علوم وتكنولوجيا

سعد محيو  / أي مصير للبشر في “عصر الذكاء الاصطناعي”

ثمة على ما يبدو إجماعاً لدى معظم مفكري الطبقة الفائقة التكنو- رأسمالية في الأكاديميا والإعلام ودور العلم، بأن التكنولوجيا ستكون هي “الدين الجديد” للبشر في القرن الحادي والعشرين؛ ذلك الدين الذي سينقذ عبر ابتكاراته العلمية- التقنية في مجال الطاقة بيئة الأرض من الاندثار، ويُطلق الوفرة بدل الندرة في حياة البشر، والأهم أن هذه التكنولوجيا، وعلى رأسها، الذكاء الاصطناعي، ستمكّن الجنس البشري أخيراً من فك طلاسم الكون والقبض على ناصية الحقيقة الموضوعية واكتشاف سر وكنه “الشيء في ذاته” الكانطي.
كما بات معروفاً، الذكاء الاصطناعي ( AI)، تعريفاً، ليس صناعة بعينها أو منتوجاً بعينه، بل هو إضافات تكنولوجية نوعية للعديد من الصناعات والنشاطات البشرية المتنوّعة، من التعليم والبحث العلمي والفن والثقافة، إلى النقل واللوجستيات والحروب والسياسات الدفاعية، مروراً بالتحوّلات المحتملة الكبرى في علوم البيولوجيا والبيو تكنولوجيا. وكل هذا سيُحدث في نهاية المطاف تغييرات كبرى في المجتمع البشري، بل وفي التاريخ البشري برمته ومعه الهوية البشرية وحتى طبيعة الإنسان نفسه.
يقول هنري كيسنجر هنا :
“في عصر التنوير، احتّل العقل البشري موقعاً مركزياً. لكن الآن، ومع النهاية الجزئية لتفوّق العقل البشري، ومع انتشار الآلات التي تتجاوز قدرات ذكائنا، سنكون أمام تحوّلات أعمق بكثير مما أفرزه عصر التنوير، من شأنها تغيير مفهوم البشرية عن “الحقيقة” وبالتالي عن نفسها. نحن نتقدّم نحو انجازات ضخمة، لكننا نحتاج إلى تعمّق فلسفي… لأن أدواتنا البشرية (أي الآلات) باتت تصبح شريكة لنا، ما سيغيّر المجتمعات البشرية والتاريخ البشري برمته”.
يتابع: ” الذكاء الاصطناعي ( AI ) يستطيع الوصول إلى استنتاجات وتوقعات وقرارات، لكنه لا يملك الادراك الذاتي أو القدرة على التفكير بدوره في العالم. كما ليس لديه نوايا أو حوافز أو أخلاق أو عواطف. ومع ذلك يُحتمل أن يطوّر وسائل مختلفة وغير متصوّرة لتحقيق الأهداف المنوطة به، وهو حتماً سيغيّر البشر والبيئة التي يعيشون فيها. وهذه ثورة لا يبدو أن مفاهيمنا الفلسفية ومؤسساتنا مستعدة لها” .
المدخل إلى التطويرات التكنولوجية الجديدة في قدرات AI التي قد تمكّنه من معرفة الحقيقة، قد تكمن في الكومبيوتر الكمومي الذي يقول العلماء الآن أنه سيكون الاختراق العلمي الكبير “الذي سيجعل المستحيل ممكناً”، على حد تعبيرهم. إنه سيغيّر الأنترنت وكل عالم البشر كما نعرفه الآن، وسيستخدمه العلماء والباحثون والجامعات والشركات الكبرى وخاصة شركة غوغل التي أعلنت في تموز/ يوليو 2017 أنها اقتربت من صنع كومبيوتر كمي سيكون قادراً على شرح صورة الطبيعة بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، وعلى تسريع بحوث الجزيئيات وتحليل كميات هائلة من الداتا عبر ثورة جديدة في مجال السرعة والقدرة على المعالجة. وأشارت غوغل إلى أن كومبيوترها الكمومي سيكون 100 مليون مرة أسرع من أي جهاز كومبيوتر موجود حاليا.
تقنيات الكومبيوتر الكمي تستخدم خصائص فيزياء الكم QUANTOM PHYSICS لتخزين الداتا وتطوير أدوات المعالجة والحوسبة. وفيما الكومبيوتر العادي والهواتف الذكية تشفّر المعلومات في وحدات البت Bits صفر أو واحد، فإن الوحدة الأساسية للذاكرة في كومبيوتر الكم هي ” البت” Bitالكمي أو الكوابتس quabits التي تعتمد على دوران الالكترون أو توجّه الفوتون. مثل هذه الأنظمة يمكن أن تظهر كلها في ترتيبات مختلفة في وقت واحد، وهي خاصية في فيزياء الكم تُعرف بإسم التراكب أو التموضع الفائق Superposition. كما يمكن أن تكون الكوابتس مترابطة بشكل معقّد للغاية مُستخدمة ظاهرة أخرى في فيزياء الكم تُعرف بـ التشابك الكمومي Entanglement. والحصيلة هي أن سلسلة من الكوابتس يمكن أن تمثّل أشياء مختلفة في وقت واحد.
كيف؟
مثلاً، 8 بت في الكومبيوتر الكلاسيكي قادرة على أن تمثّل رقماً بين صفر و255. ولكن 8 كوابتس يمكنها أن تمثّل الأرقام بين صفر و255 كلها دفعة واحدة. وهكذا، حفنة من مئات من الكوابتس قد تكون كافية لتمثيل أعداد أكبر من كل الذرات في الكون. وهنا يكمن التفوق الهائل لكومبيوتر الكم على الكمبيوتر الحالي.
لا أحد حتى الآن يستطيع أن يحدد وقتاً محددا لولادة هذا الانجاز الجديد الهائل، لكن تكفي الإشارة هنا إلى أن كل الدول الكبرى والغنية دخلت بالفعل في “سباق تسلح” ضخم كي تصنع هذا النموذج. لكنها كلها الآن تواجه مشكلة كبيرة هي أن كومبيوتر الكم حساس للغاية للحرارة وللحقول المغناطيسية والاصطدامات مع جزيئيات الهواء، ما يُسبّب خسارة الكوابتس لخصائصه الكمومية. وهذه العملية التي يُطلق عليها “عدم التماسك” Decoherence تسبّب انهيار النظام.
الكومبيوتر الكمي في الواقع أشبه بقصص الخيال العلمي، وهو يتضمّن تكنولوجيا قد تتحدى المنطق البشري كما تفعل الآن فيزياء الكم حيث الذرات لا تتّبع القوانين التقليدية للفيزياء وفق منطق الإنسان. فالجزئيات على المستوى الكمي يمكن أن تتحرّك إلى الأمام أو إلى الخلف في الزمن، وأن توجد في مكانين في الوقت نفسه، وحتى أن تتواصل عن بعد كوني شاسع عبر التحريك البُعادي Teleport. واستخدام كومبيوتر الكم لهذه الخصائص يمكّنه من حل مشاكل تبدو مستحيلة الآن أو تحتاج الكومبيوترات الكلاسيكية إلى ملايين السنين لحلّها. البشر ينتجون كل يوم 2،5 مليار إكزابيت Exabytes من الداتا، أي محتوى 5 ملايين كومبيوتر محمول. والكومبيوتر الكمي يستطيع بسهولة معالجتها أسرع بآلاف المرات من الكومبيوتر الكلاسيكي الراهن.
نتذكر هنا كومبيوتر Deep Blue لشركة IBM الذي هزم بطل العالم في الشطرنج العام 1997. إنه فعل ذلك لأنه تفحّص 200 مليون احتمال حركة في الثانية. حسنا، الكومبيوتر الكمي يستطيع حساب تريليون حركة في الثانية.
بيد أن هذا ليس كل شيء. هناك أيضاً مشروع كومبيوتر الحمض النووي DNA computer الذي يستخدم الجزيئيات البيولوجية بدل رقائق السيليكون.
الفكرة حول إمكان استخدام الجزيئيات الفردية Molecules أو حتى الذرات في الحوسبة تعود إلى وقت مبكر من العام 1959 حين طرح الفيزيائي ريتشارد فايمان Feynman أفكاره حول تكنولوجيا المصغّراتNano technology ، والتي تستعيد زخمها الآن بعد أن تبيّن للخبراء أن المعالِجات الدقيقة المصنوعة من السيليكون ستصل قريباً إلى نهاية حدود سرعتها والقدرة على تصغيرها، ولذا فهم يحتاجون الآن إلى مواد جديدة لإنتاج كومبيوترات أسرع. لكن أين؟ هنا، اكتشف هؤلاء أن المتعضيات الحيّة تتضمّن ملايين الكومبيوترات الدقيقة الطبيعية المتفوّقة الموجودة في جزيئيات الـDNA التي تصنع منها الجينات. وهذه لها القدرة على إجراء حسابات أسرع بكثير من أسرع كومبيوتر صنعه إنسان. ويوماً ما، يمكن دمج الحمض النووي في رقاقة كومبيوتر لخلق ما يُسمى Biochip، أي الرقاقة البيولوجية التي ستجعل الكومبيوترات أسرع بشكل لا يصدّق. لا بل بدأ الآن استخدام جزئيات الحمض النووي لحل مشاكل معقّدة في الرياضيات.
