رشيد درباس/معنى أن تكون لبنانيًّا

نصّ محاضرة الأستاذ أديب نعمة في ندوة:”معنى أن تكون لبنانيا اليوم”
التي أقيمت في “النادي الثقافي العربي” بتاريخ 21/11/2025
أظن أن من اختار عنوان هذه الندوة، أراد أن يطلق للمشاركين العِنان ليجوبوا في كل فضاء ويتحدثوا في كل أمر ومطلب، بل هو حرر بشكل أو بآخر النقاش من حدوده السياسية الضيقة، فأوسع حتى للشعراء والزجالين، والفنانين أن يستخرجوا من “معنى أن تكون لبنانيًّا” معاني لا حد لها من العاطفة والإبداع وأن ينظموا القصائد والأغاني، ويذهبوا إلى أبعد ما يحمله الخيال.
عليَّ القول ابتداءً إن الطلب إلى ابن الخامسة والثمانين – الذي هو أنا- معالجة هذا الموضوع، أدى إلى أخذي إلى وعيي السياسي المراهق والمناخات التي كانت سائدة في أوائل الخمسينيات، والتجاذب الفكري الحاد الذي كان مرتعه واسعًا في لبنان، لما يتمتع به من ميزات حرية القول، وما يزخر به من صحف ومجلات، ومطابع ومنابر واندية وجامعات، وبما هو موئل لرجال الفكر في العالم العربي كما الفنانين والمؤلفين والمثقفين.
وعلى هذا، فإن شرائح كبرى من الأجيال لم يكن همها “أيَّ لبنان تريد” بقدر ما كان الحراك السياسي مشبوبًا من أجل وحدة الأمة العربية التي منَّى نفسه بها الشريف حسين، وخذله من بعد وعده ماكماهون. بعدها صار الجرح الفلسطيني بالنسبة لنا لا يصدق ولا يندمل، فبات قيام الدولة الصهيونية بحد ذاته محور النشاطات الحزبية والصراعات، وسبب الانقلابات العسكرية التي كانت قضية فلسطين تتصدر دائمًا البيانات رقم واحد يذيعها ضباط استيقظوا باكرًا واحتلوا الإذاعة الرسمية بوساطة بعض الدبابات.
من الظواهر التي ننظر إليها باستهزاء الآن، أن الشبق إلى السلطة كان يمزق الصفوف المفترض أنها قومية عربية، على غرار ما حدث بين حزب البعث العربي الاشتراكي والرئيس جمال عبد الناصر، حيث لم تتوقف الاتهامات والتراشق بالعمالة وبالتواطؤ مع العدو الصهيوني وراعيته أميركا؛ أكثر ما يؤلم ان القوى القومية ذاتها، قدمت الذريعة القاتلة لإسرائيل لكي تشن علينا في السادس من حزيران 1967، هجومًا انزل بالعرب هزيمة منكرة لا زلنا ندفع ثمنها حتى الآن، فقد دأب البعثيون على اتهام القيادة المصرية بالتفريط والتنازل بسبب قبولها بالقوات الدولية التي كانت على مضيق شرم الشيخ، بحجة أن البواخر الإسرائيلية كانت تجد لها من ذلك المضيق ممرًّا من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض، وقد تبين فيما بعد هشاشة تلك الحجة؛ وبالمقابل فإن عبد الناصر الذي جرحه الانفصال وأدمته حرب اليمن، أراد أن يستعيض ويعزز نفوذه الشعبي بخطوة غير محسوبة ردًّا على الاتهامات المتهافتة، فطلب سحب القوات الدولية كمناورة سياسية لم يتوقع لها عواقبها الخطيرة، فكان ما كان مما لا زلنا نذكره ونعاني منه.
{ذروة الوطنيّة العربيّة تتمثل بعدم التفريط بكيانات “سايكس بيكو”}
الهزيمة مفترق طرق جوهري، أفرزت وقائع كثيرة أهمها الكفاح الفلسطيني المسلح، واتفاقية كامب دايفيد ثم وادي عربة، مع ما رافق كل هذه التطورات، من ضمور في الشعور القومي، وسيطرة الدكتاتوريات المتسترة بالشعارات الملفقة، والقمع ونمو الحركات الدينية والمنظمات الإرهابية وتدني مستوى المعيشة وتردي التعليم، وانتشار الأمية، والتفسخ المجتمعي، ورثاثة الفنون واستتباع العدالة، وتكاثر عدد الضباط من حملة الدكتوراه، وتعيين أشباه المتعلمين لرئاسة الجامعات والمعاهد العليا.
