ندوات ومقالات

جودت فخر الدين/ أسباب ثلاثة لتراجُع حضور الشّعر في الوطن العربي

 يسرّني جدًّا أن أكون اليوم مع الصّديقين العزيزين شربل داغر وعلي نسر، وشكرا “للنادي الثقافي العربيّ” مُمثّلًا برئيسه الدكتور حسن منيمنة الذي هيّأ لهذه النّدوة إنطلاقًا من السّؤال: “هل انتهى الشِّعر؟” وهو سؤال بات يتردّد كثيرًا في هذه الآونة.

الإجابة عن هذا السؤال أصبحت معروفة عند المعنيّين بالشِّعر، خاصّة عند الشّعراء أنفسهم، أنّ الشِّعر لا يموت طالما أنّ الحياة تتيح لنا دائمًا أنْ نخوضَ تجارب جديدة، وأنْ نبحث عن آفاق ومعانٍ جديدة. فالشِّعر لا يموت، والكتابة الشعريّة أيضًا سوف تستمرّ، بل إنّ كُتّاب الشِّعر يزدادون كلّ يوم، والاصدارات الشعريّة كثيرة إلى حدٍّ لا يطاق في العالم كلّه، ليس فقط في العالم العربي.
إذن نستطيع أن نستعيضَ عن السّؤال “هل انتهى الشِّعر” بسؤال آخر، لماذا تراجع حضور الشِّعر في الحياة الاجتماعيّة، بالنّسبة إلى النّاس وفي العالم كلّه؟
سوف أختصر بقدر المستطاع:
أوّلًا: سوف أتكلّم في المستوى العامّ، والمستوى العالميّ. تراجَعَ حضور الشِّعر، نعم، ربّما لأنّ مصادر الدّهشة أصبحت في نظري، في العلم، في الفيزياء، في أبحاث الفضاء، في الكيمياء، من أكبر الأمور إلى أصغرها، من المجرّات والتمدّد الكونيّ، إلى الخريطة الجينيّة، انجازات العلم أصبحت هي مصدر الدّهشة. ولكنّ ذلك لا يعني أنّ الانجازات العلميّة تضرّ بالشِّعر وتقضي عليه. بل على العكس، الشِّعر يمكن أن يستفيد من انجازات العلم، تفتح له آفاقًا جديدة، والفلسفة أيضًا يمكن أن تستفيد من هذه الانجازات. الفلسفة والشِّعر والعلم هي حقول غير منفصلة تمامًا، وليس بينها حدود حاسمة، وإنّما ممكن أن تتقدّم معًا، وإذا تراجعت ممكن أن تتراجع معًا، ولكن أحيانا في مرحلة من المراحل، يمكن لواحد منها أن يطغى على غيره، بمعنى أن حضوره يكون أقوى من حضور غيره. ففي رأيي أنّ الانجازات العلميّة في زماننا هي أقوى حضورًا من الشِّعر والفلسفة وغيرهما. وهذا الأمر انعكس أيضًا على حياة البشر بوتيرة متسارعة، لا تتلاءم كثيرًا مع طبيعة الفلسفة أو طبيعة الشِّعر. يمكن لهذا السبب أو لهذين السّببيْن، أن يكون الشِّعر قد تراجع حضوره، ولا أقول إنّ الكتابة الشِّعريّة نفسها قد تراجعت. فكُتّاب الشِّعر كما ذكرت يزدادون، والدّوواين الشِّعريّة تزداد. أمّا الحديث عن جودة أو رداءة هذه الاصدارات، فهذا حديث آخر. يمكن أن تكون الكميّات كبيرة جدًّا، والنوعيّة قليلة.
ثانيًا: أترك المستوى العامّ، لكي أتكلّم عن واقعنا العربيّ. حضور الشِّعر عندنا أيضًا نحن العرب تراجع. لماذا؟ سوف أتكلّم عن بعض الأسباب.

{أصبحت اللّغة العربيّة ضعيفة في مؤسسات التّعليم ومؤسّسات الإعلام، حيث ينبغي لها أن تكون قويّة}