كومبيوتر الحمض النووي لا يزال يحبو الآن، لكن حال استكماله سيكون قادراً على تخزين المعلومات مليارات المرات أكثر من الكومبيوترات الحالية. ويتوقع أن يتمكّن العلماء من صنع كومبيوترات حمض نووي متناهية الصغر لتحل مكان كومبيوترات السيليكون خلال عقد واحد من الآن (أي نحو العام 2036). والمثير هنا أن هناك موارد لا نهاية لها من الحمض النووي التي يمكن استخدامها لصنع الكومبيوترات المتفوّقة، على عكس محدودية مادة السيليكون، ناهيك عن أن وفرة الحمض النووي هذه تجعله رخيصاً للغاية ونظيفاً للغاية للبيئة ويحمل داتا أكبر بكثير: نصف كيلوغرام من DNA قادر على تخزين معلومات أكثر من كل الكومبيوترات برمتها الموجودة حالياً.
“أزمة الحقيقة”

ماذا إذا؟ هل سيتكّمن AI بعد تطوير قدراته على هذا النحو الخيالي أن يصل إلى فهم الحقيقة الموضوعية؟
قبل مقاربة هذا السؤال وقفة أولاً أمام “أزمة” الجنس البشري مع الحقيقة:
منذ أن ولد الوعي البشري في شكله الحالي لدى “الإنسان العاقل” قبل حفنة آلاف قليلة من السنين، كان يعاني على الدوام من مشكلة حقيقية مع الحقيقة. صحيح أنه يختبرها في كل لحظة ودقيقة، لكنه كان يجهد عبثاً (حتى الآن على الأقل) لتعريفها، ناهيك بفهمها. إنها تبدو بالنسبة له صلبة، لكن حين يدقق النظر فيها عن كثب تتبدّد كغيمة صيف عابرة أو جوقة ذبذبات سابحة. فهو لا يعرف متى بدأت ومن أين أتت وإلى أين تتجّه، وهو حتماً لا يعرف لماذا هي توجد أصلا.
لدينا حالياً نظريتين أساسيتين، الأولى، نظرية فيزياء الكم التي تقول لنا أن الحقيقة تعتمد برمتها على التجربة الذاتية، والثانية، نظرية النسبية التي تؤمن أن الحقيقة موضوعية ومستقلّة كلياً عن الذاتية. ومع أن هاتين النظرتين ثبتت صحتهما إلا إنهما متناقضتان تناقض الماء والنار، ما يعمّق الغموض لدينا، ويجعل الحقيقة بالنسبة إلينا أبعد ما تكون عن الحقيقة: فإذا كانت الأولى (الكمومية) أشبه بلعبة الزهر العشوائية فالثانية أقرب إلى قوانين الشطرنج الصلدة. الحقيقة بالتالي تبدو مفهوماً مبهماً ومجرّداً كأن نقول شيئاً لا معنى له مثل: “كل شيء هناك هو هناك..” وفي قلب كل شيء “هذا الذي هو هناك” يوجد المكان والزمان والطاقة وقوى الطبيعة الأربع والوعي وحتى الأفكار المجردة، فمن أين إذا يمكن أن نبدأ؟
في أواسط القرن العشرين، ظنّ العلماء أنهم عثروا على أساسيات هذه اللعبة الكونية: الجزيئيات والحقول الكمومية. فالجزيئيات تصنع المادة والطاقة حولنا، والحقول الكمومية مسؤولة عن قوى الطبيعة الأربع، مثل القوة الكهرومغناطيسية التي تتحكّم بتفاعلات الجزيئيات. هذه كانت قواعد النظرية الكمومية. وقد بدا أن هذه النظرية توفّر على الأقل تعريفاً فلسفياً واحداً للحقيقة، وهي: ما هذا الذي يوجد وماذا يفعل. لكن هذا النموذج المعياري Standard Model لم يقدّم لنا أبداً إجابة كاملة، لأنه يقفز فوق قضايا يعتبرها الفيزيائيون حقيقية، بما في ذلك المادة الداكنة والطاقة الداكنة، إضافة إلى القوة التي تعرّف بشكل أساسي اختبارنا للحقيقة: وهي الجاذبية. وهذا يعني أننا لن نفهم أوضاعاً حين تكون نظريتا الجاذبية والكمومية قيد العمل في وقت واحد، على غرار الثقوب السوداء والانفجار العظيم، أو الجزيئيات الدقيقة في حقول الجاذبية.
قبل هاتين النظريتين ومنذ بداية الحضارة البشرية قبل نحو عشرة آلاف سنة، كان لكل مجتمع بشري طريقته الخاصة في استطلاع حقيقة الحقيقة وكيف يمكن فهمها، ووصل إلى فهم معين يسهّل عليه التأقلم مع العالم. في قلب هذا التأقلم كان هناك مفهوم علاقة العقل البشري بالحقيقة، أي قدرته على معرفة ما يحيط به عبر المعرفة. وحتى في الحقبات التاريخية التي قالت فيها الثقافات البشرية بأن العقل البشري محدود القدرات (الفيلسوف كانط وقبله الفلسفات الشرقية) وغير قادر على إدراك أو فهم هذا الكون الشاسع أو إدراك أبعاد الحقيقة، إلا أن العقل واصل احتلال موقع مميّز بكونه الأكثر قدرة على فهم العالم وتشكيله. وحين كان يتوقف هذا الفهم المحدد للحقيقة عن كونه كافيا، كانت تحدث ثورات في الفكر البشري وتولد حقبات جديدة.
مثلا، في الفترة الممتدة من سقوط روما في القرن الخامس إلى سقوط القسطنطينية في القرن الخامس عشر، كان البشر في الغرب يسعون إلى معرفة الله أولاً ثم العالم ثانياً. كان الاعتقاد سائداً بأنه لا يمكن معرفة العالم سوى عبر الله، وقامت الجهات الدينية والكنسية بتنظيم اختبارات الأفراد للحقيقة والظواهر الطبيعية من خلال هذا المفهوم وعلى أساسه. وحين حاول مفكرون وعلماء مثل غاليليو استكشاف العالم مباشرة وغيّروا التفسيرات في ضوء الملاحظة العلمية، طُوردوا واضطُهدوا لأنهم تجرأوا على تحدّي المقاربة الدينية للحقيقة كما كانت سائدة طيلة العهود التي سيطر فيها اللاهوت على الفكر. كانت كل ظاهرة، صغيرة كانت أو كبيرة، تُنحى إلى عمل الله أو إرادته.
والحال أن التحوّلات الكبرى الفكرية والجيوسياسية والثقافية والاجتماعية في التاريخ البشري، حدثت أساساً بفعل التغييرات التكنولوجية التي انحدر منها جنس الـ AI . مثلاً، يقال إن القرن التاسع عشر تشكّل بفعل انحدار دور الدين وبروز الديمقراطية والاستعمار والامبريالية والحرب الشاملة الحديثة والقومية وحقوق الإنسان. كل هذه العوامل مهمة بالطبع، لكنها ليست السبب الحقيقي لهذه التحولات. السبب الرئيس هو الثورة التكنولوجية الصناعية الأولى التي من دونها لم يكن تاج السلطة الفكرية للبحث عن الحقيقة سيتدحرج عن رأس قباطنة الدين.
وقريباً، ومع صعود جنس الـ AI إلى سدة السيطرة على الانتاج الاقتصادي والحلول مكان العمال البشريين، لن تكون الهوية الاجتماعية البشرية مهمة لأنه أصلاً لا هوية من دون عمل. كما أن الأديان ستفقد الكثير من منطقها الخاص بامتلاك الحقيقة حين يبرز جنس تكنولوجي يتمتع بالذكاء الفائق والقدرة على التفكير والتعلّم الذاتي والتطوّر وحل المشاكل، على رغم أنه لم يُخلق على يد إله متعالٍ في السماء.
قبل ذلك، وفي القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كانت قد نشبت في العالم الغربي ثورتان تكنولوجيتان دشتنا أيضاً حقبة جديدة ومعهما دور جديد للعقل البشري في معرفة الحقيقة: اختراع المطبعة التي سمحت بنشر الأفكار بلغة يفهمها الناس خارج اللغة اللاتينية التي كانت خصيصة للكنيسة ونخبة قليلة من المتعلمين، ما قوّض اعتماد الناس التاريخي على الكنيسة لتفسير المفاهيم والمعتقدات لهم. وبمساعدة التكنولوجيا، أعلن قادة الحركة الانفصالية البروتستانتية أن الأفراد قادرون، لا بل في الواقع مسؤولون، عن تعريف الألوهة بأنفسهم، وبأن العقل وحده قادر على إدراك الحقيقة حوله في الكون. وهذا تعزّز بعد ذلك مع نظرية كوبرنيقوس عن نظام كوني شمسي المركز، وقوانين نيوتن في الحركة، وفهرسة فان ليفينهوك Van Leeuwenhock للعالم المايكروسكوبي الحي، الأمر الذي كرّس الاعتقاد بأن ثمة طبقات جديدة من الحقيقة لم يعرفها الإنسان من قبل. صحيح أن بلدان الأديان التوحيدية واصلت الإيمان بعقيدة التوحيد أو الاله الواحد، لكنها انقسمت إلى محاور متنافسة في داخلها حول تفسيراتها للحقيقة، واحتاجت إلى فلسفة جديدة لفهم العالم ودور البشر فيه.
هنا برز فلاسفة عصر التنوير ليعلنوا أن العقل يمتلك القدرة على الفهم والتفكير والحُكم. وهكذا وُلد “عصر العقل”، وباتت العلاقة بين سؤال البشرية الأول (ما طبيعة الحقيقة) والسؤال الثاني (ما دورنا في الحقيقة) متداعمان ذاتيا. وهذا أعاد الغربيين إلى الفكر الإغريقي المتعلّق بالبحث عن الحقيقة التي دشّنها أفلاطون في نظريته حول معرفة الحقيقة في اسطورة الكهف، التي تقول إن أفكارنا عن الأشياء توجد وجوداً حقيقياً في عالم المُثُل، وأن هذه الأشياء في عالم الواقع هي مجرد نسخ ترتسم كظلال على جدران الكهف.
