علي شمس الدين / في المجاز التقني

علي شمس الدين
الشعر في مكان ما هو بقايا اللغة، بقايا تعلق في شقوق الكلام التي ينحسر التحديد العقلاني على تخومها فلا يصل إليها. وفي هذا الانحسار يتشكل المجاز، مادةً تَخرج نثراتٍ تتكون فيها إرادة الشاعر ليلتقط روح العالم. ولهذا يبدو تاريخ تشكله وتغييره لامعا في التقاطه روح اللحظة وتراسيمها. تلك اللحظة التي يخرج منها الشعر كنسق تعبيري يتخذ من التكثيف والترميز عناصر يتخلص عبرها الشاعر من سطوة الحقائق وأطرها ويتحول مادة لبناء أصوات للأحاسيس وهي تحاول الإفلات من سطوة المنطق وعسف تحديداته الساعية دوما إلى حقيقة ما. وهو بهذا محاولة لتحيين اللحظة والقول في الراهن وصناعته على صورة الشاعر صوتا منفردا في إخراج تصورات جديدة عن الوجود.
غير أن الشعر، في راهننا المتقدم بسرعة، يبدو عاجزا عن تشكيل محور قول واهتمام في هذا الراهن، فهو يخرج غريبا عن اللحظة وغير متناسق مع إيقاعها واعتمالاتها، ضعيفا أمام الطارئ والمؤقت والكثيف والعشوائي. هو يبدو صعبا مع نفسه قبل أن يكون صعبا مع اللحظة. يقف على أنقاض فيلتبس عليه المكان والوجود في هذا الزمن. فصناعة الشعر في الراهن تظهر كموضة تتسرب من حقبة سالفة ومتقادمة بغرابة وبهتان في نسيج وقتنا الكوني هذا. كأنه يخرج من متاحف الزمن وليس صوتا يسجل مخاض الواقع وتمظهراته وصدى يكمل تردده في المستقبل. وبهذا فإن محاولات إحيائه تبدو عرضية وعابرة في سيل هادر من حطام الماضي وتلاشيه في انقضاء الراهن المزدري. وفي هذا العجز عن قول يصمد ويحفر نماذج وأنساق جديدة يُقابَل هذا الشعر بانطباعات تتراوح بين الملل والسخرية.
أحسب أن هذين الانطباعين (الملل والسخرية) محقان في تقابلهما مع الشاعر وشعره. فالشعر يبدو كما لو أنه يقيم في ضفة بعيدة عن الحدث وتداعياته، وتوظيفه للغة والتصورات تزيد غرابة ظهوره بين مكونات اللحظة. ولا يُحرر هذا الالتباس، القائم بين إرادة الشاعر وعجز شعره، بمحاولة تجديد تنطلق من تصورات أفلت، كانت قد صنعت للشعر مركزا في لحظات زمنية مختلفة في التاريخ، واتخذت من صيغة التجديد فيه إرادة لنقله من زمن إلى آخر، متكئة على أثاث ومعالم لحظات فارقة، حيث كانت أفكار كونية كبرى تشكل وعي اللحظة وتصوراتها عن العالم. فوجد الشعر آنذاك فيها محركا ودافعا ليصوغ خطاباته عن الهوية والحرية والجسد والمستقبل والوجود، وليخط نماذج تعيد تعريفه وتصنع أنساق تجدده وتشكل تصوراته ومساراته التي تصنع له موقعا في الثقافة.