السبب الأول: وهو سبب مهمّ جدًّا، تراجُع اللّغة العربيّة في الاستعمال لدى الناطقين بها، لم يعد هنالك في العالم العربيّ من يتقن اللّغة العربيّة، فمن يقرأ الشِّعر؟ أصبحت اللّغة العربيّة ضعيفة في مؤسسات التّعليم وفي مؤسّسات الإعلام، حيث ينبغي لها أن تكون قويّة. إذا كانت اللّغة العربيّة في مؤسسات الاعلام التي تخاطب النّاس ليلا ونهارًا، ضعيفة، وإذا كان الّذين يدرِّسون اللّغة العربيّة في المدارس والجامعات لا يمتلكون الكفاءة المطلوبة، فأين تكون اللّغة العربيّة قويّة؟ والسياسيّون الذين يخاطبون النّاس يوميًّا لا أحد منهم يتقن اللّغة العربيّة. ورجال الدِّين الذين كانوا يتباهون بأنّ سلطتهم تأتي بإتقانهم اللغة العربيّة الفصحى، أصبحوا لا يتقنونها في الوطن العربيّ.
تراجُع اللّغة العربيّة في الاستعمال عامل أساسيّ في أن ينكفىء الشِّعر إلى هامش الحياة الاجتماعيّة. فمن يقرأ الشِّعر إذا لم يكن هناك منْ يعرف قراءته؟ إذًا القرّاء سوف يتناقصون باستمرار، ومن الطبيعيّ أن يصبح الشِّعر محصورًا في حفنة من المهتمّين وكُتّاب الشِّعر، حتى الذين يأتون إلى الامسيات الشعريّة ويحضرونها، معظمهم يؤدّون واجباتهم الاجتماعيّة، وليسوا في المستوى المطلوب من ناحية قراءة الشِّعر وفهمه.
السبب الثاني: جهلُ النّاس إجمالًا بأهميّة الشِّعر العربيّ عبر تاريخه. هم لا يعرفون في غالبيّتهم، أنّ الشّعر هو مكوِّن أساسيّ للشخصيّة العربيّة الحضاريّة والثقافيّة. يظنّون بأنّ الشِّعر هو مسألة يمكن أن نتخلّى عنها بسهولة، أو يمكن أن لا نتخلى عنها. لا يعرفون أهمية هذا الشِّعر. الشِّعر عند العرب هو ديوانهم. ما معنى ديوان الشّعر في الوطن العربي؟ هو الذي يحتوي على كل ما يتعلّق بثقافتهم وبشخصيّتهم الحضاريّة.

{نحن اليوم نستهين بالشِّعر ونعتبره غير مُهمّ، وبعضهم يتفاخرون بأنّ أولادهم لا يعرفون اللّغة العربيّة وأنّهم يعرفون لغة أجنبيّة}

قبل الإسلام كان الشّعر في حالة ازدهار، الفترة الحقيقية الأكثر ازدهارًا للشِّعر كانت قبل الإسلام. مع الاسلام تراجع الشِّعر لأسباب تعرفونها. فالإسلام أراد للشِّعر أن يكون نوعًا واحدًا، أن يكون على منوال واحد، أن يزيّن القيم الاسلاميّة الجديدة. تراجَع الشِّعر وظلَّ متراجعًا طيلة العصر الأمويّ تقريبًا، باستثناء بعض أشعار الحبّ، ولكنه عاد ونهض في العصر العبّاسي على أيدي شعراء متمرّدين، لم يقبلوا بما أراده الاسلام لهم من خلال النظريّة المعروفة في الشّعر إسمها عمود الشِّعر، وهي نظرية حاولت أن تضع حدودًا ومقاييس لكتابة القصيدة، الهدف منها أن يكتب الشّاعر بناء على ما تمليه القيم الاسلاميّة، وهذا تحديد للشعر، وحدّ من إمكاناته. الشعراء رفضوا ذلك وتمرّدوا وتفرّدوا وهم الذين أحدثوا نهضة الشِّعر، مثل أبي نوّاس وأبي تمّام والمتنبّي وابن الرّوميّ وصولا إلى أبي العلاء المعرّي. لو لم يتحرّر أولئك الشّعراء لما حدثت نهضة الشّعر.
إذًا، إذا كان هناك هامش للحريّة وللإبداع في تاريخنا من أوّله إلى آخره، فالشِّعر هو الذي يمثّل الآن هامش الحريّة والابداع. نحن اليوم نستهين بالشِّعر ونعتبره غير مهمّ، وبعضهم يتفاخرون بأنّ أولادهم لا يعرفون اللّغة العربيّة وأنّهم يعرفون لغة أجنبيّة، وأكثر من ذلك، المحلِّلون والسياسيّون الذين يظهرون على البرامج التلفزيونيّة، أُنظروا مدى الاستهانة بالشّعر، إنْ تحدّث أحدهم حديثًا سخيفا، يقول له الآخر: “هلق عم تحكينا شِعر” .أو يقول له “بدك تحكي شعر منحكي شعر”، وكأنه يعرف الشِّعر فيما هولا يعرف تركيب جملة. إنّهم يجهلون أهميّة الشّعر. إنّ المكوّن الرئيسي لشخصيّة العرب الحضاريّة والثقافيّة عبر تاريخهم هو الشِّعر. أنا لا أريد أن أنكر أنّ للعرب إنجازات في مجالات أخرى، خاصّة في العصور العباسيّة، في علم الكلام، في علوم البلاغة، في الطبّ، في الفلسفة. لهم انجازات، ولكن المعبّر الأوّل لشخصيّتهم هو الشِّعر.
السبب الثالث: هو الاعتقاد الخاطىء بأن تعلّم اللغة العربية وتعلُّم الشّعر، لا يتناسبان مع الحياة العمليّة. فالأهالي مثلا يوجِّهون أبناءهم نحو تعلُّم المِهن، كمهنة الطبّ والهندسة، أمّا إذا تعلّم اللغة العربيّة والشّعر فأين يجد عملا له؟ هذه نظرة خاطئة، فاللغة العربيّة في هذه الأيّام أصبحت مطلوبة، ومن يجيد اللغة العربية يستطيع أن يجد مجالا في العمل. وعلى كلّ حال حتى ولو لم يكن كذلك، فبرأيي أنّ الطبيب الذي لا يعرف اللغة العربيّة ليس طبيبا عربيًّا، والمهندس الذي لا يعرف اللغة العربيّة ، ينبغي أن يشكو من نقص في شخصيّته، وكذلك المحامي، وكذلك أيّ شخص يمتهن مهنًا أخرى. أنت عربي ولذلك ينبغي أن تعرف لغتك الفصحى.

