جودت فخر الدين/ظِلّان لي ظِلّي وظِلّ الشّجرة

يأتي الشّاعر جودت فخر الدّين بديوانه الجديد ” ظِلّان لي/ ظِلّي وظِلّ الشّجرَة” لا ليُكمِلَ ما انتهت إليه دوواينُه السّابقة الباسقة، بل ليخرجَ منها عبر وُلوجِهِ إلى ألفاف الشّجر، ورسْمِ آثار خطواتِهِ في الدّنيا الخضراء، برهافة الحرف وعمق الفكرة وجماليّة النّظر.
يُبدع جودت دائمًا في توظيف أبيات قصائده، لتكون واسعة الرؤى،لامّة بمنمنمات الأشياء الحسيّة والتّصاوير البصريّة، تحمل الأسماء والأفكار والأضواء والأحاسيس والعِبَر، في مشهديّات يتباسق فيها الأثر في البصر، وتتغنّى فيها الأشجار بموسيقى داخليّة لا تحيد عن الايقاع قيد أنملة.
ولئن كانت الشّجرة هي الحاضنة الروحيّة لطفولة الشّاعر، والرَفيقة النّامية لسليقته، والمكان الوفيّ لتقدّمه في العمر، فإنّ ظلَّها ظَلَّ في ظِلِّه، حتى تطابَقَ الظِلاَّن في لوحة القصيدة، إلّا أنّ الأصل بقي واحدًا منفردًا لكلٍّ منهما، لذلك باح هو في النّهاية أنه “ما كان يومًا شَجرَة”. هكذا “يُمنتِج” الأصلُ الجوابَ للعقلِ السّارحِ في آفاق الرّوح والشِّعر والخيال، ويجعله يميّز بين الظِّلال والأصول.
وبعيدًا عن الأشجار التي تُلهم النّاظر بالاشعار، يخرج الشّاعر من لفائفها، ليدخل إلى شُجون الدّنيا الأخرى، منها آهات الحرب والهجرة والمكان والحنين والحرب.
لا شكّ في أنّ الهجرة من لبنان، ليست فقط تاريخًا للحروب المتعاقبة التي مرّت بربوعه، منذ عشرات السّنين إلى يومنا هذا، وفرّقت عوائل عن أهاليهم وشبّانا عن ذويهم، بل هي ثيمة دخلت في معظم النّصوص الأدبيّة والروائيّة والشعريّة اللبنانيّة، وكانت عنوانًا وجدانيًا لا يغادر متون الرّوايات والقصائد، لِمَا للهجرةِ من إيقاعاتٍ مؤلمة في ثنايا الرّوح.
{آفاق مهمّة في الدّيوان، تأمّلها الشّاعر بأسئلته الشعريّة التي تستند إلى موروث اللّغة وموروث السَّلَف}
الحرب والهجرة في ديوان فخر الدين مصطلحان متلازمان، فالحرب في نظره هي التي تحدد معنى الاقامة في البيوت التي نسكن فيها، وهي التي تجعلنا ” نرحل عنها، وترحل فينا”، وهي التي تتربّص بنا بين الدروب التي نختارها، لنجد أنفسنا أمامها على مدى عقود.
هنا وهناك ودائمًا يتصاعد غبارالحروب، فلا نحنُ نحنُ -يقول جودت- ولا الدّار دار، وما الحربُ إلّا التباسُ الدّروب”.
آفاق مهمّة في الدّيوان، تأمّلَها الشّاعر بأسئلته الشعريّة التي تستند إلى موروث اللّغة وموروث السَّلَف، مُنشِدًا:
“نستجير بأسلافنا،
كلّما أغرقتنا سيول جديده
فيرَوْنَ استغاثاتنا،
جُمَلًا رثّة في حطام القصيدة”.
ولأنّ بعضَ معاني الهجرة مُستلهَمة تأثيريًّا من هجرة الطّيور، وموظّفة توظيفًا فنيًّا في الأعمال الروائيّة والشعريّة، يدخل جودت في عالم الطّير مُنشدًا:
“سأُقْنِع نفسي
بأني فهمتُ طِباعَ الطيور التي هاجرتْ،
وطِباعَ الطيور التي لم تهاجرْ.
هو الطيرُ، مثلي يحبّ الشّجَرْ
ويقيمُ به شاردًا في معاني السّفَرْ”.
{من اللّافت أن يُطلِقَ الشّاعر أسئلة تحاكي مقتل زرقاء اليمامة في التاريخ، والخلفيّة الوجوديّة لاقتلاع عينيها}
تغتني قصائد الدّيوان بالظِّلال الكثيفة للمعاني والصّور والمواقف والرؤى، كما تغتني بالأصول القويّة للأحداث والعِبَر، ومن ذلك أنقاض الحرب والنّجاة والارتحال، وموت الأمّ مع دلالاتها الرمزيّة والمكانيّة والشيْئيّة المتعلّقة بها. وموت زرقاء اليمامة، إذْ من اللّافت أن يُطلِقَ الشّاعر أسئلة تحاكي مقتلها في التاريخ، والخلفيّة الوجوديّة لاقتلاع عينيها. ناهيكم عن الحوار الذاتيّ والمهمّ- رغم بساطة الفكرة- للشّاعر مع أدويته الموصوفه له.
ولأنّ الشاعر يصفّقُ بقلبه للأشجار والحدائق الغَنّاء، نجده يصِفُ “باب الحديقة” في هذه القصيدة :
” للحديقةِ باب كبابِ القصيدةِ،
والبيتُ مركزُهُ في الوسَطْ
والزهورُ التي نُسِّقتْ حوله،
يتنازعُها شغَبٌ أو شطَطْ.
تتناسقُ كي تتفتّحَ،
كالكلماتِ إذا ائتلفتْ.
وتطيرُ بأنفاسها في جميع الجهاتِ،
كما الكلماتُ إذا جمحتْ.
فالزهورُ نوافذُ للبيتِ تعلو به”.
“ظِلاّن لي ظِلّي وظِلِّ الشّجرَة”، عنوان يكشف جوهر التّماهي بين الرّائي والمرئيّ، ويستبطنُ سرّ الانفلات من الماديّات والسّفر إلى الروحانيّات.
غادة علي كلش
الديوان صادرعن: منشورات دار النهضة العربية
الطبعة الأولى: 2026
عدد الصفحات: 117 صفحة من القطع الوسط