{الشعر يبدو كما لو أنه يقيم في ضفة بعيدة عن الحدث وتداعياته، وتوظيفه للغة والتصورات}
قد تبدو اللحظة التقنية الراهنه الآن، شبيهه بتلك التي ابتكر فيها غوتنبرغ المطبعة، من حيث تشكيلها لحياتنا عبر أدوات تتيح نقل وتوزيع الأحاسيس والأفكار ومشاركتها بسهولة فائقة. غير أن هذه التقانة ليست بريئة في سخائها علينا، وإتاحتها القول والمشاركة. فاللحظة التي نُبحر فيها على متن هذه التقانة الآن تبدو مبحرة في زمن، أقل ما يقال فيه أنه غير ملائم للشعر الذي نعرفه وما يمثله في الثقافة. فظهور المقاول التقني (entrepreneur) أرسى معادلات وتصورات للحظة الراهن، وضعت ذلك الشعر، ومحاولاته التقاط روح العالم، في زاوية معتمة لم يعد يستطيع الشاعر أن يصنع العالم فيها. لم تعد مجانية النثر وإيجازه وتوهجه كافية، إذ تبدو هذه اللحظة التقنية ناجحة في وضع خصائص الشعر تلك في مكان منتهي الصلاحية، كما أنتجت عالما كونيا جديدا معرفا بألغاز وأساطير ورؤى لا تستطيع اللغة الشعرية، التي نعرفها، أن تلتقطها في تردداتها وتمظهراتها التقنية.
فالمقاول التقني بنى عالمنا هذا مدفوعا بحمى الإنجاز وبتصور يتحدد بتدرج وإصرار لا يتيح للحظة الشعرية أن تتصلب، ولا للغة الشعرية أن تربط بين الذاتي والكوني، ولا أن تبني الذات فرادتها لتلمع. فالوقت بالنسبة له هو طاقة الأداء الذي لا يتوقف. والإنجاز رغبة لا تُشبع عند هدف يتحقق، فهي تقيم في المابعد، مدفوعة بإرادته التقنية لتفسير العالم والانتصار عليه. وإرادته هذه هي مفتاح السر الكبير الذي يأخذنا إليه. فهو صانع الذات التقنية على صورته، ومحفزها، وعرَّاف هذه اللحظة، ومحللها النفسي. وهو ينتج الذات التقنية ويرعاها عبر توزيع الأحاسيس في أقنية التقانة المبرمجة، التي تشكل خرائط تمظهرات هذه الذات وأدائها في مسرح اللغة المكتوبة والبصرية وعبر أشكال تعبيرية يرسمها التكثيف والإيجاز والرموز والاستيهامات الرقمية.
وهذه الخرائط الأدائية يحركها الإدراك والاستدلال السلوكي عبر تحديدات إجرائية أوتوماتيكية تضبط بدورها النماذج والأطر التفاعلية والظهور النجومي الممسرح لهذه الذات. وهذا ما جعل اللحظة التقنية هذه مثابة نقطة صَهْرٍ لتصورات شبه عقلانية عن الحقيقة، يمتصها الوهج التقني ويصرّفها في اندفاعات نفسية ترسم للذات حدودها في دائرة الرضى والنمو. وهاتان قيمتان تغذي الواحدة منهما أتون الأخرى. وفي اشتعالهما المتأجج ترسمان قطر دائرة الإنجاز وتُوسِّعانها. وبهذا يأخذنا المقاول التقني معه، في تصوراته، إلى نظرة عن أنفسنا في دوائر تتمدد في اللحظة التقنية هذه عبر حقول واسعة تتلاشى الحدود فيها بين الرغبة والمتاح تباعا، ليخيل لنا أننا نستطيع أن نغير العالم وحياتنا عبر الأداء والانجاز وبالتماثل مع رموز هذا الفضاء وصُنَّاعِه المقاولين، وهذا مجاز منجز مجمرك ومختوم من المصدر وجاهز للاستهلاك.
