أديب نعمه/ معنى الأوطان بين العولمة والهويات القاتلة

نصّ محاضرة الأستاذ أديب نعمة في ندوة:”معنى أن تكون لبنانيا اليوم”
التي أقيمت في “النادي الثقافي العربي” بتاريخ 21/11/2025
مقدمة
هذا النص عن مناسبة وسؤال.
المناسبة هي ذكرى استقلال لبنان، وأما السؤال فهو معنى أن تكون لبنانيا اليوم.
والمناسبة تحيلنا إلى التفكر في تاريخنا الحديث، ولا أقول في الماضي. فالماضي واقع مضى؛ أمّا التاريخ فهو جذور لحاضر موجود، ومستقبل منشود. وإذ لا يجب انكار البعد النفسي والرمزي للاستقلال ولا التقليل من أهميته، إلا أن هذا النص لا يتعلق بالحنين الرومنسي الى لبنان القديم، والزمن الجميل، بقدر ما هو معنيّ بالحاضر والمستقبل المفتوحين على كل الاحتمالات المرغوب بها، أو التي تحمل مخاطر الذهاب نحو التفتت والاندثار.
مثل هذا المآل ليس قدرا، بل هو احتمال، تماما كما بناء وطن مكتمل العناصر يصبو إليه اللبنانيون. ويتوقف تحقق أي من الاحتمالين على الفعل الهادف والواعي للبنانيين عبر تشكلاتهم السياسية والاجتماعية، وعلى تغليب دينامية التكامل والتقدم على ديناميات التفكيك والتفتيت. فالمسألة تكمن في طبيعة الديناميات الغالبة، وهذا من فعل موازين القوى المركبة على مختلف المستويات في زمن العولمة الراهن؛ وعلى حسن رسم السياسات والاستراتيجيات التي ترجح كفة احتمال على آخر. وهذه هي السياسة بما هي فنّ، وهي ليست معرفة التكيّف مع الواقع، بل هي فن اجتراح أفضل الحلول والخيارات للتقدّم نحو الخيارات المنشودة وتغليب تحقق الاحتمالات الأكثر إيجابية لصالح المجتمع والدولة والوطن.
العولمة والدولة الوطنية
تقودنا الاشارة إلى العولمة هنا، إلى السؤال عن معنى أن تكون لبنانيا اليوم. فاليوم هو زمن العولمة، واليوم هو أيضا الزمن الإقليمي واللبناني الحالي المتشكل بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان (2023/2024) والديناميات التي ولّدتها والتي تتحكم بمسار الحاضر، وتتصارع على خيارات مستقبل لبنان ومآلاته المحتملة. والعولمة المتحققة بالفعل لاسيما في أشكالها المعاصرة المتفلتة من الضوابط بشكل متصاعد منذ مطلع الثمانينات، ثم في التسعينات بعد انهيار نظام الثنائية القطبية، ثم في محطات القرن الحادي والعشرين منذ الحرب على الإرهاب (11 أيلول 2001)، فأزمة 2008 الاقتصادية، فجائحة كورونا، فالعولمة التكنو-اقطاعية الحالية المترافقة مع تعميم العسكرة والحرب وتفكيك النظام الدولي (لاسيما في طورها الترامبي الحالي – نسبة الى الرئيس الأميركي دونالد ترامب)؛ كل ذلك يطرح أسئلة وجودية عن معنى الأوطان اليوم. فهل ما زلنا بحاجة إلى اوطان بمعنى الدولة الوطنية (الدولة القومية، الدولة – الامة Nation State – Etat Nation)؟ أم إن هذه الصيغة من تشكل الدول المجتمعات التي هي نتاج عصر الحداثة والأنوار باتت متقادمة وبات تجاوزها ضروريا؟ مع العلم أن سيادة الدول والبلدان تآكلت كثيرا، وتقلص دورها تجاه الفاعلين فوق الدولتييّن ودون الدولتييّن على حد سواء. وقد لاحظنا تزامنا وتعايشا وتوافقا غريبا بين الفاعلين فوق الدولتيين ودون الدولتيين على امتداد الكوكب، سواء كانت في العلاقات بين الدول، أو الشركات، أو الحركات الإرهابية، أو الشبكات الاجرامية من كل نوع. وبدت الدول الوطنية في كثير من الأحيان ضعيفة الحيلة إزاء ذلك.
