
{علي الأمين: صحافي، كاتب سياسي، ورئيس تحرير مجلة جنوبية}
——————————————————————————————————-
شكرًا لدعوتكم لي للمشاركة في هذا اللقاء، وأرى أن هذه الدعوة تعبّر عن حاجة لمزيد من من جلسات التفكير وقراءة ما يجري، وكذلك إستشراف المستقبل.
لا شكّ في أنّ الوضع من الصعب قراءته في العمق ورصد التوقعات المحتملة تجاهه، في لحظة تتداخل فيها العوامل الإقليمية، لتعطي هذه الحرب خصوصيتها وطبيعتها المنفردة، لذلك نحن معنيون بمتابعة حرب أميركا وإسرائيل على إيران وما يجري في مسارها.
أمّا فيما يتعلّق بالنقاط المثارة في هذا اللقاء والموضوعة للنقاش، فأبدأ الكلام عن وضعية حزب الله. وأرى أنه من الصعب توقُّع كيف سيكون، لأن هذا الوضع سيكون رهن تطورات الحرب، ما هي الخطط الإسرائيلية، إلى أين ستذهب الامور، هل فعلا سينجح التفاوض اللبناني- الإسرائيلي ويصل إلى إتفاق ما، وإذا وصل إليه هل سيكون حزب الله ضمن هذا الاتفاق، أو أنه سيكون في مواجهته؟
لا شك، هناك أسئلة عديدة في هذا المجال، وتساؤلات حول كيف سيكون المسار، لكن على الأرض وبالمبدأ، كثيرون يقولون ومنهم أنا إن حزب الله هو حزب ذو طابع أمني وعسكري، وأثبتت الوقائع السياسية والأمنية والعسكرية، طيلة الفترة الماضية، وخاصة ما بعد العام 2000، وتحديدا ما بعد العام 2005 وكل محاولات الحوار التي كانت تحدث دائما، كانت تراهن على أن حزب الله سيذهب إلى خيار سياسي، وأُعطيَ ربما لقاءات عديدة كانت تبتغي استدراجه إلى المسرح السياسي، لكنه كان دائما يقدّم البعد الأمني والعسكري، وهذا الأمر ناتج بطبيعة الحال عن جذر تأسيسه الذي يثبت لنا من الوقائع الأخيرة، سواء بإطلاق الصواريخ، أو ما قاله قاليباف أو ما قاله المرشد، أو الرسائل المتبادلة بين المرشد ونعيم قاسم،أنّ الحزب لا يمكن أن يتخلى عن هويته الإيرانية، ولا عن هويته الأمنية العسكرية، وهو يدرك في العمق أنه في اللحظة التي يتخلى فيها عن هذه الهوية الأمنية العسكرية سيحول إلى اندثار ما، وسيخسر مبرر وجوده. لذلك أرى أن المعضلة تكمن هنا، فحتى الآن وكل هذه الوقائع وهذا التحشيد وهذه التعبئة التي تجري اليوم، تؤكد أن حزب الله لا يضع إحتمالا بأن تذهب الأمور إلى أن يكون حزبا سياسيا. وبالتالي نحن أمام مأزق مفاده أننا نتعامل مع قوّة عسكرية لا تريد التخلي عن هويتها هذه، وبالوقت نفسه نحن نتعامل جسم إيراني في لبنان أكثر مما هو جسم لبناني يريد أن يجد مكانا ما أو ينخرط في وضعية لبنانية، بقدر ما يريد أن يكون امتدادا للثورة الإيرانية. وهو يتعامل مع الحرب اليوم بمنطق أنها حرب وجودية له، حرب لم تعد تحتمل تسويات، وبالتالي فهو ذاهب إلى النهاية بكل سلوكه الذي نشهده على الأرض واستعداده نحو الذهاب بعيدا في هذا الاتجاه.