ما زلت في كل هذا أحدثكم عن نفسي التي كابرت فرفضت تصديق الهزيمة، واستبدلت بقيادة عبد الناصر، بعد وفاته، التعويل على المقاومة، التي أول ما فعلته هو استعداء البيئات الحاضنة في سياسة متعمدة قصد بها تسليط المرتزقة على أهل الرأي وعلى أمن المجتمع، وذلك لكتم أي اعتراض مبدئي أو سياسي، يكبل حرية حركتها التي أفضت بالنتيجة إلى أوسلو.
على هذا الموجز تتركز مداخلتي إذ تكَّون في وجداني بعد كل تلك المراحل والحقبات، أن ذروة الوطنية العربية تتمثل بعدم التفريط بكيانات (سايكس بيكو) إذ لنا بالسودان أسوة وبليبيا كذلك، وبما أفضى إليه الحكم الأسدي من تمزق النسيج السوري في ظاهرة مستعصية تفشت في عروق المذاهب والاتنيات وذهبت إلى عقد الأحلاف الأجنبية على حساب الدولة السورية التي لم تتضح ملامحها الجديدة حتى الآن.
وتطبيقًا لهذه الفكرة أجيب على السؤال:”معنى أن تكون لبنانيًّا”، فأقول: إن للبنان الكبير فرادَةً جغرافية وديمغرافية مشبعة بتاريخ من التآخي ومن العداء، إلى أن وجدت المكونات نفسها، بعد مخاض عسير وطويل ومكلف، وجهًا لوجه، أمام الحقيقة التي كانت مرئية كالشمس، وكنا نتجاهلها منساقين وراء تمنيات ورؤى خلبية وطموحات انقطعت صلتها بالواقع.
يقول الراحل صلاح عبد الصبور :
“لقد أردنا ان نرى أوسع من أحداقنا
وأن ننال باليد القصيرة المجذوذة الأصابع سماء أمنياتنا.
ماذا جرى للفارس الهمام؟
لك السلام …لك السلام
أعطيك ما أعطتني الدنيا من التجريب والمهارة
لقاء يوم واحد من البكارة”.
ذلكم قول حزين أدرك الكشف مبكرًا، أسوقه لوصف حال مضى لا لأنْعَتَ حالًا قادمًا أراه مستقرًّا ومتوازنًا ومبشرًا إذا ما توفرت له الإرادات أولًا، والحكمة والرصانة والرياح المؤاتية والظروف المناسبة؛ فلنقتسم إذن في هذا اللقاء كسرة من حكمة الأجيال التي تتوارث حتى الآن قول شوقي:
لبنان والخلد اختراع الله لَمْ
يُوسَمْ بأزْيَنَ منهما ملكوته
فالكيان كما رسم، وكما كان ينبغي له أن يسلك من ذرى الجبال ثلجًا مذابًا في أنهار العذوبة مقتفيًا قواعد الفطرة والسليقة، دهمته زلزلة من فالق جيولوجي لم يحسب حسابه، إذ صار جنوبه وبعض شرقه، حدودًا مع دولة معادية، أجلت سكان فلسطين، وكان للبنان نصيبه من اللجوء الذي دخل على التوازن الدقيق فأصابه بقلق تفاقم حتى الانفجار في الأحداث المعروفة التي استمرت على مدى ربع قرن. ثم جاء التفويض العربي والدولي لقوات الأسد بضبط الأوضاع فكانت الهيمنة الناجمة عن احتلال الكويت إذ أحكم النظام السوري قبضته على الحكم كجائزة له على مشاركة قواته في حملة تحرير الكويت من الخطيئة الصدامية.
{تلك الظروف قد أصبيت بنكسة حادة عندما فشلت محاولات التسوية العربية الإسرائيلية}
ربما ذهب كثير إلى تفاؤل مبالغ به، بعد إبرام اتفاق الطائف، وتولي الشهيد رفيق الحريري لرئاسة الحكومة حاملًا في جعبته خبرة إنمائية ونوستالجيا وطنية، مدعومًا من المملكة العربية السعودية، بإمكاناتها الكبيرة مستفيدًا من التفاهم السوري السعودي الذي ظنه مستدامًا، وملائمًا له في حرية الحركة. يضاف إلى هذا أن الرجل كان يتمتع بصداقات دولية مذهلة، كان يسخرها جميعها لخدمة مشروعه بإقامة دولة لها عاصمة عريقة للمستقبل (وفقًا لتعبيره).