… وفي السياق اللبناني
هذه الأسئلة لها أهمية مضاعفة بالنسبة إلى لبنان؛ كما إنها ليست أسئلة نظرية وحسب، بل لها طابع عملي، حيث إن مجمل التطورات التي حصلت خلال السنوات القليلة الأخيرة، جعلت من وضعية لبنان اليوم (2025) أقرب إلى كونها مرحلة تأسيسية، مشابهة في أهميتها لتأسيس لبنان الكبير ووضع دستوره الأول (1920-1925)؛ والاستقلال – الجلاء (1943 – 1946)؛ واتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الاهلية 1989/1990)؛ ثم اتفاق الدوحة (2008)؛ ثم ثورة 17 تشرين 2019؛ دون أن ننسى الحروب الإسرائيلية الأكثر أهمية 1978 و1982 و2006 و2023). لذلك فإن التساؤل عن معنى أن تكون لبنانيا، يقودنا تلقائيا إلى التفاعل مع تاريخنا طبعا، إلا أنه يقودنا بشكل أكثر إلحاحا الى التفكّر في مشكلات حاضرنا وتحديد خياراتنا في التعامل مع مشكلات اليوم وما تحمله من احتمالات لطبيعة المآل المستقبلي في المدى المباشر (اليوم، وغدا، بعد شهر، وسنة، وعشر سنوات). فهذه لحظة تأسيسية وتكوينية في لبنان حيث أن خيارات اليوم والديناميات الغالبة اليوم، سوف تحدد مستقبل لبنان لسنوات، إن لم نقل لعقود قادمة. لذلك يكون التساؤل عن معنى أن تكون لبنانيا اليوم، هو أولا سؤال عن معنى لبنان نفسه: عن صورة الوطن الدولة، وعن النظام والدستور، وعن السياسات ومضامينها في كل المجالات، وعن الثقافة المجتمعية في آن.
{إذا كانت الطائفية جوهرا وطبيعة، فلا بد أن يكون اللبناني الحقيقي طائفيا على صورة لبنان}
لبنان الطائفي… اللبناني الطائفي
أن تكون لبنانيا يعني بمعنى ما أن تكون على صورة لبنان؛ أو على الأقل أن لا تناقض هذه الصورة. يأخذنا ذلك إلى تلك الصلة الظاهرة – الخفية بين تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا التي إسمها الطائفية. ففي خطاب سائد، الطائفية خاصية تكوينية للبنان منذ تأسيسه ملازمة له حتى يومنا. خطاب يعتبر أن طائفية النظام السياسي من طائفية الدولة التي هي بدورها من طائفية الكيان والمجتمع. كأنّ ذلك جوهر وجود لبنان واستمراره، وكأن زوالها زوال للدولة والكيان، حيث تكاد تكون الطائفية ظاهرة طبيعية أكثر من كونها فعلا سياسيا من صنع البشر. فالطوائف هي مكونات الدولة والمجتمع، وهي الفاعل الاجتماعي والثقافي والسياسي الرئيسي، ونظام لبنان السياسي لا بدّ أن يتوافق مع ذلك، وبالتالي فإن زعماء الطوائف السياسية لا بد أن يكونوا أصحاب السلطة الفعلية داخل مؤسسات الدولة وخارجها. وإذا كانت الطائفية جوهرا وطبيعة، فلا بد أن يكون اللبناني الحقيقي طائفيا على صورة لبنان؛ ولا بد أن يكون كل خارج عليها لبنانيا مارقا ومنبوذا، وهذا ما يفسر الحرص المستمر على توافق زعماء الطوائف واحزابهم ضد هذا المارق، رغم خصومات حقيقية أو استعراضية فيما بينهم. فكأن الطائفية هي الجوهر الثابت الذي لا يتغير في استراتيجياتهم، فيما الاصطفاف السياسي حادث وظرفي يتشكل في صورة تحالف أو خصومة تحت سقف الطائفية، بما هي مبدأ مهيمن على الحياة العامة، لا سيّما السياسية منها. فهل معنى أن تكون لبنانيا هو أن تكون طائفيا؟
طائفية … وطائفية
