قراءة في قصائد سامر عدنان درويش غناء الرقة والحزن والحنين
صباح زوين
ندخل الى قصائد سامر عدنان درويش في اناة كبيرة كي لا نزعج او نخدش تلك الرقة التي تكتنف ابياته، مثل غناء رقيق ينعش الروح ويأخذها الى المسافات الوجود الابعد. لكنه الوجود النقي، أي العاري الذي يعيشه درويش ويكتبه، الوجود النظيف من وحول الحياة اليومية ليرتقي بالشاعر الى الاحاسيس الشفافة والعذبة.
بيد ان درويش ليس كاتب قصائد ابتهاج او فرح بذاته وبما يحوطه، بل هي بالاحرى محطات حنين وحزن ولا يخلو كلامه في هذا المجال من نبرة العزلة والخيبة: “عار، خلف جدار، بيدي قلم، وراء ظهري الاقدار، مضت الايام وعرتني ورمت معاطفها الغيوم وخبأتني وانا اطل على نفسي فيهرب مني ظلّي (…)”، ويبدو ان جدار مر عدنان درويش لا يختلف عن هذه النفس، نفسه، التي كيفما تحرّك اطل عليها أو أطلت عليه فكلاهما ظل واحد يطارد الشاعر في امكنته الحميمة، اي في دواخله المتشظية، لصعوبة الاقدار، لعري الاوقات، لسماكة الجدار. الم تعره الايام من احلامه واشواقه؟ الم يتسبب له بالتشتت والتشظي والانسكار: “اتشتت بعيدا وانكسر كألواح الزجاج المتحطم حولي” فالشاعر لا يرى نفسه متحطما فحسب، انما تنعكس حالته على ما حوله، وعلى العالم اجمع ربما. اليس هذا الحطام كما التفتيت انعكاس الوقت العابر ومرآته؟ يقيني ان الشاعر يحدس بقبور الزمان السريع، وبالزوال المحتم لكل ما يتعلق بالروابط الانسانية والعلاقات العاطفية.
فالخيبات جزء مهم من تفاعل الوقت مع كل حدث في حياة المرء اليومية: “لقاء عابر، فتاة متألقة في مواجهة قدرها، زهرة تنبت بين الاشواك، اغراء فتان، قلوب تتلاقى خلف القضبان، مؤامرة تحاك في السرير … الشك يدفع باليقين نحو الهاوية (…) رسالة تعود الى المرسل” يعي درويش لعبة الاقدار وشراسة الخيبات فما من قاعدة ولا نظام، بل ظلم واشواك تتآكل القلب البشري ولا تترك له “فسخة للتنفس خارج الجدار او “القضبان”. انه قدر الانسان الذي لا هرب منه الا في القصيدة.
نبقى ملك الشاعر وحده وحيّز حريته. لكن هذه الحرية التي تتيح له القول لا تحفظ له بالضرورة شعورا باليقين حيال العالم واشيائه! انها الهاوية التي بات يراها ويفرق فيها. هي كالجدار مكان المأساة، اي العزلة والمعاناة.
الا ان “النافذة” تبقى في حياة الشاعر تلك الفتحة الممكنة وسط الاحباط، اوجدها لتلازم رحلته في صحراء الوجود: “قالت لي: سنلتقي من جديد في يوم مشمس آخر في محض صدفة اخرى (…)”. لكنه يتابع يائسا او قويا يواجه المرارة: “ماذا حل بك يا حبيبتي؟ ها انت تأتين!
استطيع ان اراك، من خلال الامواج في هذه الزرقة المائجة (…) ها انت تتكلمين، لكن لا استطيع سماعك، كلماتك لا تصل الي، تتلاشى في صدى الامواج المنكسرة على شاطئ (…) فأنا امضي في طريقي، او اجلس خلف حائطي”. نافذة سامر عدنان درويش تظل مفتوحة الا انه لا يُفَش بها، فما يغلب على مشهده اليومي هو الخيبة واليأس، لذا نراه اما ماضيا في طريقه على طريقة المغلوبين فيتركون كل شيء لعدم ايمانهم بشيء، او جالسا امام حائط مسدود لا يأتي نور منه او وميض امل، مستسلماً لمشيئة القدر والعذاب الروحي. اليس هذا العذاب الداخلي شبيها بصورة النافذة التي تؤجج الالم بسبب ازدواجية الموقف؟ فهي تمنح الشاعر امكان الرؤية، وتسلبه في آن واحد امكان السمع اي الاقتراب. في تعبير آخر، يتواجه في هذا المقطع مفهومان متناقضان،
أي الرؤية والسمع، فالاولى يمكن ان تحصل في لغياب، بينما الثاني لا يسعه ان يتحقق الا في الحضور.
البداية والنهاية، الاكذوبة والحقيقة، المجيء والذهاب، اضداد يجمعها الشاعر في مقطع من قصيدة، واضعا الصورة المشوشة للحالة الصعبة في اطار هذا النزاع الجواني الذي يتجاذبه عميقا.
يعيش هذه الامور ويكتبها بشعلة الوعي واليقظة المتمردين، وبنار اللوعة والحرقة والمعاناة، وبجمر الحنين الى ماض جميل وحب بعيد.
شاعر يكتب الوجود في ظلامه ويكتب الحب في خيباته. يكتب الانتماء والهوية في غمرة الشك والريبة باحثا عن ذاته ومعنى كيانه، متسائلا عمّن قد يكون ومن اين اتى والى اين هو ذاهب. يري نفسه في مرآته او يرى نفسه في صورة من احبّ، فالامر سيان: “ارض ليست ارضي، موطن ليس لي، انتماء ابحث عنه، يوم موحش آخر، وابحث عن هويتي التي اضعتها في خزانة امي يوم ولدت يوم فقدتني ويوم ولدت من جديد. دخيل انا على الجميع، غريب انا وسط الزحام (…) رجل يتوجه نحو الشمس يخطو خطوته الاولى، يتجه نحو البحر ويمضي، في عينيه نظرة الوداع والحنين وفي يده اللعبة الاخيرة، لعبة الوطن الاسيرة (…)”.
جدار سميك مقفل هذا الوجود الذي يحاول سامر عدنان درويش خرقه او فهمه او استيعابه، ونافذة جميلة تلك التي فتحها الشاعر على ذاته وعلى العالم. فمن خلالها يستطيع الهرب من الخارج الصاخب والمضني الى الذات الهادئة والحاضنة ولو الشجية. ولو خاف من هذه الذات المعذبة ومن عزلتها الشديدة، لجأ مجددا الى بريق شمس وان خفرة، الى سماء، الى مجتمع، حتى تكتمل قصيدته بأجمل الصور.
جريدة النهار
١٦/ايار/٢٠٠٤