هذه كانت بالفعل مسيرة تاريخية مثيرة، لكن ثورة عصر التنوير لم تشف الغليل حول مسألة الحقيقة.
ما حدث هو اندلاع “الحرب” مجددا بين معسكرين من فلاسفة البشر في مقاربتهم للحقيقة: الماديون والمثاليون. الماديون مثل ديفيد هيوم وأسحق نيوتن وجون لوك، طرحوا فلسفة مادية طبيعية كاملة ترفض الفكرة بأن العقول البشرية نسخ مصغّرة من “العقل الإلهي”، وقالوا إن أفضل ما يمكن للبشر القيام به للاقتراب من الحقيقة هو تطبيق المبادئ التجريبية والحسّية. لكن المثاليين بزعامة المطران بيركلي Bishop Berkley ردوا بالقول إن الحقيقة تتكوّن ليس من عناصر مادية بل من الله والعقول وأن العالم المادي غير موجود.
الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، الذي يعتبره الكثيرون “مسيح الفلاسفة”، سعى إلى تطبيق المنطق الهندسي الإقليدي على المفاهيم الفكرية والأخلاقية لكي يثبت وجود نظام أخلاقي يكافئ فيه إله كلّي القدرة الأعمال البشرية الجيدة، من دون الحاجة إلى معجزات خارقة وبالاعتماد على العقل وحده. وهو أطلق على هذا النوع من البحث عن الحقيقة تعبير “الحب العقلي لله”.
كل هذه الاجتهادات الفلسفية المتضاربة لم تفعل شيئاً سوى مفاقمة الفوضى والصراعات الفكرية حول العقل والإيمان والحقيقة. هنا دخل الفيلسوف إيمانويل كانط، الذي وجد نفسه رافضاً لكلا المدرستين المادية والمثالية، على الخط، وسعى بدلاً من ذلك إلى جسر الهوة بينهما، واقترح أن يقوم العقل بأصعب المهام وهي معرفة ذاته، وبالتحديد معرفة حدود قدرته على معرفة الحقيقة. قال كانط أن العقل البشري قادر على معرفة الحقيقة بعمق، ولكن من خلال عدسات غير كاملة. فالإدراك والخبرة البشريان “يفلتران” (يصفّيان) ويشوّهان كل ما نعرف، حتى ونحن نحاول فهم الأمور فقط عبر المنطق. فالحقيقة الموضوعية بمعناها الضيّق والمحدد، أو ما أسماه كانط “الشيء في ذاته” موجودة دوماً لكنها تقع خارج معرفتنا المباشرة. ولأن العقول البشرية تعتمد على التفكير المفاهيمي (وحتى الأسطوري) والخبرة المعاشة، فلن تستطيع أبداً تحقيق درجة من الفكر الصافي المطلوب لمعرفة الجوهر الداخلي للأشياء بمعزل عن الخبرة أو الفلترة. قد يكون لدينا معتقدات حول ما هو موجود في ما بعد أو في الداخل، لكن هذه لا تشكّل معرفة حقيقية بالحقيقة.
بعد أجيال من كانط، أخذ السعي لمعرفة الشيء في ذاته شكلين: إما المراقبة الأدق للحقيقة، أو الفهرسة الكثيفة للمعرفة عبر العقل. لكن برز في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر شكل ثالث هو الرومانسية (جان جاك روسو) التي كانت في الواقع رداً على مادية عصر التنوير، والتي قالت إن المشاعر والخيال البشري زميلان حقيقيان للعقل، ورفعت اختبار الطبيعة إلى مستوى أعلى من الحتميات الميكانيكية للنزعة المادية.
وفي الوقت نفسه، بدا أن الفيزياء النظرية تتقدم نحو الشيء في ذاته الكانطي من خلال كشف طبقات غير متوقعة من الحقيقة، كما فعل ألبرت إينشتاين في أعماله في النسبية وفيزياء الكم. بيد أن ذلك أماط اللثام عن مزيد من الغموض حين تبيّن أن الجزيئيات الأولية، كما أسلفنا، لا ترضخ لقوانين الفيزياء الكلاسيكية. وهذا ما دفع نيلز بوهر وفيرنر هايزنبرغ werner heisenberg and Neils Bohr إلى تحدّي الافتراضات العلمية القديمة وطرح مبدأ “اللايقين” الذي شدّد على أن الصورة الدقيقة تماماً للحقيقة لن تكون متوافرة في أي وقت، والأخطر أن الحقيقة المادية ليس لها شكل كامن مستقل بل “تخلق” عبر عملية الملاحظة. وهذا عنى أن العقل البشري مجبر على الاختيار من بين مجالات متعددة من الحقيقة، أيّها يريد معرفته على نحو التحديد وفي إطار لحظة معينة. وهكذا انقلب يقين عصر التنوير وإيمانه بقدرة العقل على إدراك الحقيقة إلى لايقين وغموض ونسبية.
أصدق من عبّر عن هذه الأزمة كان أبرز فلاسفة العلم في القرن العشرين: برتراند رسل. قال:
” الرجل العادي يظن أن المادة متماسكة، فيما عالم الطبيعة يعتقد أنها موجة من الاحتمال تتذبذب في اللاشيئية، وهو لم يعد يؤمن بالمادة. إيماننا بالعالم الخارجي إيمان حيواني، وهو فكر تسيطر عليه نظرية الأفعال المنعكسة الشرطية. فنحن لا نعرف سوى العلاقات في عالم الطبيعة ولا نعرف الأشياء في ذاتها بل مجرد صور عنها. وهذا ما تشي به (ما يسميه رسل) “رؤية جونس” التي تسير على النحو التالي: لابد أن هناك نسخاً مختلفة من شخص اسمه جونس يمر في الشارع يبلغ عددها عدد النظارة، أي أن كلاً من المارة يراه بشكل مختلف. رؤية جونس غير جونس نفسه. هذه رؤيتي للبناية وليس البناية نفسها. هذه رؤيتي للبحر وليس البحر نفسه. الاشياء منفصلة عنا في المكان، كما أن نابليون منفصل عنا في الزمان.
يضيف: “نظرية فيزياء الكم تبيّن أن قانون السببية لا يسري على أعمال الالكترونيات الفردية، وأن الذرات ربما لها قدر خاص من الإرادة الحرة. لذلك سلوكها لا يخضع إلى قانون. وهذا الشك العلمي قد يؤدي إلى انهيار العصر العلمي، ولن يبقى سوى الآلات كما بقي القساوسة بعد انهيار الدين المسيحي.
أكثر من ذلك: يعلن فيلسوف العلم الأبرز في القرن العشرين أنه ” لولا الهوى والعادة لقلنا إنه لا يكاد يقوم أي دليل على وجود العالم الخارجي، فكله أخلاط وأشتات لا رابط بينها ولا استمرار ولا تماسك ولا نظام. أما النظام الذي يتراءى لنا في العالم الخارجي إنما يرجع في رأي الكثيرين إلى غرامنا بالتقسيم والتصنيف، وأن من المشكوك به حقاً وجود شيء كقوانين الطبيعة. العالم الخارجي قد يكون وهماً، لكنه إذا كان موجوداً فهو يحتوي على أحدث قصيرة وصغيرة وعشوائية. فالنظام والوحدة والاستمرار هي من مخترعات البشر”.
وبعد هذه المقاربات التي كاد فيها نبي فلسفة العلم يفقد الثقة ليس فقط بنبوته بل بمادة هذه النبوة نفسها (العلم)، يعلن رسل بكلمات مجلجلة بأن “ثنائية المادة والعقل انتهى زمانها، فالمادة أصبحت أشبه بالعقل والعقل أشبه بالمادة. والمرء يميل إلى الظن بأن ما هو موجود فعلاً هو شيء وسط بين كرات البليار في المادية العتيقة وبين الروح في الروحانيات القديمة” .
AI يدخل
على الخط

نعود الآن إلى سؤالنا الأوّلي حول قدرة AI على ما عجز عنه البشر حتى الآن في معركة فهم الحقيقة
وفي مجال قياس وإدراك جوهر الظواهر.
في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، طوّر البشر قدرات AI على التعلّم الذاتي، وطرحوا نظريات تقول إن مكامن قوته تكمن جزئياً في قدرته على مسح كميات هائلة من الداتا والخروج منها بأنماط وسياقات متكررة، مثل التقاط الكلمات التي غالباً ما تتواجد مع بعضها، أو ملاحظة السمات الموجودة في الصور ثم “تعقّل” الحقيقة من خلال التعرّف على شبكات المتشابهات والمتطابقات وفقاً لما تعلّمه سابقا. وحتى لو لم يعرف AI أبداً شيئاً بالطريقة التي يستطلعها العقل البشري، إلا أن تراكم المتطابقات مع أنماط الحقيقة قد يصل لديه إلى مستوى الأداء البشري أو حتى يفوقه.
البشر يريدون الآن زيادة قدرات فكرهم لتجاوز محدوديته. والكومبيوترات أضافت مملكة رقمية منفصلة إلى المجال الفيزيائي الذي لطالما عاش البشر في كنفه. إنهم الآن (البشر) وصلوا إلى منعطف حقيقي بفعل الثورة الرقمية التي ضغطت إلى حد كبير الزمن وباتت التكنولوجيا تغيّر تجربة الحياة بطريقة جديدة كلياً تقوم على السرعة الفائقة و”مبدأ الاكتساح”، وليس كما كان يحدث في الماضي حين كانت الابتكارات الجديدة مجرد امتداد لسابقاتها (مثلاً، السيارة مكان الحصان، والدبابة مكان الفارس، والسفن مكان القلاع وإن كانت قلاعاً متحرّكة).
