارات.11
-12 على المالكين أن يحافظوا على نظافة واجهات أبنيتهم وأجزائها الأخرى ويقتضي عليهم عند الاقتضاء أن يقوموا بدهنها أو توريقها أو طرشها أو ترميمها واذا تمنعوا يحق للإدارة بعد إخطارِهِم أن تقومَ بالعمل المذكور على نفقتهم.12
-13 عندما يكون بناء أو جدران أو خلافه ينذر بالانهيار ويشكل بقاؤه خطراً ولا يبادر المالك إلى القيام بواجباته، تباشر البلدية بالهدم على نفقته.13
-14 يجب على مالك الانشاءات التي تخالف قوانين أانظمة البناء هدمَها، واذا لم يفعل تولّت الإدارة الهدم على نفقته ومسؤوليته.14
أتوقف عند هذا الحدّ من السّرد وأستنتج بأنّ البلديّة، من النّاحية القانونيّة، هي “حكومة محليّة”، بل إنها تتمتّع بصلاحيّات تفوق سلطة الحكومة في بعض المجالات، كإعطاء رخصة البناء مثلًا حيث تُعطى رخصة البناء من قبل رئيس السلطة التنفيذية في البلدية، حتى وإن كان البناء يعود للدولة، ولا يوجد أية سلطة يمكنها أن تحل محلّه في هذا المجال، كما أنه لا يوجد أية سلطة يمكنها أن تُرغم رئيس البلدية على إعطاء رخصة البناء، لأن المجلس البلدي لا يخضع لأحكام المادة 14 من قانون الموظفين، وبالتالي ليس لرئيس البلدية رئيساً يمكن أن يعطيه أمراً لإعطاء رخصة البناء خلافاً للقانون.
بالمقابل، وعلى صعيد آخر، أرى أنّ الواقع الفعلي على الأرض يذكِّرنا بالقول الشائع: “إسمع تفرح جرِّب تحزن”، فتصريف النفايات الصلبة يشكل كارثة وطنية لم تجد البلديات حلًا لها؛
وتصريف المياه المستعملة العشوائي أدى إلى تلوّث المياه السطحية والمياه الجوفية والبحر؛ ومخالفات البناء المستشرية تُشوِّه المدن والقرى وتُلحِق الضّرر بالبيئة وبالمجاورين؛
وتبعثُر العمران في كل مكان، نتيجة عدم رفض أية رخصة بناء، حسب عِلمِنا، حتى ولو كان البناء المطلوب يقع على قمة جبل بعيد عن البلدة أو في منخفض معرض لفيضانات المياه أو لإنزلاق التربة؛

{المواطن يقوم بحفر الطريق العام دون استئذان البلدية، ودون إعادة الطريق إلى ما كانت عليه}