{الخروج الافتراضي من عزلاتنا إلى الأفق الأدائي يتم عبر أشكال تعبيرية تفرضها أدوات التقانة وتصورات المقاول التقني}
وهذا الاعتمال الكثيف بين وهم الإمكانية والإنجاز كثنائية جينية في بنية المجاز الجديد تولّد الطريقة للبقاء على قيد الحياة كرئة في الافتراض. وإقامتنا في تلك الدوائر هي مُراوحة في مخاض يحتبس في سيستيميّة تُرمم تصدعاتها الذاتية بزيادة الفعالية الدائمة. وفيها تنتفي قدرتنا على تغييرها أو مغادرتها، فنمسي فيها كائنات تتفيأ بظلال حقائق متحركة تولد كل يوم، كتناسل لأساطير قادمة من المستقبل وتتحقق عبر مثابرتنا على استخدام هذه التقانة، وغرسها أكثر فأكثر في وعينا وسلوكنا اليومي الأدائي، فنصنع من هذا عزلاتنا المتزايدة. ولهذا فإن الخروج الافتراضي من عزلاتنا إلى الأفق الأدائي يتم عبر أشكال تعبيرية تفرضها أدوات التقانة هذه وتصورات المقاول التقني عن كيفية العيش، وعن أدوارنا في مشروعه هذا. وهذا الخروج الافتراضي يغسل ويصقل تباعا ذاتيتنا ويغذيها بتكثيف لا نهائي عبر التصورات التقنية لاقتصاد اللحظات التي نقيم فيها والتي تتيح بناء خطاب تفاعلي واستهلاكي لتلك الذات، فتظهر فيها كانطباع دون أثر. انطباع يتشارك مكوناته مع انطباعات أخرى تشكل في كليتها انطباعا كونيا على هيئة رؤية المقاول التقني المؤسس لهذا الفضاء وراعيه.
وهذا المجاز الجديد ينمي نوعا من الالتباس قادر على تحويل الطارئ والمبهم إلى ظاهر ممكن ومُعاش يُختبر بأحاسيس واستيهامات تتفلش بإتاحة عالية في فضاء القول التقني الذي يرسم المستقبل بثقة عالية، متخذا شكل حاضرٍ منطلق دون ماضٍ مما يضع اللغة في نقطة شلل كبير. فلا إفلات من هذا الإنجاز الهادر المُكْمِل ولا إمكانية للعودة إلى التاريخ. ففي مدانا العربي المهشم لا أساطير ترسخت ولاحقائق لمعت ولا طبيعة صمدت كحمولات تصْلُحُ لننسج على نولها، معانٍ نتكئ عليها في صناعة المجاز الذي نعرفه. وفي هذه الفرادة الزائفة لا حيز آخر للذات التقنية تلك للقول والوجود. إذ تصبح تصوراتها عن نفسها حقائق تدور في قيم متحركة في مفردات اللغة وليس في بناء اللغة وجملها وإمكانيات الخروج بها إلى فضاء آخر للمعاني. إذ تصبح هذه القيم محركنا الوحيد جاعلة ما هو إحساس ضمني وشاعري وقائع شبه صريحة. فصناعة المشترك التقني الذي يحدده المقاول هذا، والذي نحيا فيه هو صنو مصنع الذات التي لطالما أراد الشاعر أن يشيدها في قصيدته. غير أنه في هذه اللحظة التقنية، إذا ما عادت الذات إلى “الواقع”، وجدت نفسها في صندوق عزلة لا تسعفها مع وجودها فيه، لغة شعرية منفصلة عن تمظهرات الافتراض، فهي تخرج في غير مكان، كالطباعة دون حبر.
تصورات المقاول التقني تلك وإنجازه تشبه إلى حد بعيد التصورات الساعية للحقيقة التي طرحها أفلاطون: لنحدد معنى الحياة ونحصل على ما نريد، علينا فرض إرادة تصورنا على العالم. وهذه الإرادة المتمثلة بالسعي للحقيقة إنجازا تلو إنجاز، هي صورة هذا المقاول التقني وتصوراته التي تحدد لنا أفق نظرنا وسبل أدائنا، وإذا نحن تعبنا أو أشحنا النظر عن نجمة الشمال، ضللنا ووقعنا في حفرة النسيان. وفي هذا يبدو أننا نعيش في رفات قصيدة دائرية منثورة، نعيش وقع توسعها كل يوم، في تصلب خطاب هذا المقاول وترسخ مشاريعه وتكاثرها في حياتنا.
