شعر ورواية

توشيكازو كواغوشي/ قبل أن تبرد القهوة

تنتمي رواية “قبل أن تبرد القهوة، قبل أن أدرك كم أحبك” للكاتب الياباني توشيكازو كواغوشي لروايات الخيال العلمي، وذلك من حيث الفكرة الرئيسية والبناء عليها، وتحديدًا فكرة السفر عبر الزمن التي أُثيرتْ عبر العديد من المؤلفات الروائية والأفلام السينمائية العالمية.

ولأن الإنسان يشغله دائما مسار الزمن الثابت في مروره وتقدّمِه الدّائم نحو الأمام، فقد حرص بعض المؤلفين حول العالم على كتابة الطروحات الفكرية الخيالية واجتراح اللامعقول واللاواقعي في حركة الرجوع بالزمن الحاضر إلى الماضي، وبالذات الراهنة بمتغيراتها وظروفها، إلى ما كانت عليه تلك الذات، قبل سنوات، بالشكل والظرف والحدث وما يمكن أن تفعله وقتذاك.
يقدم توشيكازو في روايته هذه التي تُعَدُّ جزءًا من السلسلة الناجحة التي استقطبت شهرة في العديد من البلدان،افتراضًا لفرصة “تعيد الشخص بالزمن إلى الوراء أو تذهب به إلى المستقبل، بشروط لا يمكن خرقها وبفنجان قهوة لا بُدَّ أن يُشربَ قبل أن يبرد”.
تقوم بنية الرواية المكانية حول مقهى صغير في طوكيو، حيث يمكن لمرتاديه السفر عبر الزمن. ويقوم مبناها السردي حول ” قصصِ أربعةِ أشخاص يجمع بينهم الشوق والندم، وكلّ منهم يحمل في قلبه كلمات لم تُقل، أو وداعًا لم يكتمل، من إبنة تحاول إصلاح علاقة متصدعة مع زوجة أبيها، إلى شاب ينتظر ردًّا من حبيبته ، ومن إمرأة تواجه قرارًا مصيريًّا، إلى طالب أراد أن يلتقي بوالده الراحل”.
ولئن كانت أسماء الشخصيات اليابانية وعناوين الأماكن، غريبة على القارىء العربي لفظًا وتهجئةً حتى بعد التعريب، إلا أنّ أسلوب الكاتب السّلِس وحياكته للحوارات الواقعية والأحداث المِخْياليّة، نجحتا بأن تشدّا القارىء للدخول إلى متن الرواية ومتابعة مساراتها ومحطاتها المنفصلة روحيًّا وزمانيًّا والمتّصلة كيانيًّا وفكريًّا، في قالب من العِبر وتغيير القرارات التي تصبّ في مصلحة الشخص الذي لم يتّخذها سابقًا في حياته.

{لحظات من الحب والفقد والتصالح وسبر أغوار النفس، يتابعها القارىء ليلمس معنى الألم والندم}

لحظات من الحب والفقد والتصالح وسبر أغوار النفس، يتابعها القارىء ليلمس معنى الألم والندم والتسامح والحنين واستعادة الحب.
نقتطف من القصة المتعلقة بشخصية غورو ” سبع سنوات…ترقرقت الدموع في عينيها. كانت قد عادت إلى الماضي ذات يوم لتقابل غورو، الرجل الذي أحبته وودعته عندما رحل إلى الولايات المتحدة سعيا وراء حلمه. يومذاك، طلب منها غورو أن تنتظره ثلاث سنوات ووعدها بالزواج عند عودته.
كان غورو يحلم بتطوير لعبة تفاعلية عبر الانترنت. وبعد ثلاث سنوات، عاد من أميركا، لكنه حاز على تقدير جيد قاده إلى الانتقال إلى ألمانيا، ولا أحد يعلم متى سيعود. ومع أن فوميكو أرادت أن تدعمه، لكنّها، في قرارة نفسها، كانت تشعر بالوحدة في غيابه”.
ونقرأ من القصة المتعلقة بشخصية مانابو ” تقدّمَ مانابو بطلب الزواج ذاك في أحد اللقاءات التي دعاهما إليها المدير ياجيما، حين سألهما على المائدة:” ألا تفكران بالزواج؟” فقال مانابو:”
إن كنتِ ترغبين….” كان عرضا بلا مبادرة، وهو سلوك نموذجي لدى مانابو، غير أنها لم تنزعج. فحينذاك، كانت قد بدأت ترى أن افتقاره إلى روح المبادرة يشكل جزءا من سحره، غير أن اتخاذ قرار مصيري كهذا لمجرد أن باجيما طرح السؤال لم يكن من طبيعة ريكاكو. فما كان منها إلا أن حسمت المسألة بالقول:” أنا أيضًا أفكر بإيجابية. وعندما يحين الوقت المناسب، سأعطيك جوابًا”.
أمَا بالنّسبة لشخصيّة كازو نادلة المقهى وما يتعلق بها فنقرأ:” بعد قليل عادت كازو من المطبخ وهي تحمل صينية عليها فنجان ناصع البياض وركوة فضية لامعة، تحتوي على القهوة التي تتيح لشاربها تلك الفكرة الخيالية، أي السفر إلى الماضي أو المستقبل لدى صبِّها في الفنجان.
سألتها:” هل ترغبين في أن أشرح لك القواعد؟”
أجابت ريكاكو بصوت ثابت:” لا داعي لذلك”؛ فقد سمعتِ القواعد مرّات عدّة من هيراي، ودوّنتْها في مفكرتها، وراجعتْها أكثر من مرة”.
تمتمت كازو:” حسنا، ثم مدت يدها ببطء إلى الركوة الفضية”.

{تمكّن الروائي من جذب جمهور واسع من القراء اليابانيين والاجانب في الوقت عينه، نظرا للمعيار الخيالي الذي ارتكزت إليه الرواية}

لقد تمكّن الروائي توشيكازو كواغوشي من جذب جمهور واسع من القراء اليابانيين والاجانب في الوقت عينه، نظرا للمعيار الخيالي الذي ارتكزت إليه الرواية، الامر الذي دغدغ وجدانهم وخاطب مخيلاتهم، وحرّك فيهم مواطن المشاعر والمواقف المتغيرة بتغيُّر الوقت ومُضيّ الزّمن على المبنى والمعنى، قبل أن يدركوا كم يحبون الآخر.

الناشر: شركة الدار العربية للعلوم ناشرون
تعريب: زينة إدريس
الطبعة الأولى: 2026
عدد الصفحات: 230 صفحة من القطع الكبير

زر الذهاب إلى الأعلى