ولم تفرض رخصة البناء على طالبها المساهمة بأية أشغال حتى ولو كانت تكاليف البنى التحتية التي يطلبها من السلطة العامة لتأمين الخدمات اللازمة له تزيد عن تكاليف البناء نفسه؛
والمواطن يقوم بحفر الطريق العام دون استئذان البلدية، ودون إعادة الطريق إلى ما كانت عليه؛
والتاجر يعرض بضاعته على الرصيف، وحتى على الطريق العام أحياناً ويحرم الآخرين من حقهم باستعمال الطريق والرصيف؛
والحدائق العامة شبه مفقودة.
أتوقف أيضًا ههنا لأنني لا أرمي إلى الحصر بل إلى إعطاء أمثلة يعيشها المواطن كل يوم تسمح بالاستنتاج بأن الوضع البلدي ليس على ما يرام.
إلى ذلك، هناك أسباب عديدة أدّت إلى الوضع الراهن سأذكر بعضها بدءًا بالأسهل:
1.على الرغم من إنشاء عدد كبير من البلديات الجديدة في السنوات الأخيرة، فلا يزال هناك عدد كبير من القرى ليس فيها بلديات، ولا يوجد بالتالي من يهتم بالخدمات البلدية لسكانها.
2.عدم استيعاب الأكثرية الساحقة من البلديات لدورها فتتصرف أحياناً كثيرة وكأنها مؤسسة
ثانوية لا حول لها ولا قوة، وتشكو من عدم قيام الآخرين بأعمال تقع أصلًا ضمن صلاحياتها
وهي المسؤولة عن القيام بها.
3.عدم ممارسة البلدية لدورها أحياناً كثيرة حتى وهي على علم بذلك كمنع التعديات على
الملك العام أو قمع مخالفات البناء.
4.عدم الرغبة بحمل المسؤولية أحياناً، واذكر عندما كنت مديراً عاماً للتنظيم المدني كيف
كان يأتيني رئيس بلدية حاملًا قرارًا بلديًّا ويطلب مني عدم الموافقة عليه لأنه هو لا يوافق
عليه ولكنه اضْطُّرَ لاتّخاذِه.
5.المركزية المفرطة في اتخاذ القرار حيث تسمح الإدارة المركزية لنفسها بعدم الموافقة على
قرار اتخذه المجلس البلدي ضمن صلاحياته ووفقاً لأحكام القانون.
6.الرقابة الإدارية المفرطة حيث أخضعت القرارات البلدية المهمة لموافقة السلطات الإدارية
(القائمقام، المحافظ، وزير الداخلية والبلديات )… ممّا أدى ويؤدي إلى عرقلة العمل أو الغائه
دون أن يجرؤ رئيس البلدية على القيام بأي تدبير خشية تعقيد الأمور مع سلطة الرقابة
الإدارية ويضطر إلى الرضوخ ولو كان ذلك خلافاً للقانون اجتناباً للأسوأ.
7. وأخيراً لا آخراً الناحية المالية. فموازنة الأكثرية الساحقة من البلديات هي هزيلة، تعيش على فتات ما تعطيه الدولة، ولا تكفي لدفع رواتب الكاتب وشرطي البلدية، ولا تمكّنها من القيام بأي مشروع هام. فهي كالجندي الذي يذهب إلى الحرب من دون “ذخيرة” ليكون بمواجهة
أحد أمريْن كلاهما مُرّ: إمّا الموت وإمّا الانهزام والهرب.
وأتوقف قليلًا أمام الوضع الشّاذ لبلدية بيروت الذي عايشتُه تسعة عشر عامًا مديرًاعًامًّا للتنظيم المدني. إنّ رئيس السلطة التنفيذية في جميع بلديات العالم حسب علمي وفي جميع بلديات لبنان هو رئيس البلدية باستثناء بلدية بيروت، حيث المحافظ هو رئيس السلطة التنفيذية
في أساليب العمل السليمة بنظري، وأعتقد أنه من بقايا فترة الانتداب وهو وضع لا ينطبق على البلدية، حيث شاء أن يسيطر على السلطة البلدية المنتخبة في لبنان فأخضع قرارات البلدية لموافقة القائمقام أو المحافظ خارج بيروت وأعطى السلطة التنفيذية في بيروت إلى المحافظ وليس إلى رئيس البلدية، علماً بأنّ المحافظ والقائمقام كلاهما موظف إداري مُعيَّن من قبل السلطة ويخضع لقراراتها بالتسلسل الإداري. وقد أدى هذا الوضع إلى اضطراب في العمل صامتاً أحياناً وصارخاً أحياناً أخرى.

{الحل يقضي باعتماد اللامركزية الإدارية بالفعل لا بالقول وبالتطبيق على الأرض وليس بتدبيج النصوص}