علاوة على ذلك، كل المهام التي كانت قبل جيل واحد يدوية (القراءة، الأبحاث، التبضع، الرقابة، التخطيط العسكري.. الخ) أصبحت الآن رقمية تسبح في فضاء سيبراني. وهذا الانقلاب المعلوماتي الرقمي جعل الشركات الكبرى التي باتت تضع يدها على كم ضخم ومتزايد من المعلومات أقوى من الدول، بعد أن أدركت أن المنافسة مع الآخرين انتقلت الآن من الأرض إلى الفضاء السيبراني. أما الأفراد البشريون فقد جعلتهم الثورة الرقمية/المعلوماتية أقل قدرة على إنتاج المفاهيم وأقل قدرة أيضاً على ممارسة المنطق السياقي والمفاهيمي بسبب اعتمادهم على الآلات التي باتت تبحث وتفكّر عنهم. فمحركات البحث تعتمد على AI لتوفير المعلومات والخلاصات وحتى القرارات للناس، ما يعني أن هؤلاء أحالوا عمليًا تفكيرهم إليه.
ماذا إذا: هل سيساعد AI؟
ربما. فنحن لدينا افتراضات علمية عدة حول ” النظرية العامة التي تفسّر كل شيء” في الكون، على غرار نظرية الثقالة الكمومية الحلقية Loop quantum theory التي تقول إن الزمان- المكان ليسا أملسين بل يتكونان من حلقات دقيقة. هناك أيضاً نظرية الأوتار الفائقة التي تفترض أن الجزئيات وقوى الطبيعة هي نقاط من أوتار ذات بعد واحد تمتد عبر سبعة أبعاد أو أكثر من الأبعاد غير المنظورة. كلا هاتين النظريتين تدّعيان حل التناقض بين نظرية الجاذبية والتأثيرات الكمومية، لكن كليهما يعاني من المتاعب بسبب خلاصاتهما الغريبة مثل الحديث عن وجود أكوان متعددة، وأيضاً بفعل صعوبة اختبارهما عمليا.
AI قد يستطيع لاحقاً اكتشاف جزيئيات جديدة أدق من “جزيء الله” (هيغز بوزون Higgs boson)، أو ما إذا كانت الحلقات أو الأوتار حقيقية أم لا. على أي حال، الفيزياء النظرية تركّز أكثر على مسألة التشابك الكمومي Entanglement، التي هي ظاهرة كمومية يستطيع فيها جزيئيان التأثير على بعضهما البعض حتى لو كان هناك مجرات تفصل بينهما. هذه المقاربة، التي أثبتها علمياً العالِم ألان أسبيكت Alan Aspect ، تظهر أن التشابك يمكن أن يحدد جغرافيا الفضاء، إذ كلما كان التشابك قوياً كلما ازداد اعوجاج الفضاء. وهذا يعني، إذا ما أُثبتت هذه الفرضية، أن الزمكان space-time ينبثق من الميكانيكا الكمومية، ما يوحي بأن النظرية الكمومية هي الوصف الأكثر أساسية للحقيقة. مع ذلك، يجب أن نتذكّر هنا أن التوحيد الناجح للنظريتين الكمومية والنسبية لن يتحقق ما لم يفسّر سمة ضخمة أخرى من الحقيقة: الزمن. ففي النظرية النسبية الزمن مركزي، فيما النظرية الكمومية تتجاهله تقريبا. ثم أن كليهما لا يشرحان لماذا يبدو الزمن سائراً في اتجاه واحد.
ثمة هنا جملة شهيرة لستيفن هاوكينغ: “دور الفيزيائيين النظريين سينتهي قريباً، لكن الفيزياء النظرية قد تبقى مع الآلات”. وثمة جملة أكثر خطورة أوردها الفيزيائي كارلو روفيللي carlo Rovelli : “ليس واضحاً ما إذا كانت أدمغتنا قادرة بالفعل على إدراك الحقيقة. الشمبانزي ذكي لكنه لا يستطيع فهم نظرية الكوانتوم أو معرفة ما ضرورتها. وبالمثل، ربما يكون هناك محدودية أساسية للإدراك البشري يمنعنا من الوصول إلى الصورة الأكبر. ربما ستستطيع آلات فائقة الذكاء أن تفعل ذلك في يوم ما”.
على أي حال، يتعيّن على الجنس البشري الاستعداد لمعاينة تحوّل كبير حيال مقاربة طبيعة الحقيقة ربما يكون أكثر جذرية بكثير حتى من التغيرات التي أدخلتها نظريتا النسبية وفيزياء الكم. صحيح أن العلماء أثبتوا نسبياً وجود الانفجار العظيم Big Bang، عبر تسجيل ظاهرة تواصل تمدّد الكون، لكن أحداً لم يتمكّن حتى الآن من تفسير كيف يمكن للوجود أن ينشأ من لا شيء، أو يشرح اللحظة التي تلت هذا الانفجار حين كان الكون برمته مركّزاً في رأس دبوس كثافته وحرارته لا نهاية لهما. ما سيحاول AI القيام به هو التدقيق أولاً ما إذا كان الانفجار العظيم نشأ من انفجار نقطة نصف قطرها يبلغ 10-25 سنتيمترا، أي أصغر مليار مرة من قطر الالكترون، أو أن الكون ولد في الواقع من اصطدام كونين. أو أيضاً أنه ليس ثمة أصلاً بداية للزمان والمكان.

فيزياء جديدة

لكن، حتى لو تمكّن AI من الإجابة على كل أو بعض هذه الأسئلة، الأمر الذي سيغيّر بالفعل علم الفيزياء كما نعرفه، إلا أنه قد لا يتمكّن أبداً من معرفة ما كان يحدث قبل ولادة الكون، حيث أفكار مثل الزمان والمكان لن يكون لها أي معنى، وحيث تصبح الحقيقة نفسها غير قابلة للوصف بشكل أساسي. لا بل حتى كلمة “قبل” غير دقيقة. فمفهوم الزمن في “القبل” يتوقف عن العمل. أكثر من ذلك: أيضاً لأن تمدّد الكون قد يتوقف في مرحلة ما ويبدأ بالعودة إلى الوراء، فإنه سيعود كذلك إلى حالة اللازمان مجددا.
وهكذا، AI قد يكتشف المزيد من الجزيئات والكواكب والعلاقات، لكنك بالفعل قد لا يصل أيضاً إلى الحقيقة لأنه سيعاني من نفس مشكلة الفيزياء الحالية التي يقطن AI في قلبها في الواقع، والتي صنعت لنفسها قفصاً مادياّ- ميكانيكيا ذهبياً وقطنت فيه معتبرة أنه بداية ونهاية الكون. هذا لا يعني بأي حال التقليل من قدر الإنجازات العلمية المحتملة للذكاء الاصطناعي، لكنه سيكون في الواقع مجرد امتداد للنظريات المادية السابقة، مهما كانت اكتشافاته المتوقعة جليلة وضخمة كما هو متوقع.
هنا تطل برأسها مقاربات مختلفة كلياً، وإن كانت لا تحظى بعد بالموافقة من بعض العلماء، لا بل هي تُحارب بعنف، لأنها تدعو إلى فيزياء جديدة نجحت في تصفية الحساب تقريباً مع المقاربة المادية الميكانيكية التي كانت في أساس الوعي الإنساني “الزائف” طيلة العصور قديمها والحديث.
ألمعنا فيما سبق إلى وجهة نظر برتراند رسل حيال أبعاد ومعاني هذه التغييرات، أو الانقلابات الفكرية إن صح التعبير. وبعد رسل، كرّت سبحة العلماء والفلاسفة الذين يدعون إلى فيزياء جديدة ووعي إنساني جديد يطابق المكتشفات العلمية الحديثة، ويستند إلى المصالحة التاريخية بين العلم وبين الفلسفات الشرقية، على الأقل في جانبها الصوفي النقي.
مثلا، فريتز كابرا Fritz Capra ، وهو أحد أبرز المنظرين الحديثين لهذه المصالحة، يعتبر أن ثمة انبثاقاً لرؤية جديدة للحقيقة ومفهوماً جديداً للحياة متّسقاً مع “الفيزياء الجديدة”، وأنه ستكون هناك حتماً مضاعفات اجتماعية جُلى لهذا التحوُّل الثقافي الكبير. الكون في هذه الرؤية لم يعد آلة تتكوّن من عناصر أولية، بل العالم المادي في نهاية المطاف شبكة واحدة ضخمة من أنماط العلاقات غير المنفصلة، وكوكب الأرض ككل هو نظام حي ذاتي التنظيم.
التطور، في هذا السياق لم يعد يعني، أو يتعيّن ألا يعني، صراعاً من أجل البقاء، بل هو برأيه رقصة تعاونية يكون فيها الخلق والبروز الدائمين للجديد هي القوى الدافعة. “الإيكولوجيا العميقة” بالنسبة إلى كابرا هي الإطار الكاسح للفهم الجديد للحياة. فـهذه الإيكولوجيا لا ترى العالم كمجموعة من الأشياء المنفصلة، بل شبكة من الظواهر المرتبطة بشكل أساسي والمعتمدة بشكل وثيق لا فكاك فيه على بعضها البعض. هنا تذوب الإيكولوجيا في الروحانية (بمعنى وحدة الوجود) بفعل اختبار الارتباط بكل الطبيعة. اختبار الوحدة والانتماء إلى كل الكون. الروح هنا تعني الحياة نفسها وليس تلك الكينونة المجردة.
