وليد نويهض/ ابن خلدون وابتكار المنهج اللغوي في قراءه التاريخ العربي

[الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء]
يمكن القول إنّ عبد الرحمن بن خلدون (توفي 808هـ/1406م) كان من أوائل مَنْ أكد على أهميّة دور اللغة في صوغ شخصيّة الجماعات الأهليّة. فاللغة برأي صاحب المقدّمة هي علم و”هي عبارة المتكلّم عن مقصوده. وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام فلا بدّ أن تصير ملكة متقرّرة في العضو الفاعل لها وهو اللسان، وهو في كل أمّة بحسب اصطلاحاتهم” (ص 297).
إعتبر ابن خلدون في فلسفته الاجتماعيّة أن اللغة العربيّة (النحو والبيان والأدب) تتميّز بملكة خاصة “مثل الحركات التي تعيّن الفاعل من المفعول من المجرور، أعني المضاف، ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال أي الحركات إلى الذوات من غير تكلّف ألفاظ أخرى وليس يوجد ذلك إلّا في لغة العرب”، (ص 297).
بناء على هذا التحليل البنيوي للسان العربي (المعاني، الألفاظ، مخارج الحروف، النطق وغيرها) أسّس ابن خلدون منهجيّة لغويّة تفرز الشعوب والقبائل في سياق زمني متتابع تتعاقب عليه الأجيال في وسط بيئات جغرافيّة اجتماعيّة (…) (العصبيّات الطبيعيّة والعصبيّات الاجتماعيّة). فالفارق عنده بين البشر لا يعتمد مبدأ التمييز اللوني أو العرقي بين الناس، بل يرتكز على منهج تاريخي تعاقبي تلعب فيه اللغة (اللّسان) دورها في ترتيب طبقات الأمم وتتابعها.
اعتماداً على هذا الأساس اللغوي (اللفظي) في مسألة التخاطب بين الناس، إبتكر صاحب المقدّمة منهجيّة لسانيّة تفرز الطبقات العربيّة في اعتبار أنّ “اللغات إنّما هي ترجمان عمّا في الضمائر من تلك المعاني، يؤدّيها بعض إلى بعض بالمشافهة في المناظرة والتعليم، وممارسة البحث بالعلوم لتحصيل ملكتها بطول المران على ذلك”، (ص 296).
وبسبب تلك الألفاظ واختلافها تحصل “العجمة” لما عند المستعجّم من الفتور، لأنّ “الأعجمي المتعلم للعِلم في الملّة الإسلاميّة يأخذ العِلم بغير لسانه (…) وهذا عام في جميع أصناف أهل اللسان الأعجمي من الفرس والروم والترك والبربر والفرنج” (ص297).
{العرب برأي ابن خلدون تعاقبوا على أربع موجات زمنيّة
لعب “علم اللغة” دوره المركزي في تحديد هُويّة التتابع الزمني}
بناءً على هذه المنهجيّة اللغويّة (اللسانيّة) قسّم ابن خلدون العرب إلى طبقات في التتابع الزمني. فالطبقة الأولى من العرب “هم العرب العاربة” (ص 338)، والطبقة الثانية “هم العرب المستعربة” (ص 349)، والطبقة الثالثة “هم العرب التابعة للعرب” (ص 444)، والطبقة الرابعة هم “العرب المستعجمة” (ص 1555).
العرب برأي ابن خلدون تعاقبوا على أربع موجات زمنيّة لعب “علم اللغة” دوره المركزي في تحديد هُويّة التتابع الزمني للطبقات الأربع حتى أصاب اللغة الفساد “بملابسة العجم ومخالطتهم حتى تأدّى الفساد إلى موضوعات الألفاظ، فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضوعه عندهم ميلاً مع هجنة المتعرّبين في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية” (ص 298).
إنّ تاريخ اللغة وتطوّرها الزمني ووظيفتها العمليّة (التجريبيّة) وتشعّبها وانفتاحها على الجديد، كلّها عوامل مضافة أغنت الثقافة العربيّة وأثّرت ألفاظها ونظّمت منطوقها ومخارج حروفها وإعرابها ومفاتيح منظوماتها اللسانيّة (القوليّة) والمفهوميّة (المعرفيّة). فهذا التاريخ اللغوي يشكّل رؤية زمنيّة لقراءة تاريخ العرب السياسي وما تفرّع منه وعنه من قبائل وأنساب ومصاهرات وزواجات واتصالات وخلافات وفتوحات وتواصلات أسهمت كلّها في صناعة “الدول” والتحالفات قبل الدعوة الإسلاميّة وبعدها.
