سليدرمنبر حر

زياد ماجد متحدّثا من باريس عبر تقنية الزووم /مطلوب إعادة البحث في النظام السياسي اللبناني بعد الحرب

{زياد ماجد: كاتب وأستاذ جامعي لبناني( مقيم في باريس) ساهم في إعداد دراسات حول قضايا التحول الديمقراطي في لبنان وسوريا والعالم العربي}

————————————————————————————————————-
أوافق على كثير من الأمور التي تحدث عنها حسن منيمنة من واشنطن، وأعتقد أنه لأسباب عديدة مفهومة ومبررة هناك جو لبناني يتجه كثيرا ليصبح لبنانويا بتعاطيه مع مجموعة أمور تتخطى الحدود اللبنانية ولها علاقة برسم مرحلة جديدة في المنطقة وبالعلاقات الدولية وبعملية إعداد ممنهج للقانون الدولي ولمعظم المكتسبات التي انبنت عالميا وليس فقط بما يتعلق بمجتمعات معينة بعد الحرب العالمية الثانية.

الحالة اللبنانية للمواطن الذي يعايشها بشكل يومي ويعاني منها، تقتضي ربما التركيز على الدور الأكثر من سلبي لحزب الله في كل السنوات الماضية، وتقتضي أيضا ضرورة الحديث عن إعادة بناء الدولة وعن ضرورة حصرية السلاح، ولا ينبغي أن يكون هناك أي تنازل عن الشعارات المحقة والضرورية والتي تعبر عن حاجة موضوعية بسبب حالة الانهيار، بسبب مسؤولية حزب الله عن إيصال البلد إلى الكثير من المآزق والدوامات التي تعيش فيها. وبالتأكيد هناك اليوم “المسألة الشيعية” التي تتطلب التعامل معها من أجل تفكيك كل ما هو متوتر فيها، وبالعلاقة مع باقي المكونات التي هي ليست طائفية فقط وإنما هي سياسية.
أعتقد أن التركيز فقط على هذا الموضوع يغفل مجموعة عوامل خارجية ويغفل مرحلة جديدة إسرائيل تريد أن تمارس خلالها السطوة على المنطقة كلها، وهي بدأن قبل 7 تشرين الأول أكتوبر 2023، ولو أنها بعد هذا التاريخ فإن حرب الإبادة بغزة والتواطؤ الدولي معها، فتح شهية أوسع لبنيامين نتنياهو وهو دائما يعبر عنها من أجل توسيع حدود إسرائيل بالقوة، ليس بشكل دائم ربما، إنما من خلال إعادة رسم خرائط وتفكيك بنى -لا أريد أن أقول دولتيّة- وجعْلها من الصعب إعادة بنائها أو ترميمها. والحالة اللبنانية ههنا واضحة، تفكيك كل موازين القوى في المنطقة،ولبنان هو جزء من هذه المعادلة، وإذا كان دور الأطراف اللبنانية هو جعْلُها صعبة، فهنا يؤخذ على حزب الله أنه سهّلها لهم من خلال انخراطه الحربي والدخول في المعارك التي خاضها. ولكن بمعزل عنها وفي موازاتها هناك مشروع إسرائيلي واضح المعالم، وهو ليس سرًّا، هو مكتوب في كمٍّ من الوثائق، ومعلن عنه بكمّ من التصريحات، وصار هناك كمّ من النقاشات في أوروبا وبأميركا حوله وحول الموقف منه والموقف من ترامب، ومن كل هذه المرحلة القائمة التي نحن كلبنانيين ننسى أن هناك شيئا إسمه قانون دولي، بحيث تطبّعنا مع غياب أي إشارة إلى هذا القانون.