الفيزياء الجديدة هذه أعادت بضربة قلم واحدة، الوَحْدة إلى مقاربتي العلم والفلسفة: العقل والحَدْس. فالفلسفات القديمة نظرت إلى الوجود على أنه وحدة متكاملة، ولم يبدأ الفصل إلا مع المدرسة الإيلية eleatic school القائلة بانفصال الله عن الكون، وانفصال المادة عن الروح. ثم مع برمانيدس الذي عاكس مقاربة هيرقليطس القائمة على مبدأ التغيُّر الدائم. فهو أسمى الله “الكائن” (Being) وقال إنه فريد وغير متغيّر. كما اعتبر أن التغيير مستحيل وأن التغييرات التي نراها في العالم هي أوهام الحواس. مفهوم المادة التي لا تدمَّر، استند إلى هذه الفلسفة وأصبح أحد المفاهيم الرئيسة للفكر الغربي.
في القرن الخامس قبل الميلاد، حاول الإغريق التغلُّب على التناقض الحاد بين هيراقليطس وبارمانيدس. لكن، حالما تم تقسيم الروح والمادة، تحوّل اهتمام الفلاسفة إلى العالم الروحي بدل المادي وإلى عالم الانسان ومشاكل الاخلاق. هذه المسائل استغرقت الفكر الغربي لمئات السنين بعد وصول الفكر والثقافة الإغريقيان إلى ذروتهما في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد. معرفة الغربيين العلمية نظّمها أرسطو الذي وضع المقاربة التي ستصبح أساس وجهة النظر الغربية حول الوجود لمدة 2000 عام. والسبب أن أحداً لم يتحّدَ أنموذج منطق أرسطو، يعود إلى دعم الكنيسة الكاثوليكية لهذا الموقف.
لكن الطامة الحقيقية أكثر بدأت مع ديكارت في القرن السابع عشر، الذي فصل العقل والمادة إلى مملكتين منفصلتين ومستقلتين. هذه القسمة الديكارتية سمحت للعلماء بمعاملة المادة والطبيعة على أنهما شيء ميت وبالتالي منفصلتان عنا، وعلى أن العالم المادي مجرد مروحة من الأشياء المختلفة المجمّعة في آلة واحدة ضخمة. نيوتن تبنّى هذه النظرة الميكانيكية وسيطر على العلم من نهاية القرن 17 إلى نهاية القرن 19، وكانت فرضياته تجسيداً لإله امبرطوري يحكم العالم من فوق عبر فرض قانونه الرياضي السماوي عليه من تحت. هنا قوانين الطبيعة أصبحت قوانين الله الأبدية وغير المتغيّرة.
أفكار ديكارت لم تكن فقط أساس الفيزياء، بل أثرَت على كل الفكر الغربي حتى يومنا هذا. فمقولته “أنا أفكر إذاً أنا موجود”، دفعت الغربيين إلى مساواة هويتهم بدماغهم المادي بدل الكل العضوي الحي organism كله. ونتيجة لهذه القسمة الديكارتية، بات كل الأفراد واعين لأنفسهم كأنوات (جمع أنا) معزولة توجد “داخل” أجسادهم. أصبح العقل منفصلاً عن الجسم وأعطي مهمة لا جدوى منها هي السيطرة، والتي، بالتالي، كانت سبب الصراع بين الإرادة الواعية وبين الغرائز غير الواعية. كل فرد بات مقسوماً أكثر إلى أجزاء منفصلة أخرى وفق نشاطاته ومواهبه ومشاعره ومعتقداته التي تنخرط في نزاعات لانهاية لها وتولِّد فوضى ميتافيزيقية متواصلة وإحباطا.
ويرى كابرا أن هذا التجزؤ الداخلي امتد إلى نظرة الغرب إلى العالم الخارجي كأجزاء منفصلة أيضا. فالبيئة الطبيعية عوملت على أنها تتكوَّن من أجزاء منفصلة يجب استغلالها من جانب مختلف مجموعات المصالح الرأسمالية. ثم امتدت هذه الرؤية المجزأة إلى المجتمع الذي قُسم إلى أمم وأعراق ومجموعات سياسية. وهذه الرؤية هي سبب أزمات البشرية الراهنة الاجتماعية والإيكولوجية والثقافية، وعدم عدالة توزيع الموارد الطبيعية، والفوضى الاقتصادية والاجتماعية، والبيئة الملوثة البشعة، وموجات العنف المتصاعدة، وكل ذلك جعل البيئة الطبيعية غير قابلة للحياة صحياً وماديا.
القسمة الديكارتية كانت مفيدة للتكنولوجيا والفيزياء، لكنها أدت إلى مضاعفات سلبية كبرى على حضارتنا. والمثير أن علم القرن العشرين الذي نشأ من هذه القسمة ومن النظرة الميكانيكية للعالم والذي لم يكن ممكناً من دون هذه القسمة، بدأ يتغلب هو نفسه على هذا التجزؤ ويعود إلى فكرة الوَحْدة التي عبّر عنا الاغريق والفلاسفة الشرقيون.
فبالنسبة إلى الصوفية الشرقية، كل الأشياء والحوادث التي تدركها الحواس مترابطة ومتصلة، وهي ليست سوى مجالات مختلفة أو تمظهرات عدة للحقيقة النهائية الواحدة نفسها. ميلنا للتقسيم والفردية وهم يدعى أفيدا أو الجهل في الفلسفة البوذية: “حين يضطرب العقل يتم انتاج كثرة وتعددية الأشياء، لكن حين يكون العقل هادئاً تتبخر الكثرة”.
وحدة الكون (والوجود) هي القاسم المشترك بين الفلسفات الشرقية، وهدفها دفع أتباعها إلى إدراك هذه الوحدة والعلاقات الترابطية بين كل الأشياء، بهدف جعل الفرد يتجاوز أنانيته ويتعرُّف على نفسه في الحقيقة النهائية حين يصل إلى التنوير. الشرقيون يعتبرون كل شيء في حالة سيولة وتغيُّر، والكون حقيقة واحدة لا ينفصم عراها، (الموجة في الفيزياء) وهو إلى الأبد في حالة حركة دائبة وخلق متواصل. إنه حي وعضوي وروحي ومادي في آن. والمُشاهد (الوعي الإنساني) جزء لا يتجزأ من هذا المشهد ومشارك في أحداثه.
أثبتت الفيزياء الجديدة أن القوى المطلقة للحركة ليست موجودة خارج الكون (كما كان الإغريق يقولون) بل داخله، وهي من الطبيعة العميقة للمادة. وبالتالي رؤية الشرقيين لله ليست لحاكم يوجِّه العالم من فوق، بل لمبدأ يسيطر على كل شيء من داخل.
هذه الرؤية الشرقية هي ما يقوله بعض العلم الآن. الشبان الغربيون البيئيون والتقدميون المتحمسون لهذه الفكرة باتوا يعتبرون العلم مصدر كل شرور التكنولوجيا الحديثة. لكن كابرا يريد أن يثبت أن ثمة تناغماً بين العلم وبين الروحانية الشرقية، وأن الفيزياء الجديدة تتجاوز مادية التكنولوجيا، وأنها قد تكون أيضاً “الطريق”( الطاو في الفلسفة الصينية) إلى المعرفة الروحية وتحقيق الذات الفردية الحقيقية كما الجماعية الحقيقية.
اكتشافات الفيزياء الجديدة حتّمت تغيير مفاهيم البشر حول الزمان- المكان ، والمادة والحياة، والسبب والنتيجة، والوعي . فالمفاهيم الميكانيكية لم تعد كافية لفهم العالم او الوجود. وهذا بدوره قد يحتم الثورة الجديدة افي طبيعة الوعي البشري، في حال نجت البشرية من خطر الانقراض السادس في تاريخ كوكب الأرض.
الكون الهولوغرامي
هنا يدخل الفيزيائي البارز ديفيد بوهم David Bohm على الخط ليدشّن ما يمكن أن يكون أحد القواعد العلمية الصلدة لهذا الوعي، حين أشار إلى أن الحقيقة الموضوعية لا وجود لها. وعلى رغم ما نراه من كون يبدو صلدا، إلا أنه في الحقيقة وهم كبير وهو ليس إلا “هولوغراما” واحداً يتضمّن كل شيء وكل الاحتمالات. بوم يطلق على مثل هذا الكون اسم “الكون الهولوغرامي”، حيث كل جزء يتضمن الكل (وهذا أيضاً ما اكتشفه الصوفيون قبل ألفي عام)، حيث الماضي والحاضر والمستقبل، كما المكان، موجودون كلهم في “إناء واحد” ويتّصلون ببعضهم البعض اتصالاً لا فكاك فيه. أما ما نراه نحن من “أنا” و”أنت” ومن أشياء حسية منفصلة فهو وهم. كل الأجزاء في الكون ما هي إلا أوهام تخلقها تفسيرات خلايا الدماغ البشري المولعة بتجزئة الأشياء. فالكل موجود في الجزء والجزء موجود في الكل (الهولوغرام).
قلنا قبل قليل أن الذكاء الاصطناعي، حتى في صيغه غاية في التطور، من كومبيوتر الكم إلى كومبيوتر الحمض النووي، لن يكون قادراً على الأرجح على تخطي الحاجز التجزيئي المادي، وبالتالي لن يستطيع رؤية الغابة الكلية والواحدية للكون المختفية وراء جزئية الكيانات المادية، تماما كالعقل العلمي- الميكانيكي البشري الذي اخترعه.
لكن، لنفرض، لغرض النقاش، أن المُستبعد تحقق، وأن هذا الذكاء امتلك الوعي الكوني المتجاوز الذي تحدثت عنه فيزياء الكم والفيزياء الجديدة وديفيد بوهم وكارل بريبرام والفلسفات الشرقية، فماذا قد يقول لنا؟
ربما سيقول لنا أن ألبرت اينشتاين كان مخطئاً على الأقل في ناحية واحدة، كما أثبت ألان أسبكت Alan Aspect خلال دراسته لظاهرة تدعى “اللا محلية nonlocality أو التشابك Entanglement، كما أيضاً حين اكتشف نيلز بوهر Niels Bohr، الحائز على جائزة نوبل في فيزياء الكم، أنه حين تكون الجزيئيات دون الذرية، مثل الالكترونات أو الفوتونات، على اتصال مع بعضها البعض، فإنها ستبقى إلى الأبد متأثرة ببعضها البعض على نحو فوري في كل وقت (أي أسرع بما لا يقاس من سرعة الضوء) وحتى لو كانت على بعد مجرات من بعضها البعض.
