معرض الفنانة فتاة بهمد تدوين المساحات الملونة والإحساس بها

جريدة اللواء
٢٠/ايار/٢٠٠٤
زهير غانم
ثلاث وأربعون لوحة فنية بالألوان، وحجوم صغيرة، ومتوسطة، وبعضها كبير، أغلبها في الطبيعة الصامتة، والجواءات الداخلية للغرف، وبعضها عن البحر، وتميل الى المنمنمات الملونة، سوى أن الفناذة حاذقة مساسة في تدوين المساحات، حليلها وتركيبها. وفي الصياغات الملونة التي تعقدها في مناخاتها الحميمة عن الطبيعة الصامتة، والبحر، وكأنها تحدسها وتتذوقها، بعين رائية بصيرة. تتملى الأشكال، وتقطفها وتستثمرها وتعيد توضعها وترتيبها، وتوزيعها كما ترتأي، غيرٍ عابئة بالمنظور أحياناً، وأحياناً تنساق الى المرايا الداخلية والهندسات المرئية واللامرئية، التي حتكم إليها في توليف اللوحة بحيث تذهب العين للتفتيش والإكتشاف مع لمسة ريشة حساسة. ومعاجين لونية تذهب في الدسامة والخصوبة والتروية. حتى أن الفنانة تلجأ إلى تقطيع المساحات. وإلصاق قطع ملونة عليها، كما لو أنها في الفسيفساء غير المنضبطة أو أنها في الأرابسك والكولاج، بروح شرقية اشراقية. تجوهر أسلوبها الفني من خلالها. وهي تستشعر الأبعاد في البعد الواحد أو البعدين للوحة التي من السهولة قراءة مفرداتها وعناصرها. إلا أن تفهم ألوانها بحاجة الى تأمل لمعرفة الإشتقاقات والكيماويات التي تعول عليها، وهي تورف لوحتها وتورقها، وتلجأ إلى توازنات الأضواء والظلال، وإلى تداخلات ومجاورات الألوان الحارة والباردة والفاترة التي تغترفها من ملوانتها، وتتدفق فيها على بياضات الرغبة والروح..! وتتوزع الألوان، الأزرق بتوناته وطبقاته، البرتقالي والأصفر، الأحمر والبني، وبعض الخطوط السميكة للمفاصلة بين الحدود والتخوم والمقاطع في اللوحة، لكن ذلك يتم بفاعلية، ويعتمد استنهاض حركة الريشة وتراقصها، وبقايا المشاعر والأحاسيس التي تنغمد فيها، وتنطوي عليها، حيث المراودات البصرية قائمة قاعدة، وحيث الرود الشجي للطبيعة الصامتة، ومشهديات البحر التي تأسر الفنانة فتلجأ الى تجويدها. وتطريبها وتنغيمها، خارج السكون. وفي ذروة الموجة وقراراتها، تتواقت وتتواقع مع اللوحة، تتزامن وتتماكن فيها، وكأنها على بينة مما تفعل قبيل أن تفعل. وهذا من نشاط الجسد والروح، والأنوثات المتعالقة مع البحر في مده وجزره، ومع اعتكاس فضة القمر، أو ذهب الشموس فيه..! ولا يهم موضوع اللوحات، قدر أهمية الكيفية التي تعبر فيها عنها. ورغد الألوان وغبطتها، وشغفها الذي لا ينتهي ولا يتناهى، وكأنها عقدت العزم على بلورة وجوهرة المساحات اللونية، واستدراكها وتداركها، في الأشفاق والأغساق. وفي الظهيرات بسبب اقتطافها للضوء الذي يضفي الكثير من الشاعرية، ويحيل الى المنمنمات الملونة، وإلى القصائد المرئية التي تنجزها في هذه اللوحات..! لا شيء يحجب الفنانة عن نصها التشكيلي، خاصة وأن العين الصافية والريشة الحانية هي التي تستظهره وتستجليه، لذلك تتكاشفه وتستبصره بالألوان التي تتداعى من دخيلتها الى الخارج، وتجعلنا نتساءل، كيف تولف سيمفونية اللون، وتضرم نيران الموسيقى فيه، وتهزج وتجذل في ايقاعاته السرية، عبر العلائق الخفية فيه، لذلك تقف لوحاتها، مراياها، في مدار الجاذبية البصرية، وهذه تنطوي على إجادة استخدام الأبجدية التشكيلية في أعمالها، وعلى احتباس زمن هذه العناصر وتأبيدها، كذلك على أسر حركة البحر التموجية، وتدوين الأزرق، بكل الأحوال الممكنة، حتى نستشعر تواقت فوران البحر، مع فوران جسد وروح الفنانة منه وفيه، وهكذا ينقبض البصر، وينبسط على الآلاء واللالئ التي تبص من لوحتها، حتى لو كان اسلوبها في شبهات أسلوب معلمتها، إنما تتحايل فيه، وتحاول تكوين وبلورة أسلوبها الخاص، وجوهرته، واستملاكه، بتغيرات وتبدلات الألوان التي تتمازج نكهاتها، وعطورها الدفينة، وتنشرها أممنا، وتفغمنا فيها.