على هذا الأساس اللغوي/التاريخي قرأ ابن خلدون التعاقب الزمني للأجيال العربيّة (الدول) في سياق طبقات (محطات) أربع. فالأولى (العرب العاربة) من “أقدم الأمم من بعد قوم نوح (…) وسمّي أهل هذا الجيل العرب العاربة؛ إما بمعنى الرساخة في العروبيّة (…) أو بمعنى الفاعلة للعروبيّة والمبتدعة لها بما كانت أول أجيالها” (ص 338).
والثانية (العرب المستعربة) و”سمّي أهل هذه الطبقة بهذا الاسم لأنّ السمات والشعائر العربيّة لمّا انتقلت إليهم ممّن قبلهم، اعتبرت فيها الصيرورة، بمعنى أنهم صاروا إلى حال لم يكن عليها أهل نسبهم، وهي اللغة العربيّة التي تكلموا بها” (ص 349).
والثالثة (هم العرب التابعة للعرب) وتعتبر “هذه الأمة من العرب البادية أهل الخيام الذين لا أغلاق لهم لم يزالوا من أعظم أمم العالم وأكثر أجيال الخليقة، يكثرون الأمم تارة وينتهي إليهم العزّ والغلبة بالكثرة فيظفرون بالملك ويغلبون على الأقاليم والمدن والأمصار، ثمّ يهلكهم الترفّه والتنعّم ويغلبون عليهم ويقتلون ويرجعون إلى باديتهم” (ص 444).
{الطبقة الرابعة من العرب كانت نهاية المراحل (الأطوار الزمنيّة) برأي ابن خلدون.}
والطبقة الرابعة وهم “من العرب المستعجمة أهل الجيل الناشئ لهذا العهد من بقية أهل الدولة الإسلامية من العرب”. وهذا الجيل من العرب اندرج من “أهل الحماية في القهر واختلطوا بالهمج، ولم يراجعوا أحوال البداوة لبعدها، ولا تذكّروا عهد الأنساب لدروسها. فدثّروا وتلاشوا شأن من قبلهم وبعدهم (…) وقام بالإسلام والملّة غيرهم، وصار الملك والأمر في أيدي سواهم (…) فغلب أعاجم المشرق من الديلم والسلجوقيّة والأكراد والغزّ والترك على ملكه ودولته فلم يزل مناقلة فيهم إلى هذا العهد. وغلب أعاجم المغرب والبربر على أمره، وانقرض أكثر الشعوب الذين كان لهم الملك من هؤلاء فلم يبقَ لهم ذكر”، (ص 1555). فالطبقة الرابعة من العرب كانت نهاية المراحل (الأطوار الزمنيّة) برأي ابن خلدون. والسبب وراء هذا التحوّل مجموعة عوامل تبدأ من الانتقال من الخشونة (البداوة) إلى الدِعة والترف (الحضارة) وتنتهي باتخاذ “البطانة مقرّهم من موالي الأعاجم وصنائع الدولة (…)” (ص 1555). إلّا أن الدافع الأهم لحصول هذا الانهيار، كان ولا يزال وفق منهجيّة صاحب المقدّمة، هو “انقراض اللسان المضري ودروسه” (ص 1554).
{كانت لغة قريش أفصح اللغات العربيّة وأصرحها لبُعدهم عن بلاد العجم}
على أساس هذه المنهجيّة اللغوية – التاريخيّة كتب ابن خلدون موسوعته “العِبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر”. فالتّاريخ برأيه يتألف من عناصر مجتمعة تلعب فيها اللغة (اللسان) دورها المركزي، إلى جانب “العصبيّة والدّين” في تعزيز اللُّحمة والقوّة وشدّ الأطراف إلى الوحدة والانسجام.
بهذا المعنى يمكن القول إنّ صاحب المقدّمة هو من أوائل مَنْ ابتكر مثل هذه الآليّة في التفكير حين رتّب تاريخ العرب على أربع طبقات زمنيّاً معتمداً في ذلك على أهميّة اللغة ودورها في صنع الهُويّة وحماية الجماعات الأهليّة من الانهيار والاندثار. فاللغة برأيه “شبيهة بالصناعة” وهي “ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها (…) ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربيّة وأصرحها لبُعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم” (ص 301 وص 302).
*”ملاحظة”: اعتمد المقال طبعة “بيت الأفكار الدولية” التي اعتنى بها وراجعها أبو صهيب الكرمي، عمان والرياض، تاريخ الطبعة2019.
” وكتاب المقدّمة و”العِبر وديوان المبتدأ والخبر”
.