{المفاوضات إذا كان جوُّها تطبيعيًّا فستُحدِثُ إشكالا كبيرًا ليس فقط مع حزب الله ولكن مع جزء من الرأي العام الذي يتم الاستخفاف به}

أنا بالتأكيد مع إيجاد صيغة لنزع السلاح وبسط سلطة الدولة ودعم الجيش، ولكني ضد أي تطبيع مع إسرائيل. فالمفاوضات أفقها مفترض أن يكون وقف إطلاق النار وأخْذ وقت طويل فيها بقدر ما يتطلب الأمر،لربط الانسحابات الإسرائيلية بإجراءات داخل لبنان ودعم الجيش وإعادة التجديد لليونيفل، ويمكن للبنان مع كل ضعفه أن يتكل في هذه المفاوضات على أصدقائه وعلى مجموعة مصالح تتشابك عربيا وأوروبيا ليكون أفق المفاوضات جيدا، ولكن إذا كان جوُّها تطبيعيًّا فستُحدِثُ إشكالا كبيرًا في الداخل اللبناني، ليس فقط مع حزب الله ولكن مع جزء من الرأي العام الذي يتم الاستخفاف به، فهناك جزء من اللبنانيين المغتربين من الذين هم على تماس مع فئات من الجيل الجديد، يدرك أن هذه الفئات تسيّست ليس بسبب حزب الله فقط، فهي لم تكن موجودة في العام 2005 مع وجود قوى 14 شباط وقوى 8 آذار، بل تسيّست على وقع الإبادة الإسرائيلية لغزة وأصبحت مواقفها شديدة العداء لإسرائيل، ونحن نعرف انتماءاتها من خلال الأسماء التي تخص طوائف مختلفة، وأنا أتحدث ههنا عن شباب جامعيين جدد موجودين في العديد من الدول الأوروبية وقد التقيت بالبعض منهم. وهذا الجزء بالذات أسيء فهم علاقته بالسياسة وبالشأن العام.
بالمقابل أرى أن ما قاله الأصدقاء في بيروت حول ردة فعل حزب الله التي ربما قد تكون عنيفة، أو قد تتابع مسارها في سياسة التخوين، أو قد تحاول أن تحاصر تحديدا نواف سلام وما يرمز إليه سياسيا ومذهبيا، هي سيناريوات ممكنة. فالخطاب التخويني لحزب الله كان واضحا من البداية،وهناك خطاب بالمقابل يراهن على إسرائيل لإضعاف حزب الله، وهو لم يكن مثل العام 2006 خطابا مضمرا،بل هو خطاب معلن وهو يؤدي دورا سلبيا مماثلا للخطاب التخويني مما يؤدي إلى جهوزية صدام أهلي لا أريد أن أقول حرب أهلية لأنني لا أعتقد أن هناك اليوم موازين قوى تسمح بوقوعها.

{اتفاق الطائف سيعاد طرحه وبرّي قد يكون الواجهة في طرحه ويعبّر عن دينامية ديموغرافية وسياسية لبنانية قد تكون جديدة}

الأمر الآخر، أعتقد أنه سيصار إلى وجود طرح وهو الآن يُطرح في الدوائر الفرنسية على الأقل، ضمن أصداء لأصوات لبنانية لإعادة البحث في النظام السياسي اللبناني بعد أن ترسو هذه الحرب على معادلة جديدة. المطالب الشيعية بالمثالثة، أو إعادة البحث في صيغة ما بعد الطائف أو بالقول إن الطائف كرس شراكة مارونية-سنية، وحضور الشيعة فيها هو عبر السلبطة والتعطيل وليس عبر المشاركة الفعلية. فاتفاق الطائف سيعاد طرحه وبري قد يكون الواجهة في طرحه، ويعبر عن دينامية ديموغرافية وسياسية لبنانية قد تكون جديدة، مع خشية موجودة في كثير من البيئات الشيعية ليس فقط من إسرائيل وإنما أيضًا من السلطات الجديدة في سوريا. وهذه النقطة تحتاج أيضا إلى عمل لتبديدها.
بالمقابل هناك أمر ينبغي الإشارة إليه وأنا كنت منخرطا في الموضوع، فالتوتر اللبناني- السوري الذي حصل بسبب انخراط حزب الله في الدفاع عن النظام الأسدي المتوحش في سوريا، أصبح اليوم موجودا في الخشية من الحدود الشرعية، الأمر الذي يتطلب تعاونا وتعاملا عقلانييْن.
أخيرا، نحن اليوم قادمون على مجموعة تحديات داخلية وخارجية، ويمكن أن يكون للبحث صلة.

زر الذهاب إلى الأعلى