أيا كان الجواب، يقتضي ذلك معرفة الطائفية ومن ضمنها الطائفية السياسية، معرفة نقدية وتاريخية، وإدراك تحولاتها، كي لا يتحول خطاب الطائفية، كما خطاب الغاء الطائفية، إلى ستار دخاني مضلل يحجب المعرفة الموضوعية كما يحجب مضمون مسارات تطور لبنان حاضرا ومستقبلا. تدفع صيغتا الخطاب السياسي التقليدي الطائفي (تقديسا وإلغاء) بتبسيطهما وتكرارهما المؤدلج إلى محاصرة خيارات لبنان المستقبلية البديلة المحتملة؛ ومن شأن ذلك أن يحصر هذه الخيارات ضمن دائرة مغلقة تعيد إنتاج الازمات والنزاعات المدمرة للبنان ومجتمعه. فالطائفية فكر وايديولوجية سياسية، لها وظيفة راهنة، تستخدم من قبل الخصوم السياسيين المتقابلين من أجل إعادة انتاج النظام الطائفي، والتحاصص الغنائمي للأرض والسلطة والدولة والناس على حد سواء، أكان في مشروع إحياء لصيغة متوهمة للطائفية التقليدية الموروثة طورا، أو لإعادة تقاسم السلطة في صيغة طائفية معدلة أكثر تعبيرًا عن التوازنات الجديدة طورا آخر.
{طائفية اليوم هي صيغة للطابع الغنائمي (النيوباتريمونيالي) المتطرف للنظام والدولة}
تبدو الطائفية وفق هذا الخطاب كأنها واحدة: صيغة جوهرية لم تتغير منذ “الصيغة” والميثاق الوطني في زمن الاستقلال؛ فهل يذكر ذلك باكتشاف أهمية “الميثاقية” التي تثار اليوم كلما تأزم الوضع وتصادمت الخيارات، فيكون الحل أو المخرج في الالتزام بالميثاقية الطائفية مجدّدا، سواء كان أصحاب هذا الرأي ممن يزعمون الدعوة إلى إلغاء الطائفية السياسية أو كانوا ممن يدافعون عنها باعتبارها شرطا ضروريا وكافيا للحفاظ على الحقوق أو الوجود الأقلوي لجماعاتهم الطائفية!
فات هؤلاء أن طائفية اليوم ليست طائفية الامس، وأن النظام السياسي الطائفي الذي عاش من عهد الاستقلال حتى عام 1975، هو غير نظام الطائفية السياسية الحالي. إختصارا يمكن وصف طائفية الامس بأنها طائفية تقليدية، في حين أن طائفية اليوم هي صيغة للطابع الغنائمي (النيوباتريمونيالي) المتطرف للنظام والدولة. لا بد من التمييز بين الاثنين: النظام السياسي الذي تشكل بين إعلان لبنان الكبير ثم الاستقلال وصولا الى بداية الحرب الاهلية عام 1975، سِمَتُه الرئيسية أنه يشبه فيدرالية العائلات السياسية التقليدية ذات النفوذ المحلي والموضعي، ضمن نطاق جغرافي محدد، وهو ما يفسر الطابع الطائفي الغالب لقاعدته الاجتماعية ضمن هذه النطاق، بما يجعل من الطائفية صفة اجتماعية ملحقة بهذا التشكل البشري والسياسي المحلي. والنظام السياسي الطائفي بهذا المعنى، والطائفية كفكر سياسي مستند إلى أساسه المجتمعي، كان لهما دور مساعد في توحيد لبنان الكبير الجغرافي الذي تشكل من مجالين اجتماعيين – اقتصاديين متباينين في حينه، في إطار نظام سياسي واحد وتنظيم التمثيل السياسي المحلي المجزأ في نظام واحد يشمل كل الدولة الجديدة (تذكروا وصف بعثة ايرفد مطلع الستينات عن لبنان الطرفي ولبنان المركزي). بهذا المعنى فإن نظام الطائفية السياسية في نظر صانعيه في تلك الحقبة، كان له وظيفة تجميعية، وكان حلا وسطا براغماتيا لبناء نظام واحد للبنان الكبير، في زمن كانوا يعتبرون فيه أن الهوية الوطنية وفكرة المواطنية لم يكونا ممكنين حينها. ومن هنا فكرة إن الطائفية نظام مؤقت الى حين اكتمال نضج الهوية الوطنية بالمعنى الحديث.
