أربعة فنانين يعرضون في النادي الثقافي العربي

لعبة تقاطعات
أربعة فنانين شبان يشكلون دفعة جديدة من المتخرجين من معاهد الفنون في لبنان، الذين يهتم النادي الثقافي العربي في بيروت، عادة، بإتاحة الفرص لإخراج نتاجهم الفني إلى الضوء. وقد درج النادي منذ فترة على تقديم الفنانين الشبان، في معارض مشتركة قليلة العدد، مما يجعل فرصة حضور الفنان أكثر اتساعاً وبروزاً من طريقة العرض السابقة التي كان المعرض فيها يضم عدداً كبيراً من الفنانين. منتهى برجاوي، نسرين برغل، فادي سلامة وعادل المتني، عرضوا ٣٩ لوحة متباينة الاتجاهات، فقدمت برجاوي مجموعة من الأعمالِ التي تصوّر حال الأمومة في بداية تكوّنها، مقدمة رؤى خاصة لعلاقة الأم بجنينها، وقدمت برغل مشاهدات وجدانية داخلية بأسلوب تجريدي يفسح لبعض الملامح، أما سلامة والمتني فغاصا في عوالم الوجه الإنساني وما ينطوي عليه من تعبير يختصر الهموم والقضايا، بأسلوبين يتقاربان حيناً ويتباعدان حيناً آخر. تتقاطع أعمال العارضين الأربعة، ليس بالموضوعِ وحسب، بل بأسلوب المعالجة أيضا، كأن نستطيع أن نجد إمكان تلاق بين واقعية برجاوي وسلامة، أو تقنية تجريد برغل والمتني، لكن لا بد من أن نتوقف عند ما قدمته برجاوي مما يمكن أن نسميه اصطلاحاً «فن الواقع» على قياس ما يرد من تعبير «تلفزيون الواقع». فالفنانة تستخدم المشاهدات الشعاعية للجنين في مراحل مختلفة من تكوّنه في رحم أمه – وهي تجربة خاصة – مما يجعل لوحتها عالقة أكثر في تثبيت التقنيات الضرورية لتحويل الصورة الشعاعية إلى صورة لونية مشغولة بمواد مختلفة، وهذا بلا شك يجري على حساب الميل إلى البحث عن رؤى فنية. هي تختصر العمل الفني بتمجيد واقعة تستحوذ على مشاعرها، من دون اعتبار أن العمل الفني قد يكون أيضاً إعادة صوغ للواقع، بتدخل المخيلة التي تؤكد سلطة الفنان لاسلطة الواقع. في أي حال، ما تقدمه برجاوي في لوحتها هو خياً موجود في العالم. أحد الفنانين المرضر بالسرطان، في فرنسا، قدم لوحات هي عبارة عن كولاج للصور الشعاعية نفسها، من دون الاجتهاد في تحويلها إلى تصوير لوني كما فعلت برجاوي. نسرين برغل استطاعت أن تنطلق من المحترف في تصوير عالم داخلي، بتعبيرية غنية بالإشارات والانفعالات. اشتغلت بتقنية لونية مشدودة، من دون أن تطيعها هذه التقنية دائماً في فك بعض الارتباكات والإفصاح عن المشاعر بطزاجة أكبر. فطموحها كثيراً ما يبدو متفوقاً على الأدوات. تسعفها التقنيات بشكل جيد، لكنها تخفق أحياناً في إدخالنا إلى الأعماق التي تبتغيها للوحتها. عالمه الداخلي مكثف، لكن النوافذ البصرية إليه بقيت غامضة. فادي سلامة بدا أكثر محافظة على شكل الوجه، في حين ذهب عادل المتفي إلى التجرؤ على إزاحة الشكل وإعادة تشكيله، بما يلبي الطموح إلى تكثيف تعبيري، والبحث عن فضاءات أوسع في مساحة سيقة هي هذا الوجه. وإذا كان سلامة أكثر نقيداً بالواقع، مسخراً التقنيات اللونية لأداء لقطة لحظوية، فإن المتني بدا أكثر حرية في إطلاق ضرباته اللونية وتقديم مساحاته المركبة.