أينشتاين رفض مبدأ اللامحلية هذه قائلا أن هذه النظرية هي “عمل خيالي عن بعد”، وأن الاتصال الفوري بين الجزيئيات لا يمكن أن يحدث لأنه يتطلب أن تنتقل المعلومات بأسرع من الضوء. لكن أسبكت أثبت ذلك عملياً وأكد أن الجزيئيات تستطيع التواصل بالفعل وأسرع بكثير من الضوء.
حين أطلّ ديفيد بوهم على المشهد العلمي، ظن الفيزيائيون الكلاسيكيون أن زميلهم سيدعم نظرية أينشتاين. لكن سرعان ما تبين لهم أن ما يقوله أسوأ بالنسبة إليهم مما أكده أسبكت. إذ قال أن الجزيئيات تتصل ببعضها ليس لأنها تسافر أسرع من الضوء، بل لأنها جزء من كيان واحد أو مجرد امتداد لهذا الكيان: فالحقيقة الموضوعية بالنسبة له ليست موجودة، والكون كله هولوغرام واحد لا تنفصم عراه وأشبه بمستودع ضخم من المعلومات ومن “الوحدانية التامة وغير المنقطعة” Unbroken wholeness ، حيث كل شيء في الكون موجود في حيز غير مرئي وراء الزمان والمكان في شكل حقل من الاحتمالات.
وبالطبع، لو وصل الذكاء الاصطناعي إلى هذه الخلاصة التي تتناقض حرفاً بحرف مع كل نهج وفلسفة العلم الميكانيكي، لرفضتها المؤسسة العلمية الراهنة باعتبارها هي الأخرى “عمل خيالي عن بعد”، كما سترفض الاعتراف بأن الدماغ البشري المولع بالتقسيمات والتجزئة هو الذي يقفز فوق الحقيقة بأن الكون الذي يبدو صلدا هو هولوغرام عملاق حيث “الكل يكمن في الجزء” The all in the small.
لقد اكتشفت كل الاديان والروحانيات الشرقية القديمة أن الأنا الأنانية (الأيغو) ، هو الجانب غير المستيقظ أو غير الواعي الذي يسيطر على سلوك الإنسان وتفكيره، تماماً كما أن الدماغ البشري يخلق صورة “مشوهة” أو غير صحيحة من “الشيء في ذاته”. وهذا عنى أمرين: الادراك بأن “الحالة “الطبيعية للعقل لدى معظم البشر تحتوي على عامل قوي من الخلل او حتى الجنون. (بعض تعاليم الهندوسية تقول ان هذا الخلل هو شكل من المرض العقلي الجماعي يسمى “مايا” أو قناع الوهم والخداع: رامانا مهارشي: العقل هو مايا. بوذا: العقل في حالته الطبيعية يولد الدوكا (الشقاء وعدم القناعة والرضى والبؤس). المسيحية: الحالة الجماعية الطبيعية هي ” الاثم الاصلي”وهي تعني عدم اصابة الهدف من الوجود الانساني والعيش بعماء وبالتالي المعاناة والتسبب بالمعاناة). وهذا ايضا يشير الى الخلل الكامن في الحالة الإنسانية”).
فلنفرض أن الذكاء الاصطناعي سيكتشف أن انجازات الانسانية هائلة بالفعل في مجال الكواليا( *) في الموسيقى والادب والرسم والنحت والعلم والتكنولوجيا والقيم والمباديء الأخلاقية، وأن العقل البشري ذكي للغاية، لكنه سيقول أنه ذكاء ملطخ بالجنون، وأن التكنولوجيا قامت بتضخيم التأثير التدميري للخلل في العقل البشري على الكوكب واشكال الحياة الاخرى وعلى البشر أنفسهم. وحروب القرن العشرين المدمرة نموذج فاقع على هذا الجنون الجماعي، الذي يفاقم بدوره الخلل.
فلنفرض أن الذكاء الاصطناعي قد يكتشف أيضاً أنا الصراعات بين البشر تشن بدافع الخوف والطمع والرغبة بالسيطرة، وهذا ساد في التاريخ جنبا الى جنب مع العبودية والتعذيب والعنف المستشري باسم الدين او الأيديولوجيا أو الغنائم والمصالح، وأن البشر عانوا على أيديهم هم أكثر مما عانوا على يد الكوارث الطبيعية ووضعوا الذكاء في خدمة الجنون: ففي الحرب العالمية الأولى، مثلا، مات وجرح الملايين في الخنادق من اجل حفنة طين. وخلال قرن واحد سقط مائة مليون قتيل في حربين عالميتين. وتكفي إطلالة سريعة حالياً على الفضائيات الراهنة لمعاينة الجنون البشري وهو قيد العمل في القرن الحادي والعشرين، إذ هو تجسيد أخر للخلل في العقل البشري وللعنف الذي لم يسبق له مثيل ضد اشكال الحياة الاخرى وضد الكوكب نفسه.
سيرى AI إن البشر المدفوعون بالجشع وجهل ارتباطهم بالكل، يواصلون السير في طريق لن يؤدي سوى الى دمارهم. التجسيد الجماعي للجنون الكامن في عمق الذهن البشري يشكل غالبية التاريخ: إنه تاريخ من الجنون. وإذا كان تاريخ البشر هو الحالة السريرية لتاريخ فرد بشري واحد، فالتشخيص يكون كالتالي: أوهام ارتيابية حادة؛ استعداد مرضي لارتكاب الجرائم وأعمال العنف المتطرف والقسوة المتطرفة ضد اعداء مفترضين (الذي هم لاوعيهم الخاص وقد انعكس في الخارج). الاجرام، الجنون مع فترة حكمة قصيرة للغاية. الخوف، والجشع، والرغبة في السيطرة لا تتسبب فقط بالحروب والعنف بين الأمم والقبائل، بل ايضاً في تقويض العلاقات الشخصية وتشوّه ادراك الأخرين ومعرفة النفس.
هل يقبلون؟
هكذا، إذا، قد يرى الذكاء الاصطناعي المتطور كلاً من جزء من الحقيقة الموضوعية للوجود ولحقيقة السياقات البشرية الراهنة. فهل ستقبل القلة القليلة ( 1% من البشر) من النخب الحاكمة والمسيطرة الرأسمالية على كل مفاتيح وصنابير الذكاء الاصطناعي والثورة التكنولوجية الرابعة هذه الحقيقة الموضوعية التي تزلزل في الواقع كل صرح النظام الرأسمالي العالمي الراهن، والقائم برمته على عبادة مبدأ الجزء ورفض الكليانية، وعلى فلسفة “الجينة الأنانية”، والداروينية الاجتماعية الخاصة بحرب الجميع ضد الجميع، وعلى القسمة الديكارتية المدمرّة للذات والمجتمع (كما أشرنا أعلاه)؟
هنا قد نجد أنفسنا نسارع إلى الإجابة بكلا كبيرة حيال كلا الحقيقتين الوجودية والبشرية.
لكن، هناك في جعبة النخب التكنو- رأسمالية ما هو أخطر بكثير من مجرد رفض طبيعة الحقائق المحتملة الجديدة، وهو تطويع أي معطيات علمية- تكنولوجية جديدة لصالح سيطرة مقاربة للحقيقة ملائمة لتحقيق هدف تاريخي كبير: إقامة ما قد يكون أعتى ديكتاتورية في كل التاريخ البشري، تستند إلى “ديانة التكنولوجيا”، أي الديانة المادية- الميكانيكية المطلقة.
كيف؟
الناقد البارز للتكنولوجيا البروفسور لانغدون وينرLangdon Winner يوضح هذه النقطة بقوله أن كل النشاطات التكنولوجية لها في الواقع محتوىً سياسياً، ولها عواقب اجتماعية وسياسية وبيئية ملموسة. وهذا ما يجب أن يدفعنا إلى طرح أسئلة من نوع: كيف تغيّر التكنولوجيا حياتنا، ونظرتنا إلى أنفسنا، ومفهومنا عن المجتمع والسياسة والطبيعة؟ ما هي آثارها الحقيقية على صحة البشر وعلى البيئة؟ كيف تعيد تنظيم السلطة في المجتمع والعالم، ولمصلحة من؟
باحثون بارزون خرجوا بالردود التالية على هذه الأسئلة :
– الطريقة التي تُبث فيها المعلومات فيما يتعلق بالتكنولوجيا، تأتي دوماً من قبل الشركات والعلماء الذين وضعوا هذه التكنولوجيا وسوّقوها. فهم المستفيدون من إعطائنا صورة جيدة عنها، كما أن وصفهم المتفائل لها تدعمه مليارات الدولارات من الإعلانات والحملات الموجهة إلى الجمهور الذي لا يبدأ بالتعرُّف على آثارها المدمِّرة للإنسان والطبيعة إلا بعد أن يتم تعميمها وبعد فوات الأوان.
– رضوخنا الكامل إلى التكنولوجيا مرتبط بالفوائد التي تؤمّنها لنا. فالسيارة تأخذنا إلى الأماكن التي نريد. والتلفزيون يأتينا بالاسترخاء. والطائرة تختصر مساحات الكوكب. والكمبيوتر ينظِّم المعلومات ويخزنها ويصلنا بالآخرين الذين يفكرون مثلنا. كل تكنولوجيا مفيدة، وإلاّ لما كانت أثارت كل هذا الاهتمام لدينا، أو هكذا يقولون لنا.