{الشعر كما رآه الرومنطيقيون كإفلات للأحاسيس من التحديدات العقلانية، لا يستطيع أن يصمد في هذه المرصوفة}
هذا في حد ذاته هو إقامة جبرية في خدمة إرادة تنجز كل يوم أفقها وتضع الهدف التالي في اللحظة ذاتها، راسمة لنا فضاء العيش وآليات التماهي مع أشكال وأنماط، تشكل نسيجا جديدا غير مألوف لكينونتنا وتصوراتنا. وفي هذا المجاز الجديد سمة أساسية، وهي البرَّانية، أي أنه مجاز معطل، يقيم ويتلاشى في لحظة الأداء، مجاز لا يستوفي عناصر رحلته من الأحاسيس إلى اللاشيء، إلى الروح. وبالتالي لا نستطيع أن نتلمس خاصية الوجود فيه. ففيه لا يمكننا الإنصات إلى الكلام لنسمع عناصره الأولية خارج التحديد التقني والعقلاني الأدواتي. أي أننا لا نستطيع أن نشعر بقوة الكلام لأننا لا نستطيع الولوج فيه إلى مساحة المبهم السابق على إرادة الإنجاز، تلك الميزة التي أراد لها الفيلسوف الألماني هايدغر أن تشكل رسم تاريخ الوجود السابق على التحديدات الأفلاطونية والسقراطية ولاحقا المسيحية وثم التقنية. وإذا أردنا العودة بهذا المجاز إلى التاريخ صارت لغتنا خشبية ومتحفية، كاريكاتورية بليدة دون أفق اتصال نحو الاغتراب عن اللحظة لتحديها والانشقاق عنها. أبعد ما يمكننا الوصول إليه في هذا المعاندة هو تكرار نوستالجي داخل اللحظة. وبهذا فإن الشعر كما رآه الرومنطيقيون ونيتشه ومن ثم هايدغر، كإفلات للأحاسيس من التحديدات العقلانية لا يستطيع أن يصمد في هذه المرصوفة. لا تستطيع الأحاسيس الهروب بعيدا عن التحديدات النفعية التي أرساها المقاول التقني.
تبدو هذه اللحظة التقنية برمتها كأنها منبر شعر من نوع آخر، شعر براغماتي أداتي، شعر مُحفز وغاوٍ. إذ يتيح لنا هذا الفضاء التقني آليات تتماهى فيها أحاسيسنا ورغباتنا مع رغبات المقاول هذا وتصوراته، ومع إرادته وإنجازه والحقيقة التي يريدنا عليها. وهذا فيه شيئ كثير من خصائص الشعر المنفلت، إذ يبدو كأنه أنساق تفاعلية منثورة تتشعب وتتمد دون صوت أو مركز، دون وحدة تَحققها. فتصورات المقاول هذا وجدت تعريفات وصورا مبرمجة لأحاسيسنا نسجل فيها اعتراضاتنا أو الاختيار بين مذاهب وألوان تتيحها تصوراته باختصار لغوي وترميز شديدي التكثيف.
يبدو أن المجاز الذي لطالما عرفناه كصوت من خارج الفضاء المنطقي، والذي هو في الشعر دعوة لتغيير اللغة والحياة عوضا عن تنظيمها، لم يعد متاحا بيسر. فالذي يميز هذا المجاز الذي عرفناه ليس المعنى، بل الاستخدام. ولكنه الآن صار نفعيا لا يمكننا الإنصات من خلاله لما لم يعد ممكنا سماعه. لم يعد بوابة اللغة إلى التحول. إذ عليه أن يحضر ويتحلل سريعا ويتحول إلى أداة ليصير لغة اليومي والعادي، أداة للعيش والسخرية. وهذا مايضع الشعر في معضلة، فهو عامة ليس لغة خصائص، منبعه يقع بعيدا عن الفعل وليس من خلاله. لهذا أجدني أقول: إن هذه اللحظة التقنية هي لحظةٌ شاعرية خارج الشعر.