لقد حصل ذلك – تطور الهوية الوطنية اللبنانية – بشكل متدرج ومتصاعد في قاعدة المجتمع خلال الفترة نفسها، مع تشكل النقابات والأحزاب، ومع تطور النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ثم أتت المرحلة الشهابية لكي تدفع عملية التوسع الأفقي للرأسمالية والخدمات الى لبنان الطرفي…الخ. ساهم كل ذلك في تعزيز الديناميات الوطنية الدامجة والحراك المجتمعي الصاعد، إلى أن أتت الحرب الأهلية لتغلب الديناميات السياسية التفكيكية على غيرها من الديناميات، وما تلا ذلك من تطورات معروفة بدءا من الوصاية السورية على لبنان وصولا الي يومنا ذلك. تغيرت طبيعة النظام الطائفي ووظائفه بشكل جوهري. باتت الطائفة تشكيلا مسيسا على المستوى الوطني بما يقربها من الهوية الدينية – الأيديولوجية التي تتبع لزعيم اوحد للطائفة، أو زعيمين، بدل أن كانت تقوم على تعدد العائلات السياسية ذات النفوذ المحلي. كما إن الفكرة المواطنية والهوية الوطنية الجامعة في لبنان كانت قد ترسخت ولا تزال، ولم تعد الطائفية السياسية آلية او وسيطا لتجميع التشكلات السياسية المحلية في نظام واحد، بل باتت وسيلة لتفتيت الهوية الوطنية والمدنية التي تشكلت على امتداد مئة عام من عمر لبنان الكبير، وثمانين عاما من الاستقلال. لقد بات تجاوز الطائفية السياسية (وهو التعبير العلمي لطبيعة العملية التحويلية المطلوبة، بدل تعبير الغاؤها)، ممرًا اجباريا لأي اصلاح حقيقي، كما لاستعادة السيادة في بعديها الخارجة والداخلي.
{النظام الذي كان سائدا بعد الاستقلال كان يوصف بأنه لبنان المزرعة}
اليوم، أن تكون لبنانيا يعني أن لا تكون طائفيا، لأن لبنان الغد لا يمكن ان يكون لبنان الطائفي، بل لبنان الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة. ليس هذا خيارا أيديولوجيا (ولا مانع ان يكون كذلك أصلا) بل هو الخيار الأكثر منطقية لأننا نستطيع الجزم بأن الطائفية السياسية الراهنة، بما هي صيغة للنظام الغنائمي (النيوباتريمونيالي) المتطرف لم تعد قادرة على الحياة، وأن مصادر نشأتها كنظام وحياتها في مرحة ما بعد الطائف، كانت العنف والقسر والغلبة الفجة، وتغليب الديناميات الخارجية على الديناميات الداخلية. وباستخدام مفردات سياسية شعبية سائدة أيضا فإن لبنان/النظام الذي كان سائدا بعد الاستقلال كان يوصف بأنه لبنان المزرعة، وفي التسعينات بعد توقف الحرب جرت محاولة تحويله الى لبنان الشركة، لكنه تحول منذ مطلع القرن الحادي والعشرين الى لبنان الغنيمة. هذا المسار هو ما علينا أن نصارع للخروج منه في هذه المرحلة الجديدة من مسار لبنان التي نعيشها حاليا بكل صعوباتها وتعقيداتها.
الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة
شهد عام 2010/2011 بداية الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي شملت سبعة بلدان هي تونس، مصر، اليمن، ليبيا، سوريا، البحرين، والمغرب. ثم تلتها الموجة الثانية عام 2018/2019 في أربعة بلدان هي السودان، لبنان، العراق، والجزائر. وعلى الرغم من اختلاف النظم السياسية فيها وكثير من الخصائص الاقتصادية والاجتماعية، كان الحراك الشعبي في كل هذا البلدان منجذبا نحو مطلب مشترك واحد هو “الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة” المقترنة مع مطالب اجتماعية وسياسية من نوع الحرية والعدالة الاجتماعية والتشغيل وحقوق الانسان.
يكمن الأساس المشترك بين هذه نظم هذه البلدان في طبيعة النظام والدولة النيوباتريمونيالية التي أعرّبها إلى النظام أو الدولة الغنائمية. والهتاف الموحد “الشعب يريد اسقاط النظام” يعني أولا اسقاط النظام الغنائمي؛ والبديل المشترك لبلدان المنطقة هو الدولة النقيضة أي المدنية الديمقراطية الحديثة التي تمثل جوابا تاريخيا موضوعيا على أزمات هذه البلدان وانسداد أفق تطور أنظمتها. يتصف هذا الحلّ بـ”الغموض البناء” الذي يتسع للتنوع والتعدد، وفيه من المرونة من يكفي لتحفيز الخيال الجمعي للشعوب، لاسيما الشباب والنساء، من أجل صياغة مشاريعها الوطنية التي تترجمه الى ممارسة سياسية ومجتمعية بديلة. وأعتقد أن هذا يصح على الحالة اللبنانية، ويصح لوصف صورة لبنان الذي سعى إليه الحراك الشعبي في محطاته المتعددة منذ 2005، مرورا بـ 2015، وصولا إلى 2019. وإذا كان لا بد من إضافة خصوصية لبنانية، فهي دون شك التركيز على البعد السيادي الداخلي والخارجي، وعلى البعد الوطني والهوية المواطنية، مقابل الهويات الطائفية والفرعية الأخرى.
{الركائز الأساسية هي العدالة الاجتماعية، والتنمية العادلة مناطقيا وبناء اقتصاد منتج}
لبنان المستقبل كما نراه، بما في ذلك كما نستخلصه من مضمون ثورة 17 تشرين 2019 التي فتحت نافذة لتحويل أحلام الناس الى إمكانية قابلة للتحقق بما هي حلول تاريخية واقعية محتملة للأزمة العميقة التي نعيشها يمكن تكثيفها في أربعة مجالات:
1- في طبيعة الدولة: أنها دولة مدنية حديثة ذات سيادة وفق المعاني التالية: مدنية (لا دينية، لا طائفية، لا عسكرية)؛ حديثة (دولة الحق، الملتزمة بمبدأ علوية القانون، الملتزمة بمبادئ المواطنة والضامنة لحقوقها)؛ ذات سيادة (داخلية إزاء مختلف مكونات المجتمع والهويات الفرعية والحزبية، تحتكر صلاحية استخدام القوة بشكل شرعي ضمن نطاق القانون وتحتكر السلاح؛ وسيادة خارجية تتجسد في سياسة وطنية خارج المحاور ودولة تملك قرار الحرب والسلم ولا تفوضه لقوى أخرى داخلية أو خارجية).
2- في شكل النظام السياسي: أنه ديمقراطية دستورية، في صيغة جمهورية برلمانية، ملتزمة باحترام الحريات العامة بشكل حقيقي.