وأذكر بالمناسبة مؤتمراً لإنماء مدينة بيروت عندما كنت مديراً عاماً للتنظيم المدني، وكنت أنا ورئيس البلدية المتحدّثيْن الوحيديْن في المؤتمر. لم ينطق رئيس البلدية بكلمة واحدة خلال المؤتمر عن إنماء المدينة بل تحدث طيلة الوقت عن خلافه
مع المحافظ، خلاف وصل إلى مرحلة نشر الحكايات والعداء الشخصي، وعلى سبيل المثال رفض المحافظ دفع قيمة فاتورة إصلاح المصعد الذي يصل إلى مكتب رئيس البلدية وأجبر رئيس البلدية على دفع قيمة الفاتورة من ماله الخاص وهو مبلغ زهيد لا يذكر، ولكنه يعطي صورة واضحة عن بيئة العمل البلدي في العاصمة وعن التعاون بين السلطة التقريرية والسلطة التنفيذية في بلدية بيروت وانعكاسها على خدمة المدينة وساكنيها.
إن الحل يقضي باعتماد اللامركزية الإدارية بالفعل لا بالقول، وبالتطبيق على الأرض وليس بتدبيج النصوص، وبإعطاء البلديات الامكانات للقيام بالمسؤوليات بدلًا من مساعدتها على التنازل عنها، بالإضافة إلى توعية المواطن ضمن النطاق البلدي ليعرف حقوقه فيطالب بها، ويعرف واجباته فيقوم بها.
إن الوصول إلى ذلك يحتاج بنظرنا إلى ما يلي:
-1 تغيير شروط إنشاء البلديات، وانشاء بلدية في كل قرية أو مجموعة من القرى المجاورة
لتهتم بالحاجات البلدية للسكان ضمن نطاقها. وتوسيع النطاق البلدي إلى أقصى ما يمكن لأن
تحديد النطاق البلدي يتم بموجب قرار وزير الداخلية والبلديات الذي ينشىء البلدية، وتشجيع
وربما فرض إتحادات البلديات.
-2 إلغاء الرقابة الإدارية على البلديات وتبقى الرقابة القانونية نافذة حكماً. ونرى بأن هذه الرقابة الإدارية:
أ- تتنافى مع مبدأ الإستقلال المالي والإداري،
ب- تتنافى مع مبادئ النظام الديمقراطي عندما تضع السلطة المنتخبة تحت سلطة الموظف المعين،
ج- تتنافى مع مبادئ العمل البلدي لتلبية حاجات المواطنين إذ لا يمكنني التسليم بأن القائمقام أو المحافظ، الذي يفرض القانون أن يكون من خارج المنطقة، يعرف حاجات السكان أكثر من المجلس البلدي الذي ينتمي أعضاؤه إلى البلدة، د- يعرقل العمل البلدي،
ه- يساعد البلدية على التملص من مسؤولياتها والقاء مسؤولية تقصيرها أو تقاعسها على سلطة الرقابة.
-3 إعادة النظر بمالية البلديات بشكل يمكّنها من القيام بالمهام المطلوبة منها. وعلى سبيل
المثال يزيد مجموع ميزانية البلديات في البلدان الاسكندينافية عن نصف ميزانية الدولة،
وقد التقيت في أحد المؤتمرات منذ أكثر من 25 سنة نائب رئيس بلدية نيويورك وسألته عن
ميزانية بلديته فأجابني 35 مليار دولار. وقرأت خبراً بمناسبة انتخاب رئيس بلدية نيويورك في شهر تشرين الثاني 2025 بأن موازنة بلدية نيويورك أصبحت 116 مليار دولار أميركي سنة 2025.

{بالنسبة لبلدية بيروت، أرى ضرورة انهاء هذا الوضع الشّاذ وأن يكون رئيس البلدية هو رئيس السلطة التنفيذية }

من هنا أرى أن تكون الضرائب البلدية متناسبة مع الخدمات التي تقدمها البلدية للمواطن الموجود ضمن نطاقها، وأن تعود إليها عائدات الضرائب التي تجبى ضمن نطاقها واعطائها
إمكانية كالضرائب العقارية لتصبح لديها موازنة تمكّنها من القيام بواجباتها، من ذلك التشريع الضرائبي لتمويل مشروع معين كمعالجة النفايات الصلبة، ويمكن أن يكون ذلك ضمن حدود يحددها القانون.
أمّا المساعدات المالية من قبل الدولة، فأرى أن تكون مساهمات في مشاريع معينة كالحدائق العامة أو حماية التراث أو حماية البيئة.
-4 بالنسبة لبلدية بيروت أخيراً، أرى ضرورة انهاء هذا الوضع الشّاذ ويجب أن يكون رئيس البلدية هو رئيس السلطة التنفيذية كما هي الحال في جميع البلديات وانسجاماً مع مبادئ العمل السليم. وبانتظار شفاء لبنان من تخدير شعبه البائس بسموم الطائفية البغيضة، يمكن اعتماد الحل العشائري على الطريقة اللبنانية ليكون رئيس البلدية مسلماً لدورة ست سنوات ومسيحياً للدورة الثانية وهكذا دواليك مداورة.

-5 مشاركة المواطن:
إن المواطن هو الأساس: فهو الذي يدفع الضرائب لصندوق البلدية، وهو الذي يستفيد من الخدمات البلدية، وهو الذي ينتخب المجلس البلدي الذي سيؤمن له هذه الخدمات خلال ست سنوات. فمن حقه أن يعرف وجهة صرف الضرائب التي يدفعها، ومن واجبه أن يُحسن اختيار من سيقوم بصرف هذه المبالغ وبتأمين هذه الخدمات. فلا يتنازل عن حقه بالتصويت، ولا يذهب إلى الإنتخابات مكبلًا بعصبية عائلية أو طائفية أو مذهبية أو حزبية. وأذكر بالمناسبة ما عرضه لنا خلال دورة دراسية رئيس بلدية بلدة فرنسية يبلغ عدد سكانها حوالي 6000 نسمة حيث تجري الانتخابات البلدية مرّة كل ست سنوات، كما هي الحال في لبنان. خلال الستة أشهر الأولى يقوم المجلس البلدي بوضع برنامج العمل للسنوات الست القادمة ويقدر تكاليف الأشغال ويحول التكاليف إلى مشروع ضرائب، ويصار إلى نقاش عام يتم في نهايته اعتماد المشاريع التي يريدها المواطنون وقيمة الضرائب التي سيدفعونها لتمويل هذه المشاريع. ثم خلال الستة أشهر الأخيرة من الست سنوات يصار إلى نقاش عام حول ما قام به المجلس البلدي بالمقارنة مع البرنامج وتكون النتيجة أساساً للانتخابات البلدية القادمة فلا حاجة للمواطن بمجلس بلدي فاشل أو مسيء.

