سليدرشعر ورواية

نديم نجدي/ “رواية دفتر الزيداني” صوت السّخرية المُرّة وصورة القحط الوجوديّ

 تبدو رواية “دفتر الزيداني” امتدادًا طبيعيًا لمشروع نديم نجدي الفكري والسّردي، حيث تتجاور الفلسفة مع الحكاية، والنقد الأيديولوجي مع التأمل الوجودي. فالرّواية لا تنتمي إلى الرّواية التقليدية ذات الحبكة الفنية السهلة، بل إلى كتابة مختلفة، تمزج السردي بالتأملي، والواقعي بالتهكمي، واليومي بالمجازي.

أبرز ما يلفت في رواية نديم نجدي” دفتر الزيداني” هو صوتها السّاخر المرّ. فالكاتب لا يهاجم الأيديولوجيات مباشرة، بل يعرّيها من الداخل عبر شخصيّات تبدو مأخوذة من هامش الحرب والقرى والأحزاب الصغيرة. هناك نزعة واضحة إلى تفكيك “البطولة الثورية” وتحويلها إلى مادّة للسخرية السّوداء. الحوار الخاص بالحزب الشيوعي، مثلًا، يكشف قدرة الكاتب على تحويل اللغة السياسية إلى كوميديا عبثية، من دون أن يفقد النّص عمقه الاجتماعي. هذه المقاطع تُذكّر أحيانًا بأدب التشريح السياسي عند بعض روائيّي ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية، حيث تصبح الأيديولوجيا شكلًا من أشكال الوهم الجماعيّ أكثر منها مشروعًا للتحرّر.
على المستوى الفنّي، قوّة الرواية تكمن في لغتها. اللغة هنا كثيفة، مشبعة بالصور والتأملات، وتملك إيقاعًا فلسفيًا واضحًا. لكنّ هذه القوّة نفسها قد تتحوّل إلى نقطة ضعف عند بعض القرّاء؛ إذ إنّ السَّرد أحيانًا يتباطأ لصالح التأمّل الفكري، وكأنّ الكاتب الفيلسوف يتقدّم على الكاتب الرّوائي. لذلك قد يشعر القارئ بأن الشخصيّات ليست دائمًا كائنات حيّة بقدر ما هي حوامل لأفكار ومواقف ورؤى.
الصحراء في الرواية ليست مجرد مكان، بل استعارة كبرى. إنها صورة للجدب الروحي والسياسي معًا. من هنا تبدو الحرب، كما يلمّح النص، نتيجة حتمية للقحط الوجودي قبل أن تكون صراعًا سياسيًّا. هذه الفكرة تمنح الرواية بُعدَها الفلسفي العميق، لكنّها تجعلها أيضًا نصًّا نخبويًّا نسبيًّا، يحتاج إلى قارئ صبور يتقبّل البطء التأملي والحوارات المكتنزة بالدّلالات.
ومن العناصر اللاّفتة أيضًا حضور “الدفتر” بوصفه رمزًا للذاكرة والاعتراف والتوثيق. العنوان نفسه يوحي بأننا أمام كتابة تستعيد الماضي لا لتوثيقه فقط، بل لمحاكمته أخلاقيًّا وفكريًّا. هنا تتقاطع الرّواية مع تقاليد “الرواية الاعترافية” التي تُستخدم فيها الذاكرة أداةً لتفكيك الذّات والجماعة معًا.

{الرواية أقرب إلى الروايات الفكرية العربية التي تهتم بسؤال المعنى والانهيار التاريخي}

ويمكن القول إنّ الرّواية تتألّق في ثلاثة مسارات أساسية:
1-بناء مناخ فلسفي ثقيل لكنّه جذاب.
2-تقديم نقد ساخر للأيديولوجيا اللبنانية والعربية.
3-إنتاج لغة أدبية ذات نبرة خاصّة وواضحة.
لكنّها في المقابل، قد يُؤخَذ عليها بعضُ النقاط منها:
1-كثافة الخطاب الفكريّ على حساب تطوّر الشخصيات.
2-الميل إلى الاستطراد الفلسفي.
3-محدودية الحدث الدرامي أحيانًا مقارنة بثقل اللغة والأفكار.
أمّا إذا أردنا وضع الرّواية ضمن سياق أوسع، فهي أقرب إلى الرّوايات الفكرية العربية التي تهتم بسؤال المعنى والانهيار التاريخي، أكثر من اهتمامها بالتشويق التقليدي أو البناء البوليسي. وهي بهذا المعنى ليست رواية للقراءة السّريعة، بل نصّ للتأمل وإعادة القراءة، خصوصًا وأنّها تقرأ آثار تفوُّق التكنولوجيا على الشجاعة والإقدام، بعدما صُيِّرت الحروب “تُدار بالوكالة عن البشر… لقتل البشر”، كما وأنّها تراقب “انزياح الكلمة في وقتنا المشهود، عن مركزها لصالح معرفة رقمية آخذة في الاطّراد”.
نقرأ من متن هذا العمل الروائي المختلف( ص44) ” إشتُهِر زيداني باستطراداته المستعجلة، بغية تنفيس محبوسات خزّانه الفلسفي الأوسع من ضيق وقت محاضرة أكاديميّة،: لمّا استرسل بالقول: سألني بول ريكور عن جنسيتي، قبل أن يشرف على أطروحتي. ولمّا عرف بأنني متحدّر من أصل فلسطيني، رثى لحالي وقال:” أنت شاب ملعون بولادتك في بقعة جغرافيّة خطرة، يحتدم فوق أرضها عنف التاريخ”…..لم يتحمس ريكور أبدا لأفكاري الصبيانيّة عن الحرية ومقاومة الاستعمار قدر حماسته لاختبار فرضياته عن المشرقيّين المتوسطيّين…لكنّه كان متفهّمًا لي… أمّا فوكو، فقد كان قليل الكلام في أوّل لقاء جمعني به مقهى باريسي، إمّا بسب ازدرائه الفلسفي للفلسفة، أو لأنّ ميوله المثلية لم تستسغ ذكوريتي الظاهرة من نظرتي الهائمة بفتاة شقراء كانت تتصفح كتابًا، قبالتي، في زاوية المقهى تمامًا”.

الناشر: دار سائر المشرق
الطبعة الأولى: 2026
عدد الصفحات: 207 من القطع الكبير

زر الذهاب إلى الأعلى