3- في النظام الاقتصادي – الاجتماعي: الركائز الأساسية هي العدالة الاجتماعية، والتنمية العادلة مناطقيا، وبناء اقتصاد منتج وتضميني، والالتزام بمتطلبات الاستدامة لاسيما الاستدامة البيئية.
4- في العلاقات الاجتماعية والثقافة: أن يكون لبنان مجتمعا منفتحا يحترم التنوع، ويحترم الحريات الفردية دون تحفظات، ويلتزم ويعمم ثقافة حقوق الانسان والسلم التضامن.
وهذه العناصر غير قابلة للتجزئة والاختزال، وهو ما يختصره الشكل التالي:
عهد جديد … مرحلة جديدة؟
بالمعنى السياسي التقليدي، نحن أمام عهد جديد بعد انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة الجديدة. وبالمعنى السياسي الاوسع والمباشر، نحن امام مرحلة سياسية جديدة على المستوى العالمي والإقليمي، وعلى المستوى اللبناني أيضا لاسيما بعد الحرب الإسرائيلية 2023/2024 وبعد اتفاق وقف الاعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024، وما تلاها من انتهاكات مستمرة.
إلا أن ذلك لا يكفي لكي نقول إننا نستطيع الجزم بترجيح الخروج من مسار المزرعة – الشركة – الغنيمة، الى البديل المدني الديمقراطية الحديث، وإلى الدولة ذات السيادة الكاملة داخليا وخارجيا، صاحبة المشروع التنموي الهادف الى تحقيق العدالة الاجتماعية والمناطقية، والملتزمة بحقوق الانسان. ولا شك ان أصحاب الغنائم الذين تغلبوا في السنوات الأخيرة سوف يسعون الى الدفاع عن المنطق الغنائمي بكل قواهم؛ وكذلك أصحاب سلطة المال، ومثلهم المنتفعون المتعددون من مواقع النفوذ في الدولة او في نطاقاتهم ومزارعهم المحلية او الطائفية. وقد بينت الوقائع خلال السنوات القليلة الأخيرة الوحدة القوية لمكونات السلطة خلال العقد الأخير وهي سلطة السلاح، والمال، ومواقع النفوذ دخل جهاز الدولة. وإذا كان الخروج من منطقة الغلبة الفجة والسلاح هو المدخل الأكثر أهمية اليوم للخروج من المسار المأزقي، إلا أنه ليس كافيا ما لم يقترن برؤية شاملة لكل مجالات الإصلاح المطلوب واستعادة السيادة بشقيها الخارجي ضد المتسلطين السابقين والجدد عليها، واستعادة السيادة الداخلية أيضا وما يتطلبه من إصلاحات داخلية لا يمكن تجنبها، وأولها اطلاق مسار تجاوز الطائفية السياسية وايديولوجيتها، واستعادة السلطة إلى داخل المؤسسات بما في ذلك مكونها الاقتصادي والمالي والاجتماعي والتربوي، والقضائي والبرلماني، وتعبيرها الديناميكي والمتوازن عن مصالح مختلف الفئات الاجتماعية والمناطق.
تتكشف بعض نقاط الضعف في المسار الحالي، بعضها مفهوم ويتعلق بتوازنات القوى اللحظية والتكتيك السياسي، إلا أن بعضها الاخر هيكلي ويهدد بمحاصرة الديناميات الوطنية التغييرية، وبإعادة انتاج عناصر التأزم مرة أخرى، وعلى رأسها اضعاف أثر الفاعلين الوطنيين – لاسيما الفئات الاجتماعية اللبنانية ومجتمعه المدني ومواطنيه –أمام جهتين: الجهة الأولى هي اضعافهم أمام الفاعلين الخارجيين القدم و الجدد الذين تحكموا بمسار لبنان وتطوره ويسعون للتحكم به مجددا؛ والجهة الثانية هي اضعاف دور المجتمع وتشكيلاته الاجتماعية والمدنية والسياسية المتنوعة أمام الفاعلين السياسيين التقليديين، وعلى رأسهم زعماء الطوائف السياسية، والمسؤولين القدامى أو الجدد في الإدارة ومؤسسات الدولة السياسية، الذين يشكلون امتدادا للممارسات السابقة، أو محاولات محدودة لتجاوزها إلى غير عودة.
