كتب

حسان أديب عودة/ إنهيار الحدود وصعود المحاور

تقاطع المصالح الروسية – التركية – الإيرانية في الشرق الأوسط

لماذا تستقطب منطقة الشرق الاوسط إهتماما دوليا، بشكل مستمر ومتواصل، ولماذا يتشظى هذا الإهتمام في مراحل تاريخية مختلفة، وتتعرض هذه المنطقة غالبا إلى محاولات تفكيكية، وأخرى توظيفية، وإلى هيمنة خارجية تتغير جهاتها بتغيُّر موازين القوى والنفوذ، وما هو اليوم واقع منطقة الشرق الأوسط بالتحديد؟
هذا السؤال المتشعب والعامّ، نجد أجوبته التحليلية في كتاب د. حسان أديب عودة ” إنهيار الحدود وصعود المحاور/ تقاطع المصالح الروسية – التركية – الإيرانية في الشرق الأوسط”.
يعتبر الكاتب أنّ أهميّة منطقة الشرق الاوسط، تكمن في موقعها الجغرافي، إذ تتمتع هذه المنطقة “بمكانة جغرافية سياسية ( جيوبوليتيكية) بارزة في مناطق العالم”. وميزة هذا الموقع الجغرافي سببها خصائصه الاستراتيجية والجيوسياسية والاقتصادية والجيوبترولية. لذلك وبالنظر إلى هذه الأهمية، فليس من المستغرب- يقول عودة- أن تكون هذه المنطقة، عبر العصور القديمة والحديثة، نقطة جذب للاحتواء والهيمنة من قبل أولئك الذين يسعون إلى السيادة العالمية أو الهيمنة الإقليمية”(ص13).
لذلك يرى الكاتب أن ما شهدته وما تشهده المنطقة من أزمات، يعود سببه إلى كونها نقطة استقطاب دولي وإقليمي، بحيث تتقاطع فيها المصالح وتتعارض وفق رؤية الدول الفاعلة والمؤثرة في أحداث الشرق الأوسط.

{شهدت تلك المرحلة تنافسا شديدا بين أميركا وروسيا والصّين وتركيا وإيران،}

يقارب د.عودة الفصل الأول من الكتاب إنطلاقا من المؤشرات التفصيلية التي يؤشر إليها العنوان وهو: “المصالح الإقليمية التركية والإيرانية” ويضيء على تاريخ بدء اندلاع ثورات” الربيع العربي” في العام 2010، حيث ضربت هذه الأحداث عمق الدول العربية وتركت أثرها في سياسات القوى الدوليّة والإقليمية، فشهدت تلك المرحلة تنافسا شديدا بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصّين وتركيا وإيران، وكان هذا التنافس على المصالح. وما ساعد في ارتفاع شدة المنافسة بين هذه الدول على المنطقة، إنقسام الدول العربية داخليا وخارجيا، وإفساح المجال لتدخلات الدول الكبرى التي تتخلى عن الحروب التفاوضية لصالح الشراكة الاستراتيجية.
مما لا شك فيه – يقول عودة:” إن التفكك الذي يسود الشرق الاوسط ليس بجديد، فقد شهدت المنطقة، حالات مماثلة سابقة، أدت إلى مواجهات عنيفة شاركت فيها قوى محلية وإقليمية وخارجية. بيد أن ما نشهده اليوم قد يعود بعضه إلى خلافات معقدة ومستمرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران”.(ص23).
وعلى خط مواز، أدى تفاقم الأزمة السورية التي اندلعت في العام 2011، إلى بدء فقدان النفوذ الاميركي تأثيره في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا في العام 2015، “مقابل نهوض التدخل الروسي الذي ظهرت آثاره بشكل واضح ، بحيث لم يؤثر هذا التدخل على ديناميات سوريا فحسب، بل أثر أيضا على الديناميات الإقليمية والدولية مباشرة”(ص 25). إلا أن دور الولايات المتحدة لا يزال قويا في منطقة الشرق الأوسط التي تتميز في منظور أميركا باحتضانها مناطق حيوية وتوفر لها ” فرصا ذهبية خلال فترات الأزمات، وتُمكنّها من لعب أدوار فاعلة في التصدي للقوى الكبرى الأخرى”(26).

