الأن طاسو ناحتآ قصيدته في قلب الحجر الشعر المغامر في منعطفات الوجود.
جريدة النهار
١٦/ايار/٢٠٠٤
حنان عاد.
يلبث الشاعر ألان طاسو في مجموعته الشعرية الجديدة “نحتٌ في قلب الحجر” أميناً لمناخ الماوراء واللاآني واللاملموس. مرة جديدة، نراه حاملا النص الشعري الى مدارات السؤال والإيحاء والأستشراف، مغامراً حتى الذروة بجدليّة التناقض في مختلف أوجه الوجود ومنعطفاته، إنما مصرّاً كذلك على إمكانات تحويل أيّ سلبي الى نقيضه الإيجابي. بل أكثر، ثمة فكرة محورية تبدو ممسكة بلب معظم القصائد، وفي ضوئها يسعى الشاعر الى تطويع المضامين والخواتم بما يلائم مفاهيم الرجاء والغَلَبة والمقاومة والأمل. “رجائي” ألان طاسو بامتياز وقوة. موقن عدمية اليأس وعبثيته ونزعته الانتحارية، كأنه يرذلها، يرفضها، يمقتها. صحيح أن إيقاعات الحزن والخيبة، والبكاء أحياناً، عالية في المجموعة كما في مجموعاته الأخرى، إلا أن ثمة مقلباً آخر منيراً يوحي به كلما صعد بقتامة الصورة الشعرية الى الحدّ الأقصى. من قلب الظلمة الحالكة يبتكر خيط نورٍ، بل نافذة رحبة مضيئة.
من لجة السقوط إلى الهوة المريعة يستحضر ما يخوّل المرء همّة النموض وتخطيها نحو ارتقاء. وكم يبدو موفقاً على مدى المجموعة الجديدة في إسدال البعد الخلاصي الذي لعله يستقيه من الفكر والإيمان المسيحيين، على معظم النصوص.
يثبت طاسو أن الشاعر قادرٌ دوماً على رؤية مغايرة، مناقضة ربما أحياناً، وأنه الجريء دوماً في الإفصاح عن رؤيته هذه. لا يكتفي قط بالنظر الى الأشياء والحالات في حدودها المحسوسة والمرئية، بل يرتضي مكابدة السفر المضني إلى القابع خلفها، إلى غير المنظور في العين المجردة وما لا يمكن الوعي السطحي التقاطه وسبر أغواره وفقه أسراره. يقول: “ربما ستعلّمك ليلة/ أن تُخيط الضوء من جديد / في لغز النداءات الجارحة”.
ليلة، لفز، نداءات جارحة.
ثمة مناخ سوداوي، درامي، مقلق، موجع. يكاد المشهد يفرق في المأسوية التامة لولا اختراقه بإمكان إعادة تشكيل الضوء. ولعل طاسو قصد استخدام فعل الحياكة، أو خياطة الضوء، دلالة على صعوبة استرجاع هذا الضوء في خضم العتمة واللفز والنداءات الجارحة.
وربما تعمّد التوجّه بصيفة المخاطب “ستعلّمك” تطلعاً الى إصفاء أعمق في وجدان المتلقي.
يخاطبه مباشرة أن ثمة ضوءاً يمكن تغليبه على ظلمة وعبوس وخوف، شرط أن تُحفِّز الإرادات في هذا الاتجاه.
وجلي هنا أن خلفية هذا الخطاب التفاؤلي تنطوي أساساً على مبدأ مهم هو رفض الاستسلام. ويتابع الشاعر إمرار أمثولة الرجاء، والمواجهة أيضاً، في معظم القصائد: “أنت بعد الآن باقة، دغل / حديقة تتمرد / ثم تنهض من جديد من رمادها (…)”، “ثلجةٌ طويلةً/
ويُسدل الهواء ستائر حنانه”، “ذات يوم، حتماً، هذه الفيوم نفسها/ سترمّم الأرض”. تتمرّد، تنهض، ترمّم،
يسدل ستائر حنانه، وكلها أفعال دالّة كلياً أو نسبياً على مفهوم القيامة، بل على السعي في اتجاهها. يفلح طاسو
غالباً في نقل هذا المشهد إلى حيّز النص الشعري في الإطار المشرق والمتين والآسر سواءٌ لناحية التركيب اللغوي والتعبيري، أو لناحية المهارة في توليف الصورة الشعرية بما يبرز انتماءها الى صدقيّة التجربة وأصالة
الحس ونقائه.
وفي موازاة البُعد الرجائيّ القياميّ في المجموعة، نلمس الحضور القوي للطبيعة وكائناتها في مختلف
منعرجات القصيدة.
وهذا الحضور ليس مجرّداً وقائماً في ذاته لذاته، بل إن جومره، أي جوهر حضور الطبيعة، إنما يكمن في علاقته الوثقى والعضوية والحتميّة بالكائن الآخر، أي
الإنسان.
كأنّ طاسو يودّ إرجاع الإنسان الى مطارحه العذراء الأولى، أي الطبيعة. يناديه للعدول عن التهور في ماديته، عن الانغماس الكلي في أمجاد التكنولوجيا والمفاهيم الاستهلاكية والربحيّة والوصولية على حساب إنسانيته.
ثمة نداء مبطّن تارة، ومباشر طوراً، إلى أن يعي المرء أنه يمتلك كلّ ما يخوّله أن يكون إنسانيا في حين أنا فعل كل شيء يجعله غير إنساني. سكر تماماً بإنجازات حتى بات يظن نفسه الإله. أمسى متجبراً حتى نسي أو تجاهل خالقاً أوّلَ مطلقاً. ومن هنا، قد يكون طاسو توسّل “نداء” العودة الى الطبيعة مفتاحاً يتيح الدخول مجدداً الى عملية الخلق الأولى: “ثمة شجرة زيتون /
تهرب من كل الأنوار/ جذعُها الذي من زيت/ سيخلق الطفل من جديد”. ألا يختصر هذا المق تطف المبدأ الجوهري القائل بالتواصل المحتوم بين الطبيعة والبشر، وبينهم وبين الطبيعة؟ من مواردها المادية تبنى اجسادهم، لكن أيضاً من مواردها المعنوية والجمالية والإبداعية تُبنى أرواحهم وبها تفتبط نفوسهم. تقول جورج صاند في هذا السياق إن “الطبيعة خالدة في شبابها وجمالها وكرمها، تسكب الشعر والجمال لجميع الكائنات، وتمتلك سر السعادة الذي لم يعرف أحد أن يسلبها إياه”. ثم تردف في إشارة إلى محدودية الخلق البشري مهما عظم: “الطبيعة تحفةً فنية، لكنّ الله هو الفنان الأوحد الموجود، والإنسان ليس سوى منّسق سيء الذوق”.
“نحت في قلب الحجر” مجموعة جديدة لألان طاسو تعزّز حضوره شاعراً ذا صوت وإيقاع خاصّين. وقبيل عدور هذه المجموعة صدرت له عن “دار النهار”
“مصابيح الزبد” التي تضمّ ترجمات (من الفرنسية الى العربية) لخمس من مجموعاته الشعرية، ونقلت هذه الترجمة ما تنضح به قصيدة طاسو من نكهة مشرقية في الشعر الفرنسي المعاصر، على قول الشاعر محمد علي
شمس الدين.
ورسوم للشاعر ترافق نصّه الشعري وتشهد لما قد يكون تكاملا مطلقاً يعلّق الوجود بين مشهدية القصيدة وشعرية اللوحة