{مشكلة تراجُع حضور الشّعر في حياتنا يمكن أن نواجهها بخطّة تربويّة، ليس هنالك طريقة أخرى}

إذًا هناك أسباب لتراجع حضور الشّعر عندنا، ذكرتُ بعضها. ولكي لا أطيل، أريد أن أقول ينبغي أن نواجه هذه المشكلة، وهي مشكلة كبيرة لا ينتبه إليها الكثيرون. الكثيرون يتكلّمون عن مشكلة إقتصادية وعن مشكلة مالية، وعن حروب وعن أعداء، ولكن منْ يتكلّم عن أنّ المشكلة الكبرى عندنا هي في التّعليم، وفي تراجع التّعليم يومًا بعد يوم، وخاصّة في تعليم اللغة العربيّة والشعر؟ أنا برأيي إنّ مشكلة تراجُع حضور الشّعر في حياتنا يمكن أن نواجهها بخطّة تربويّة، ليس هنالك طريقة أخرى. هذه المشكلة لها بُعدها التّعليميّ التربويّ. ينبغي أن نضع في البرامج وفي المناهج مادة الشِّعر، إبتداء من المراحل الابتدائيّة، لأنّني أعرف أنّ الذين يأتون إلى الجامعة الآن، يأتون على كُرهٍ للغة العربيّة وللشّعر العربيّ، لأنّهم كانوا قد نشأوا في المراحل الأولى على نفور من اللّغة الفصحى ومن الشِّعر العربيّ. لذلك ينبغي أن نضع في المناهج برنامجًا لتعليم الشعر. أعلم أن هذه العبارة “تعليم الشّعر” تُحدِثُ صدمةً لدى الكثيرين، فيعلّقون مباشرة متسائلين هل يُعلَّم الشِّعر؟ ليس بالضرورة أن يصبح المتعلّم شاعرًا،إنّما يتعلّم الشِّعر كما يتعلّم الرّسم والموسيقى. وليس بالضّرورة أن يكون كلّ الذين تعلّموا موادَّ الرّسم والموسيقى في مناهج الدراسة رسّامين وموسيقيّين.
تعليم الشِّعر يلزمه كفاءات من النواحي اللغويّة والبلاغيّة وما إلى ذلك، حيث بها نعزّز اللغة العربيّة وتعليم اللغة العربيّة، لكي نعيد لهذه اللغة قوّتها في الاستعمال.
إذًا، لو كان هنالك وعي لدى وزارة واحدة من وزارات الثقافة أو التّعليم في العالم العربي وفكَرّوا في مثل هذا الأمر وجرّبوه، جرّبوا أن يجعلوا مادّة الشِّعر لتكون مادّة تعليميّة أساسيّة منذ المراحل الابتدائيّة، فسيجدون أنّ التّلميذ في هذه المراحل العمريّة يمكنه أن يلتقط الأمور المتعلّقة بموسيقى الشّعر أكثر من الكبار.
أرى أنّ وجود مثل هذه الخطّة التربويّة يجعلنا نعيد للّغة الفصحى قوّتها وللشّعر حضوره، فاللّغة العربيّة أصلها الأوّل هو الشّعر، واليوم أصبح القرءان عند المتدينيّن هو الأوّل والشِّعر هو الثاني، ولكن حتى في الدّراسات القرءانية والأبحاث القرءانيّة الشِّعر هو المرجع عندما تكون هنالك مسائل لغويّة تقتضي حلّها.
إنّ نهوض اللغة العربيّة بنظري هو مهمّة مصيريّة، ويجب أن ننظر إليها بهذه الأهميّة.

* نَصّ المحاضرة التي ألقاها الشّاعر جودت فخر الدين في النّدوة التي نظمّها “النادي الثقافي العربي” بتاريخ 13 شباط 2026 بعنوان” هل انتهى الشّعر؟”

زر الذهاب إلى الأعلى