{من الضروري جدا تقديم نماذج إيجابية عن سيطرة الدولة بمعنى أن تحكم على الأرض كي يرى الشعب اللبناني ومن ضمنه الفريق الشيعي حمايتها لهم}
بالنسبة للدولة، أعتقد أن لبنان معني بها وكذلك الحكومة اللبنانية، ولعل الخطوة التي تمت من قبل نواب بيروت في الآونة الأخيرة والتي تبنت اطلاق شعار بيروت مدينة منزوعة السلاح، هي الفرصة الوحيدة، على ما أعتقد، مع الحرص الدائم على الحوار من قبل الحكومة اللبنانية التي لم تغلق باب الحوار مع الحزب، ودائما ترسل الرسائل من أجل الحوار، وأرى أن هذه الروحية ينبغي أن تبقى سائدة. وفي موازة ذلك أرى أنه من الضروري جدا تقديم نماذج إيجابية عن سيطرة الدولة بمعنى أن تحكم على الأرض كي يرى الشعب اللبناني ومن ضمنه الفريق الشيعي حمايتها لهم وأن تكون الحائط الذين يستندون إليه في لحظة الحرج.
هناك شعور دائم بأن الحكومة اللبنانية تُظهِر عجزها رغم البيانات المهمة والقرارات التي صدرت، وهذا الشعور هو عميق يرافقه قول الكثير من السياسيين والإعلاميين عن أن الدولة عاجظة عن نزع سلاح حزب الله. أكيد ليس مطلوبا منها أن تشن معركة على الحزب لنزع سلاحه، هناك مكان بين أمرين، أن تبدأ الدولة بقضم المنطق الميليشوي شيئا فشيئا،وتعطي نماذج وتضع أمثلة عن سيطرتها وسطوتها. وبيروت ربما تشكل نموذجا أو مجالا لتشكيل هذا النموذج فتكون الدولة مسيطرة ومصادرة للسلاح بطريقة أو بأخرى وتطبق القانون ضد مجموعة مراكز قوى ميليشياوية في بيروت ، تسيطر على مجموعة من الأحياء. ففرض هيبة الدولة ولو بشكل بسيط ،يمكن للحكومة أن تعطي مثالا من خلال هذا العمل.
{النموذج الايديولوجي التي شكلته الثورة الإسلامية، نموذج ولاية الفقيه فقَدَ حاضنته الشعبية داخل إيران وأثبت فشله}
بتقديري وبشكل سريع،بالنسبة لأميركا وإيران أنا ميّال للإعتقاد حاليًّا بأن إيران ذاهبة إلى أزمة عميقة مهما كانت نتائج هذه الحرب، سواء ربح ترامب أم خسر، فإيران وبكل المعطيات التي يتابعها الكثيرون من الأشخاص لا يقولون إن النظام آيل للسقوط الآن ، ولكن يعتقدون أن المشروع انتهى، النموذج الايديولوجي التي شكلته الثورة الإسلامية، نموذج ولاية الفقيه فقَدَ حاضنته الشعبية داخل إيران وأثبت فشله، حتى المشروع الذي كان ببعده تجاه تحرير القدس، وتجاه تمدد الثورة الإسلامية، فقد الكثير من مقوماته، لا بل فقد أيضا جاذبيته وتحول إلى إلى سلطة أكثر مما هو مشروع ممكن أن يشكل عنصرا جاذبا لفئات متعددة، سواء على المستوى الإسلامي العام أم على المستوى الشيعي.
بالنسبة للنقطة الأخيرة المتعلقة بالشؤون الاجتماعية، فهي تشكل تحديا للدولة، خصوصا وأن حزب الله يشكل عائقا لدورها، وهو مصدر تعطيل لمسار إعادة الاعتبار لمنطق الدولة، ولكن أيضا في لحظة معينة إذا نزعنا حزب الله من المشهد اللبناني إفتراضيا، فستبقى لدينا أسئلة حقيقية تتعلق بإعادة بناء الإجتماع السياسي اللبناني، وإعادة ترميم منطق القانون ومنطق الدولة، والقيام بالإصلاح بأبعاده السياسية والإقتصادية. مثل هذه التحديات لا يُستهان بها، ويجب أن تكون ملحوظة في أي محاولة في سياق ترسيخ مشروع الدولة.
لذلك ينبغي أن نقيم حاضنة سياسية لبنانية تنطلق من دعم مشروع التفاوض الذي يجري اليوم، لا بالمعنى المطلق في دعم خيارات الدولة، ولكن أن تكون هناك نظرة فيها عملية ضبط لأي خيارات قد تُفرَض على لبنان بشكل أو بآخر.