بيد أن كل ذلك “خداع ساحر”. فالتكنولوجيا ليست محايدة، وهي تتضمن في الواقع تحوّلات سياسية كبرى محددة سلفا، تتعلّق بالقرارات الكبرى حول أنماط عيشنا.
على سبيل المثال، الشركات الكبرى هي التي قررت أن نعتمد على الطاقة النووية بدل الشمسية، (والآن طاقة النفط الصخري) على رغم الكوارث الكبرى التي تتسبّب فيها الأولى، والتوازن البيئي الكامل الذي توفّره الثانية. وهي اتخذت هذا القرار لأن الطاقة الشمسية يمكن توفيرها من دون الشركات العملاقة، في حين أن الطاقة النووية تعتمد بالكامل على هذه الأخيرة. ثم أن إنتاج الطاقة النووية يحتاج أيضاً إلى حماية عسكرية ضد الإرهاب وضد سرقة المواد الخطرة، وهو يولّد في النهاية نفايات مرعبة يحتاج بعضها إلى التخزين في أماكن محصّنة لفترة قد تصل إلى مائتين وخمسين ألف عام. وهي مهمة تطرح العديد من المشاكل التقنية غير المحلولة، التي تتطلّب طوال هذه المدة حضوراً وحماية من الشركات على كل الصعد التقنية والعلمية والعسكرية. الطاقة النووية تتوافق مع مجتمع صناعي منتظم حول ماكينات عسكرية ومالية مركزية، أما الطاقة الشمسية فتناسب غالباً مجتمعات مؤلفة من تجمعات صغيرة تتزوّد بما تحتاجه من الأسواق المحلية، ولديها أثر طفيف جداً على البيئة.
هناك العديد من الأمثلة الأخرى:
فكما الأمر مع الطاقة النووية، كذلك مع السيارة والكومبيوتر والتلفزيون وبقية الأدوات التكنولوجية التي تستخدمها مؤسسات العولمة لممارسة “سحرها المادي الميكانيكي” على العالم. بالنسبة إلى السيارة، يطرح العلماء الفرنسيون المَثَل الجميل التالي: ماذا كان سيحصل لو أن تحليلاً منهجياً عُرِض على الجمهور عشية زمن اختراع السيارة؟ فعلى رغم الآثار السلبية المعروفة للسيارة، قدّمها مروجوها كهنري فورد وغيره، بأفضل الصفات والمميزات: وسيلة نقل خاصة، سريعة ونظيفة، من شأنها أن تفتح عهداً جديداً “ثورياً” من الحرية الفردية والديمقراطية. لكن، ماذا كان سيحدث لو عرفنا أن السيارة ستؤدي إلى بناء المدن والقرى الإسمنتية الجافة التي لا روح فيها ولا مُتنفّس؟ وأنها ستساهم في التلوّث المناخي المُسبب للسرطان ومروحة واسعة أخرى من الأمراض، وتبديد الموارد الطبيعية للكوكب، والاحترار المناخي، وأنها ستخلق مشاكل ضخمة من جراء تراكم النفايات الصلبة والضجيج؟
ماذا كان سيحدث أيضاً لو أُعلن أن حفنة قليلة من الشركات ستحتكر الانتاج الضخم للسيارات، وستحوز بحكم ذلك على سلطات اقتصادية وسياسية جبارة، وأن هذه الشركات تتآمر لإلغاء أو خفض استعمال وسائل النقل العام وخصوصاً القطارات؟ وماذا لو عرفنا أن مئات آلاف الأشخاص سيموتون أو يُجرحون سنوياً جراء حوادث السير، أو أن السيارة سوف ترتهن بالحصول المُلحّ على النفط الذي من أجله ستندلع الحروب الدامية؟
لو علم الناس كل ذلك، هل كانوا سيقبلون بتطوير وسيلة النقل هذه، أم سيطالبون بوسائل نقل أكثر ملاءمة للحياة البيئية، عبر تعزيز وسائل النقل العامة وتقليص كثافة السيارات على الطرقات؟ لو أن نقاشاً شعبياً عاماً كان قد حصل بالفعل، لكانت التطورات المرتقبة من مدن الإسمنت والحروب واستنفاد الموارد الطبيعية، ستثير بلا شك القلق وربما الانتفاضات الشعبية .
ومن السيارة إلى الفضائيات التلفزيونية الذي كان يُفترض أن وعياً عالمياً- إنسانياً جديداً يتجاوز الانقسامات القَبَلِية والعصبيات القومية والدينية سيولد في كنفها. لكن ما حدث أن الفضائيات روّجت في الواقع لفرد مستهلك معزول عن الطبيعة والاجتماع البشري الصحي، ومُعتقل في إسار السلع غير الضرورية في معظمها التي تخلقها الشركات الكبرى، ثم تقنع الناس بعد ذلك أنها جزء من حاجتهم وهويتهم وشخصيتهم. وهذا بالطبع من دون نسيان ترويج الآلة التلفزيونية العملاقة لثقافة العنف والجنس المشّوه والأطعمة غير الصحية والموسيقى الصاخبة.
علاوة على ذلك، تم الترويج على نطاق واسع أن الثورة المعلوماتية في الإنترنت، ستؤدي في النهاية إلى ولادة “التكنولوجيا الروحانية” التي ستعطي الديمقراطية سلطاناً قل نظيره. بيد أن كل ذلك يبدو الآن أمراً مبالغاً فيه، لأن من يمسك بكل تلابيب ومفاتيح وصنابير الشبكة المعلوماتية هي المؤسسات المالية والتكنولوجية العملاقة التي هي، أولاً، المستفيد الأكبر من الثورة المعلوماتية، وثانياً لأنها تستخدمها للسيطرة على أدمغة البشر وإعادة انتاجها في القوالب الاستهلاكية والإيديولوجية المطلوبة. وهكذا، فإن المعلوماتية في الواقع هي الأداة الأكثر فعالية في تسريع عملية تمركز السلطة في يد حفنة من الشركات العملاقة، التي لا تقوم بعملها على مستوى تبادل المعلومات فقط، بل هي تحصل أيضاً على النتائج الملموسة التي تُترجم في القضاء على الغابات، وإنشاء البنى التحتية الضخمة، وتغيير تموضع المجتمعات الريفية والفلاحية ومعها ملايين الأشخاص، وشل عمل الحكومات والدول التي تفقد دورها في تحقيق الرفاه والتوازنات الاجتماعية، فتصبح مجرد أداة أمنية لخدمة مصالح قوى العولمة النيو- ليبرالية.
صحيح أن ثورة تكنولوجيا المعلومات توفّر حقاً للفرد والجماعات البشرية فرصاً ثمينة وتاريخية للاشتراك معاً في بناء عالم جديد وحضارة جديدة، إلا أن الصحيح أيضاً أن مواجهة سيطرة الرأسمال على مفاتيح هذه التكنولوجيا، هي معركة يجب خوضها وربحها. وهي معركة ضخمة بالفعل. إذ لكل تكنولوجيا، في تراكيبها الراهنة، دوراً محدداً تلعبه في طريقة مقاربتها لمسألة الحقيقة الموضوعية: الفضائيات تمرر مخيال الرؤية العالمية الجديدة للشركات العابرة للقوميات، والمعلوماتية هي الجهاز العصبي الذي يسهّل تركيب نظام امبراطورية العولمة التي يسيطر عليها 1 في المئة البشر(الرأسماليين)، وتسمح الاتصالات بالتحويل الفوري لرؤوس الأموال والمعلومات عن “مليارات المستهلكين. أما الهندسة الوراثية والتكنولوجيا العضوية فتستخدم حالياً لتوسيع السوق العالمي إلى مناطق جديدة عذراء هي الملاذ الأخير للكائنات الحية. هذه التكنولوجيات وغيرها تلم شملها الآن لخلق “عالم تقني” مناف للديمقراطية والتعددية الحقيقية15
هذا على الصعيد المعرفي- المجتمعي. لكن هناك أيضا مضاعفات سياسية سلبية تبدو أكثر سطوعاً بما لا يقاس. فالسياسة لا تتأثر فقط، كما المزارعين والصناعيين، بهذه الانقلابات التكنولوجية، بل هي ربما “تحتضر” بسببها.
لقد خسرت السياسة السباق مع التكنولوجيا والاقتصاد، ولم يعد أمامها الآن سوى محاولة التأقلم مع السيد التكنولوجي الجديد للعالم، عبر محاولة تطوير ما يُسمى: “التكنو – سياسة. وهذا رأي يوافق عليه الفيلسوف الفرنسي جاك اتالي، المستشار الخاص للرئيس الراحل ميتران، الذي يعتبر أن الخطر الرئيسي في عالم القرن الحادي والعشرين ،”سينبثق من التناقض بين التكنولوجيا وإقتصاد السوق، وبين السياسة والديموقراطية “.
والحال أنه يبدو واضحاً الآن في أميركا والعالم، أن التكنولوجيا والعولمة أكثر ديناميكية وسطوة بما لا يقاس من الديموقراطية، لأن ثمة قوى هائلة تدعمهما: فالسياسيون، على سبيل المثال، يحتاجون إلى جيوب الرأسماليين لتمويل حملاتهم الانتخابية، والفساد يزداد انتشاراً، والاقتصاد الإجرامي (أي اقتصاد المافيات) يتوسّع بشكل انفجاري منذ العام 1989، ودور جماعات الضغط الأثنية يشهد صعوداً هائلا. وهذه كلها مؤشرات على اضمحلال السياسة والأخلاقيات والقيم الديموقراطية.