{خسر الحزب هذه الحرب بشكل فادح وخسر معه لبنان الذي بات أكثر ضعفا}
مساران… وثالث لا يزال غائبا
يتمثل الخلل المقلق الذي يهدد بالعودة إلى الدائرة المغلقة عينها على مستوى المسار العام، في النظر إلى الأولويات وإلى المسارات التي تعطى الافضلية على غيرها ممّا يهمش أو يتم اقصاؤه بشكل عملي عن المشاركة في رسم خيار الخروج من الحرب الأخيرة ونتائجها. وثمة ثلاثة مسارات مترابطة في هذا المجال هي التالية:
1- المسار العسكري، وهو الذي انفرد به حزب الله خلال السنوات الأخيرة وفرضه على لبنان لاسيما في حرب الاسناد التي تطورت الى حرب إسرائيلية مدمرة على لبنان. وقد خسر الحزب هذه الحرب بشكل فادح، وخسر معه لبنان الذي بات أكثر ضعفا، والذي فرضت عليه اتفاقية وقف أعمال عدائية مع دولة العدو هي تعبير عن الهزيمة العسكرية، وما حصل بعد توقيعها هو ترجمة لذلك ومحاولة من قبل إسرائيل لفرض شروطها وتحصيل أقصى ما يمكن المكاسب الآنية وبعيدة المدى. وهي تحظى في ذلك بدعم الولايات المتحدة وغيرها من الدول.
2- المسار الديبلوماسي، وقد تقدم بعد وقف الاعمال العسكرية الشاملة. والمسار الديبلوماسي مسار خارجي بطبيعته والفاعلين فيه هم الدول. والتوازن في هذا المسار أقل قساوة على لبنان من المسار العسكري بحكم تعدد الأطراف الدولية والعربية المشاركة، وإن كانت الهيمنة للولايات المتحدة الأميركية. إلا أنّ التوازن فيه لا يزال لصالح المشروع الإسرائيلي نظرا للتوازنات والتحالفات الدولية القائمة على المصالح والمعبر أيضا في جانب أساسي منه عن انتصار إسرائيل العسكري. إلا أسباب أخرى تضعف موقع لبنان في المسار الديبلوماسي تتضمن ثلاثة عناصر:
a. العزلة الدولية المتراكمة بفعل سياسة لبنان الخارجية وتراجع علاقاته الإقليمية والدولية لاسيما بعد 2005؛
b. واقع أن الدولة الوطنية الممسكة بالسلطة وصاحب القرار في لبنان هي مشروع قيد البناء أكثر مما هي واقع معترف به دوليا، وداخليا. وبهذا المعنى فإن إنهاك الدولة كمؤسسات حكم وسلطة فعلية بسبب الاعتراضات الداخلية يضعف موقع لبنان التفاوضي في المسار الديبلوماسي، وهو امر يقتضي المعالجة العاجلة لأن الدولة صاحبة السلطة الشرعية والفاعلة هي السلاح القادر على كبح الضغوط الإسرائيلية والدولية واقامة عوائق أمام تحويل الانتصار العسكري الاسرائيلي الكبير إلى انتصار سياسي يوازيه في الاهمية. وهذه هي وظيفة المسار الديبلوماسي.
c. العنصر الثالث هو أن أداء الدولة ليس الأداء الأمثل رغم الاعتراف بالصعوبات الحقيقية المعروفة. إلا أن الشعور بتعدد مراكز القرار داخل مؤسسات الحكم والسلطة التنفيذية نفسها يضعف من قدرة الدولة في المسار الدبلوماسي، وكذلك التنافر بين البرلمان والحكومة. كما إن عدم الالتفات إلى إشراك الشعب والمواطنين في دعم هذه المسار يبقيه أسير التوازنات والصفقات والمصالح بين اقطاب النظام والزعماء التقليدين والكومبارس السياسي.