لا ينكر أحد أن تلك الظروف قد أصبيت بنكسة حادة عندما فشلت محاولات التسوية العربية الإسرائيلية، التي ذهب فيها السوريون شوطًا بعيدًا، إلى أن أحبطت المساعي بعد قتل رجل اوسلو اسحق رابين، فانهزم دعاة التسوية الإسرائيليون لمصلحة الليكودية، وصعد نجم الممانعة والمقاومة، وندبت إيران نفسها لمساعدة القوى الرافضة للتسوية. في هذه اللحظة لم تعد للقوى المهيمنة أية مصلحة باستمرار النهج الحريري، فناصبوه العداء وكالوا له الجحود والنكران، إلى أن أودع مشروعه أمانة في الأحياء فيما ذهب هو إلى موته بقرار اشترك في اتخاذه وإخراجه وتنفيذه معلومون استتروا وراء الإنكار المكشوف.
خرج الجيش السوري، لكن النفوذ تحول إلى قوة الأمر الواقع المتمثلة بحزب الله الذي استغل دوره في المقاومة ليجعلها مقاومة بلا نهاية تؤكد سيطرته على القرار وعلى الدولة بمفاصلها الرئيسة.
معنى أن تكون لبنانيًّا…لا تتحدد معالمه إلا على ضوء المراحل التي ذكَّرتُ بها، فالشعوب مع الأسف لا تثوب إلى رشدها، بالبصيرة، بل بالتجارب المريرة التي أملت علينا موضوعيًّا، وبغض النظر عن العواطف والإيديولوجيا، معرفة مصالحنا، بمعناها الفردي والجماعي، وأولى هذه المصالح أن تكون لنا دولة كاملة الأوصاف وفقًا للتعريف الكلاسيكي للكلمة.
{الواقعية السياسية والاجتماعية هي أولى صفات المواطنة}
عندما كنت مسؤولًا عن ملف اللاجئين السوريين في وزارة الشؤون الاجتماعية توصلت إلى نتيجة حاسمة، هي أن الدولة حاجة فردية بالدرجة الأولى، لأن التجربة دلت على أن الإنسان بلا دولة، هو بلا كرامة وطنية ولا رعاية تربوية أو صحية أو أمنية. وعلى هذا فإن أول ما يتبادر إلى فكري عن معنى “أن تكون لبنانيًّا” هو أن تكون مواطنًا في دولة عادية تحت قيادة ذات حزم وحنكة تتداول السلطة وفق الدستور، وترسم سياساتها وفق إمكانياتها البشرية والاقتصادية، وتأخذ بعين الاعتبار جغرافيتها الصغيرة المعرضة للانتهاك، وتتخطَّى السجال الذي يحث على تشكيل جيش مقاتل يكون بديلًا للجيوش العربية مجتمعة.
الواقعية السياسية والاجتماعية هي أولى صفات المواطنة، والابتكار يمكن أن ينقلنا من ساحة قتال أبدية إلى الاستفادة من ميزاتنا التفاضلية التي لن أضيع وقتكم بتعدادها.
والواقعية السياسية، توجب أيضًا مواكبة الحركات السياسة ومراقبتها من الانزلاق إلى المغامرات، خاصة أن إسرائيل المنتصرة عسكريًّا، تعاني حاليًّا من مغبة أعمالها الوحشية ليس لدى دول العالم بل أيضًا لدى قطاع واسع من الجاليات اليهودية التي فقدت كل قدرة على التبرير والدفاع.
إن المواطن العادي، وبالتالي اللبناني هو الذي يرغب أن يعيش بأمان في ظل عدالة نزيهة، في دولة تتوفر فيها فرص العمل، وتقوم على اقتصاد نشيط وذكي، وتكون موئلًا أمينًا صالحًا للاستثمارات الخارجية والداخلية، في ظل شبكة حميمة من الأصدقاء والأشقاء، على قاعدة مبدأي الشفافية والمحاسبة.
معنى أن أكون لبنانيًّا، هو أن أسترد ما كنت عليه قبل خمسين، وأن تتوفر عندي لياقة القفز فوق السنوات العجاف، بحوادثها وذكرياتها، وأن أدرك ما كان يجب أن أدركه بثمن أقل، أن لا حماية لأية طائفة إلا في ظل دولتها ودستورها وقوانينها، التي تساوي بين المواطنين.
معنى أن تكون لبنانيًّا هو أن تجعل مجتمعك واحة لقاء وممرًّا للقاح الرياح، وأن يكون عقلك بستانًا يتسع لأنواع الفسائل وتداخل الغصون، وأن تكون بيئتك معبرًا آمنًا للطيور المهاجرة، ومنتجعًا للسنونو من بعد رحلة حجها…
معنى أن تكون لبنانيًّا أن تكون منخرطًا في التجمعات التي تمسك السوانح وتعزز الفرص، وتنبذ التعصب والاختلاف، بحيث لا تتوارث الأجيال الضغن لأن النسيان نعمة وطنية.
وأخيرًا، إن المعنى الأهم لأن تكون لبنانيًّا.. هو أن تكون حرًّا…