مضاعفات هذا التطور ستكون عميقة: فالأقليات المالية القوية التي تسعى للإفادة الكاملة من اقتصاد السوق، تعمل دوماً للسيطرة التامة على الموارد والسلطات، وهي تعتبر القرارات الديموقراطية الجماعية للأغلبيات الفقيرة “أعباء لا تطاق” على حرية حركتها وأرباحها. ومع خسارة البرلمانات، وكذا السلطة القضائية، للكثير من سلطاتها لصالح المصارف والشركات الكبرى، ستصبح نخب السوق التكنولوجي أقوى بكثير من النخب الديموقراطية، وستبرز طبقة جديدة من ” البدو التكنولوجيين”، وسيسقط الأعلام التقليدي والجديد في يد الشركات متعددة الجنسيات التي ستوجّه أفكار الناس وأذواقهم نحو قيم معادية للسياسة، وللمبادئ الديموقراطية المشتقة من هذه السياسة. وهكذا، ستذوي السياسة وتندثر، وستحل مكانها ميكانيزمات السوق والفساد، وستهيمن ديكتاتورية السوق، من دون أن توازنها مؤسسات سياسية قوية.16
بيد أن هذا ليس كل شيء بالنسبة إلى المخاطر على الديمقراطية. هناك أيضاً المحاذير المتعلقة بالحريات الشخصية. فكل الأماكن العامة باتت عملياً قيد الرقابة هذه الأيام من جانب كاميرات أجهزة الأمن ووكالات التجسس. وكل تحركات المواطنين وتنقلاتهم مراقبة من قبل الأقمار الاصطناعية التي تترصد سياراتهم وهواتفهم. اعتقال المواطنين وسجنهم بدون محاكمة، يمكن أن يحدثا في أي وقت لمجرد وشاية من الجيران. التعذيب النفسي بات الوسيلة الفضلى للدولة، وبطاقات الهوية الإلكترونية أصبحت بمثابة إضبارة اتهام لكل مواطن، لأنها تتضمّن كل المعلومات والأسرار عن حياته الخاصة، وعائلته، ومعتقداته، إضافة إلى سجله الطبي والعدلي
كل هذا يبدو وكـأنه وصف لما جاء في مزرعة حيوان جورج أوريل الديكتاتورية، أو لكوريا الشمالية أو روسيا- ستالين أو كمبوديا- بول بوت. لكنه في الحقيقة صورة واقعية لما يجري الآن وتحت أعيننا مباشرة، مثلاً، في أول دولة برلمانية دستورية في العصور الحديثة (بريطانيا)، وأيضاً في أول الديموقراطيات الليبرالية في التاريخ (الولايات المتحدة). كتب سيمون جينكينز” : “الديمقراطيات الغربية تخسر الحريات الشخصية التي دفعت شعوبها ثمنها نقداً من دمائها، والتي تتطلب الأمر قروناً طويلة لتحقيقها”.
لماذا حدث هذا الإنقلاب المخيف؟
التبرير لدى أرباب إمبراطورية العولمة جاهز فوراً: حماية المواطنين الغربيين أنفسهم من الإرهاب والإرهابيين، والتطرف الديني (الإسلامي على وجه الخصوص) والمتطرفين. الإرهاب موجود بالطبع، وكذلك الحاجة إلى الوقاية منه. لكن كيف؟ ليس حتماً بالأسلوب الذي تتبعه الدول الغربية: تحويل الإرهاب من مشكلة بوليسية جرمية إلى حرب عسكرية عالمية سلاحها الاول تخويف المواطنين من عدو خفي يلاحقهم في كل مكان حتى في أسِرَّتهم. المسألة في العديد من مناحيها اختراع باختراع. والهدف كله تأسيس ديكتاتوريات خفية في الدول الديمقراطية، تكون تمهيداً لتأسيس ما هو أهم بكثير: نظام عالمي سلطوي يتحَكم بمصائر البشر، بمعرفتهم أومن دون معرفتهم، من المهد إلى اللحد.
لكي لا يبقى هذا الحديث نظرياً أو افتراضيا، هذه بعض المعطيات الخطيرة الآتية:
1- ثمة برامج عدة في الولايات المتحدة وبريطانيا يطلق عليه اسماء MKULTRA و MKDEL،
وBLUE BIRD وMONARSh تديرها كلها وكالات الاستخبارات الأميركية والبريطانية والهيئات الملحقة بهما. هذه البرامج، التي وضعت في وقت مبكر من الخمسينيات بإشراف عالم النفس الإسكوتلندي الدكتور دونالد أوين كاميرونDonald Ewen Cameron، تستهدف السيطرة على عقول البشر، وإجراء إختبارات سيكولوجية- بيولوجية في مختبرات سرية تحت الأرض عبر استخدام عقاقير LSD وتقنيات التلاعب بالعقول يطلق عليها اسم “السياقة السيكولوجية” و”تفكيك الشخصية”.
2- تجري حالياً أبحاث في مختبرات سرية أيضاً على إنتاج رقاقة إلكترونية دقيقة توضع في رأس الإنسان أو يديه، ويمكن بواسطتها التحكم بسلوكياته كما الإنسان الآلي. ويقال إن هذه التقنية التي بلغت مرحلة النضج، تتضمن بث إشارات راديو إلى أجزاء معينة من دماغ الإنسان، وتدفع المرء إلى تنفيذ توجهات إجرامية وهو يعتقد أن هذه السلوكيات من بنات أفكاره.
3- وهناك التنويم المغناطيسي الجماعي، الذي يعتمد على قصف الوعي الكامن والوعي الباطن بمعلومات متكررة عبر طريقتين: الأولى علنية، وتتمثل في التغطيات الموجًهة المعتمدة على التخويف والترهيب وغسل الأدمغة التي تبثها أجهزة الأعلام الكبرى التابعة للنخبة العالمية الحاكمة. والثانية سرية، وتتضمّن بث رسائل خفية في الأغاني والموسيقى والأفلام والإعلانات لا يستطيع البشر سماعها مباشرة، لكنها قادرة على التسرُّب إلى وعيهم الباطن.
هذه التقنيات، إضافة إلى غيرها الكثير، تستهدف جميعاً أمراً واحداً: تحويل المواطنين المعاصرين إلى بشر ذوي بعد واحد، وربطهم جميعاً في النهاية بجهاز كومبيوتر عملاق واحد قادر على التحكُّم بكل سلوكياتهم وتوجهاتهم، وحتى رغباتهم. إنه ” الأخ الأكبر- الوحش” الذي تنبأ جورج أوريل بظهوره وسيطرته على كل الجنس البشري عبر التكنولوجيا والعلم. وهذا الوحش بدأ على ما يبدو يلتهم أولى وجباته: أبناءه وبناته في أميركا وبريطانيا نفسيهما. والبقية على الطريق.
نأتي الآن الى النقطة الأخيرة من تأثيرات التكنولوجيا: المسألة الوجودية البشرية.
السؤال هنا لا يقل إثارة (وإخافة) عن الصعيدين الاقتصادي- الاجتماعي والسياسي. إذ ما هو الميزان،
ليس شيئاً آخر سوى احتمال تغيير الطبيعة البشرية نفسها عن طريقي الهندسة الجينية وتقنيات الكومبيوتر.
إنه كابوس فرانكنشتاين وقد بدأ يقترب من التحقق على أرض الواقع.
وهذا الأمر لم يعد مسألة افتراضية. فثمة العديد من الأصوات التي بدأت تلعلع في الولايات المتحدة وغيرها، مطالبة بالتدخل المباشر لـ “تسريع” تطور الانسان الى “مابعد الانسان”.
كل هذه المعطيات تعني أن التكنولوجيا هي سيف ذو حدين. فهي يمكن أن يكون نعمة كبرى كما يمكن أن ينقلب الى طامة كبرى. إنه الحلم والكابوس وقد تعايشا تحت سقف واحد. لمن ستكون اليد العليا في هذه الثنائية الملحمية؟ لندع صاحب “نهاية التاريخ” فرانسيس فوكويوما يجيب:
” لا أحد يعرف أي احتمالات تكنولوجية ستنبثق من التعديل الذاتي للجنس البشري. لكن الحركة البيئية على حق حين تعلمنا ضرورة التواضع واحترام وحدة الطبيعة. نحن في حاجة الآن الى تواضع مماثل في ما يتعلق بالطبيعة البشرية وطبيعة الحياة. وما لم نفعل، سنكون قد أفسحنا في المجال واسعاً أمام ما بعد الانسانيين لتشويه البشرية ومسخها بجرافاتهم الجينية ” .
***
مسألة الحقيقة الموضوعية، إذا، وعلى رغم الآمال الكبار التي ترسم الآن على AI كي يعرّفنا على طبقات جديدة منها، ستكون في العقود المقبلة أمام مخاطر “الاعتقال” على يد الطبقة الفائقة الرأسمالية، التي سترفض كل الخلاصات العلمية الجديدة المحتملة حول وحدة الوجود، وتكامل الطبيعة، والتعاون الكوني بدل صراع البقاء الدارويني، ووجود الجزء في الكل.
وبالتالي، ما سيكون على المحك في القرن الحادي والعشرين، لا يقل عن كونه مصير الطبيعة البشرية، لا بل مصير الجنس البشري والحياة البيولوجية برمتهما على هذا الكوكب الأزرق الصغير والنادر في الكون.

– Francis Fukuyama: Transhumanism. Foreign Policy, oct.23,200921

_________

_( *) كاتب لبناني. حاز العام 2019 على جائزة أفضل كتاب في الوطن العربي عن مؤلفه “الخروج من جهنم: وعي بيئي- كوني جديد أو الانقراض”. أحدث كتبه: “زمن الذكاء الاصطناعي: حوار ساخن بين إنسان عضوي وإنسان آلي”: مركز دراسات الوحدة العربية، 2024.
_______

زر الذهاب إلى الأعلى