3- المسار الثالث هو المسار السياسي الداخلي، هو المسار الناقص في المشهد السياسي الحالي للتعامل مع نتائج الحرب وبلورة خيار الخروج من هذا الوضع. والمسار السياسي الداخلي هو غير المسار الديبلوماسي، والفاعلون فيه هم الناس والفئات الاجتماعية والأطراف السياسية بمن فيهم من غير أطراف النظام واحزابه، والمجتمع المدني بنقاباته وتشكيلاته الأخرى…الخ. حتى اللحظة، يكاد يكون المكون النشيط في هذا المسار متقصرا على الجمهور القابل للتحشيد الطائفي من هنا وهناك والمدفوع بمنطق الدفاع عن المكتسبات أو السعي إلى بعضها، أكثر مما هو تعزيز وضع الدولة والحكومة بما هي تجسيد وطني للسلطة والشرعية المطلوبة من أجل قيادة مسار خروج البلد من آثار الهزيمة العسكرية، والإصلاح المتكامل داخليا. ولا توجد مؤشرات على عمل ممنهج لتوفير آليات تشاور ومشاركة في صنع الخيارات عند الأطراف الساعية إلى تعزيز مشروع استعادة الدولة التي لا يمكن ان تتم وفق الآليات التقليدية والتفاهمات الفوقية والتسويات المعطلة لديناميات التغيير، بدل تفعيل وتعزيز وحماية حراك شعبي متصاعد نحو الدولة الخروج من دوامة الازمات. ويكون ذلك من خلال تعزيز ممارسة السياسة التي تتيح مشاركة الجميع فيها، وعدم حصرها بالمستوى التقليدي والفوقي، وافساح المجال امامها من اجل التأثير في الرأي العام على قدر المساواة مع الخطاب المأزوم والتفتيتي الذي لا يزال مسيطرا على المشهد الساسي والإعلامي.
خلاصة
أن تكون لبنانيا اليوم يعني أن تنتسب إلى دينامية تجاوز النظام الغنائمي بكل تجلياته، بما في الطائفية والطائفية السياسية، نحو الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي تحمل مشروعا تنمويا يحقق العدالة الاجتماعية ويلتزم بحقوق الانسان.
وأن تكون لبنانيا اليوم هو أن تنخرط من موقعك المواطني المستقل بالعمل الجماعي النشيط من أجل استعادة الدولة، ومن اجل تمارس فعل المشاركة والتأثير لكي يكون مشروع هذه الدولة حاملا للجواب التاريخي الواقعي للأزمة المتعددة الأوجه من خلال الإصلاح المتكامل السياسي- المؤسسي، والمالي والاقتصادي والاجتماعي، ومن اجل احداث ثورة في الثقافة ومنظومة القيم.
أن تكون لبنانيا اليوم يعني أن تكون مساهما في تحصين وحماية هامش الاستقلالية الذاتية للمستوى الوطني في ظل العولمة، وفي ظل انتهاك النظام العالمي وانتهاك إسرائيل وأي قوى خارجية أخرى للحق في تقرير المصير والحق في التنمية، بما فيها القرار السيادي السياسي، والقرار السيادي في تحديد الخيارات الاقتصادية والاجتماعية بما في المصلحة الوطنية الشاملة، في دولة ديمقراطية تعمل فيها المؤسسات بشكل منتظم وباستقلالية عن الاستتباع للزعماء النافذين، تضمن المشاركة الشعبية في صنع القرار، وتضمن انتقال السلطة بشكل طبيعي وسلمي من خلال عملة انتخابية تنظمها تشريعات ديمقراطية تضمن صحة التمثيل.