{في حال تطبيق اللامركزية على النطاق البلدي بالفعل، ستكون نتائجه إيجابية بالنسبة للإدارة المركزية وللمواطن}

-6 وأخيراً لا آخراً، لا أرى فائدة كبيرة من الكلام عن اللامركزية في العمل البلدي، ولا أرى
نتائج عملية لصدور قوانين جديدة أو تعديل القوانين الحالية في هذا الاتجاه إذا لم تتخذ فالقوانين تبقى حبراً على ورق إذا لم يرافق صدورها امكانات التدابير المناسبة لتطبيقها.
والأمثلة كثيرة: أذكر منها قانون إنشاء أربع مؤسسات عامة للمياه تغطي كامل الأراضي اللبنانية الذي صدر سنة 2000 وأعطى هذه المؤسسات صلاحيات الإنشاء والتشغيل والصيانة والإستثمار لمياه الشرب ولمياه الري ولصرف المياه المستعملة، وأُعطيت مهلة سنتين لتستوعب جميع هذه المهام. وبعد مرور 25 سنة على إنشاءهذه المؤسسات لا يمكن القول بأن الوضع الراهن لقطاع المياه هو أفضل مما كان عليه سنة 2000 . كما أذكر بالنسبة للبلديات وعلى سبيل المثال، أنني حاولت وعلى مدى 19 سنة عندما كنت مديراً عاماً للتنظيم المدني إقناع بعض البلديات الكبرى بإنشاء مجمّع صناعي ليكون عنصرَ انماء وعاملًا أساسياً في حماية البيئة، فقبلت بلدية طرابلس الفكرة ثم تراجعت، وقبلت بلدية حمانا ثم تراجعت، وباشرت بلدية بعلبك ثم توقفت في منتصف الطريق.
أمّا في حال تطبيق اللامركزية على النطاق البلدي بالفعل، فستكون نتائجه إيجابية بالنسبة للإدارة المركزية وبالنسبة للمواطن:
– فهي تخفف الاعباء الروتينية اليومية عن كاهل الإدارة المركزية التي تتفرغ للمهام الكبرى كوضع الخطة الانمائية الشاملة ليأتي التخطيط المناطقي منسجماً مع التخطيط الوطني،
– وتُسهّل وتُسرّع خدمة المواطن لأن السلطة التي تؤمِّن له الخدمات تعيش بقربه.
وقد مرت فرنسا بتجربة من هذا النوع وهي البلد الذي يستوحي منه لبنان الكثير من قوانينه وأنظمته. فقد عمد الاشتراكيون عند وصولهم إلى السلطة مع الرئيس ميتران في بداية الثمانينات من القرن الماضي إلى تطبيق اللامركزية الموسعة على كامل الأراضي الفرنسية، رافقها تخوف كبير من الفشل. ولكن النتائج كانت جيدة فقد حملت السلطات المحلية المسؤولية بجدارة ومارستها بشكل يدعو إلى التقدير.

1 المادة الأولى من قانون البلديات (المرسوم الاشتراعي رقم 77/118
2 المادة 47 من قانون البلديات.
3 المادة 48 من قانون البلديات.
4 المادة 49 من قانون البلديات.
5 المادة 50 من قانون البلديات.
6 المادة 54 من قانون البلديات.
7 المادة 74 من قانون البلديات.
8 المادة 7 من قانون البناء.
9 المادة 13 – بند 3 – من قانون البناء.
10 المادة 13 – بند 4 – من قانون البناء.
11 المادة 13 – بند 5 – من قانون البناء.
12 المادة 18 – بند 4 – من قانون البناء.
13 المادة 18 – بند 7 – من قانون البناء.
14 المادة 22 من قانون البناء.

زر الذهاب إلى الأعلى