{أشار البروفسور بول سالم إلى أن القرن الحالي قد يكون قرن تركيا.}

أمّا تركيا، فيرى عودة في مبحثه الأول ” أنّها بفضل سياساتها الاقتصادية الحديثة، أصبحت لاعبا مهما في منطقة الشرق الاوسط، فهي البلد الوحيد الذي أوجد مساحة لتعايش الدمقراطية والعلمانية والاسلام السياسي والعلم في المنطقة، وقد أشار البروفسور بول سالم إلى “أن القرن الحالي قد يكون قرن تركيا”. وقد أفرد عودة لهذا المبحث مساحة للحديث عن مصالح تركيا ودورها في المنطقة، تناول فيها حلم استرجاع أسس الدولة العثمانية وأسباب انكفائها التاريخي، وأفرد مبحثا واسعا لمقاربة العلاقة بين تركيا وإسرائيل، وإتفاق المصالح التي أبرمها البَلَدان وأسباب إنعطافة تركيا لعقد اتفاق مع إسرائيل، حيث نجح الطرفان التركي والإسرائيلي في تجاوز بعض العقبات للتوصل لاتفاق استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد ثلاث سنوات من المباحثات في ظل ظروف إقليمية متغيرة”(ص66).
بالنسبة إلى المصالح الإيرانية وهو عنوان المبحث الثاني من الفصل الأول، يرى عودة أنّ المطلب الاول لإيران هو حضورها من أفغانستان إلى لبنان، فقد ” تمكنت إيران من التفوق في الصراع من أجل تعزيز نفوذها الاستراتيجي في الشرق الاوسط لمواجهة السعودية، بحسب دراسة أصدرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن. وقد أنفق خصوم إيران في المنطقة مليارات الدولارات لشراء أسلحة غربية معظمها من بريطانيا. وعلى الرغم من تعرض إيران لعقوبات، فإنها تمكنت من تعزيز مكانتها في المنطقة في موقع تتمتع فيه بميزة إستراتيجية، وبتكلفة تقل كثيرا عما ينفقه خصومها. فإيران تتمتع بنفوذ في سوريا ولبنان والعراق واليمن”(ص72). وترتكز سياستها العامة على العقيدة التي لها التأثير المباشر على هيكلية الدولة
ومظهرها تجاه العالم والغرب تحديدا. لقد بانت إيران دولة مقيدة رسميا، زيًّا وسلوكا وتطبيقا بالإسلام، بالمركزية الممثلة لشيعة العالم.”(ص 109).

{شكلت مشهدا جيوسياسيا معقدا، بسبب النفوذ المتنافَس عليه}

الكاتب عدّد النقاط المحورية للموقع الجغرافي والاستراتيجي والجيواقتصادي لإيران، متناولا مساراتها ومصالحها وتحولاتها السياسية والامنية والاقتصادية بما يتعلق بدول المنطقة المجاورة لها ، وبالمحيط العربي. وقد أفرد الكاتب للعلاقة بين إيران ولبنان، وبينها وبين سوريا وبينها وبين العراق وكذلك بينها وبين اليمن مساحة كبيرة، أضاء فيها على كل مجريات الاحداث الكبرى التي حصلت في السنوات الماضية، في منطقة الشرق الاوسط.
وقد خصّص الكاتب الفصل الثاني الرئيسي من الكتاب المندرج تحت عنوان” التحالفات”، لتناوُل مصالح روسيا في المنطقة، مُفنّدا النقاط التي تتمحور حولها هذه المصالح، ومحددا مساراتها وانعكاساتها على الدول العربية المعنية بالصراعات التي تواجهها اليوم. كما خصصه للحديث عن تقاطع هذه المصالح الروسية- التركية- الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط.
وفي خلاصة عامّة يخلص الكاتب حسان أديب عودة إلى اعتبار أن هذه التحالفات شكلت مشهدا جيوسياسيا معقدا، بسبب النفوذ المتنافَس عليه، الأمر الذي أثر على سياسات الولايات المتحدة الاميركية في المنطقة، ويقدم إستنتاجات تحليلية مهمة، أهمية الكتاب عينه.
الناشر:دار النهار
الطبعة الأولى: 2025
عدد الصفحات:460 من القطع الكبير

زر الذهاب إلى الأعلى