النسخ من الذكاء الاصطناعي وآثاره على مهارات التعلم والتفكير والكتابة

يؤدي الاعتماد الكلي على خدمات الذكاء الاصطناعي مثل( ChatGPT) في ميادين البحث العلمي والدراسة والأدب والصحافة، إلى ضعف مهارات الشرائح ذات الاهتمام، في اكتساب قواعد العلم الأكاديمي وكتابة الروايات والمقالات؛ كما ويؤدي إلى نشوء آثار سلبية عميقة تطاول جودة المحتوى، والقدرات الذهنية للمستخدمين، والأخلاقيات المهنية والأكاديمية بصفة خاصّة.
ويمكن القول إنّ الاعتماد على الآلة في توليد الأفكار وصياغة الجمل، يؤدي إلى انكماش مهارات التفكير النقدي، وتراجُع قدرة الطالب على التحليل والنقد والابتكار، ممّا يجعله مجرد ناقل وناسخ للمادة، بدلاً من أن يكون هو الكاتب والباحث.
ويُحذِّرُنا تطبيق الذكاء الاصطناعي عينه، من ” ظهور ما يشبه الهلوسة والمعلومات المغلوطة، إذ ينتج الذكاء الاصطناعي أحياناً نماذج عن معلومات كاذبة ومراجع وهمية، أو استنتاجات غير دقيقة تبدو للوهلة الأولى مقنعة جداً، ممّا يضرّ بمصداقية البحث العلمي”.
إلى ذلك يُقبِلُ الناسخ من التطبيق، على انتهاك الأمانة العلمية، حيث يقدّم بحوثًا مكتوبة بالذكاء الاصطناعي، على أنها مجهود شخصي. وهذا الأمر يعد تزييفا للحقيقة، ويجعل من الذين يعتمدون عليه مشروع مهنيّين فاشلين ليس لديهم خلفية ثقافية وعلمية خاصة بطاقتهم الفكرية.
ومن خلال هذا الانتهاك للأمانة العلمية والمهنية أيضا، يتراكم خلل كبير في مسيرة المعتمدين على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لإنجاز متطلبات الدراسة والكتابة عنهم، إذ يؤدي هذا الخلل إلى تراجع القدرات اللغوية والمعرفية للطالب أوالكاتب، وإلى ازدياد نسبة التكاسل عن الكتابة والقراءة، وتقهْقُرالقدرة على صياغة الأفكار والنصوص بأسلوب خاصّ.
الآثار السلبية على الصحفيين والمقالات الصحفية:
لا شك في أنّ نشر أخبار مغلوطة ناتجة عن “هلوسة الآلة” يسيئ إلى سمعة الصحافي والمؤسسة الإعلامية ، ويساهم في نشر الشائعات هذا ناهيكم عن افتقار المقالات المستولدة آليّاً إلى السياق الثقافي، والتعاطف الإنساني، والتحليل العميق للمواقف المعقدة، مما ينتج محتوى نمطيّاً وسطحيّاً.
{إثبات أن المقالات الصحفية منسوخة من الذكاء الاصطناعي يتطلب الجمع بين الفحص البصري والتحليل التقني}
ثم إنّ للاعتماد الكليّ والنّسْخيّ على تطبيقات الذكاء الاصطناعي آثارًا مشتركة وعامّة تظهر في ميادين الدراسة والصحافة والكتابة، نذكر منها:
1-الكسل الفكري: فالاعتماد على الحلول السريعة يقلّل من الجهد المطلوب للبحث والتحقق.
2-العزلة الإبداعية: تقليل التفاعل البشري المباشر والإرشاد الشّخصي، ممّا يُضعف من جودة العمل وشرارة الانتاج.
3-ذهاب الأمانة العلمية: يهدّد نزاهة الأبحاث الأكاديمية للطلاب.
4-فقدان الثقة بالصحافة: يهدّد مصداقية المؤسسات الإعلامية أمام الجمهور.
5- التنميط والتحيز: يُعيد إنتاج أفكار متحيِّزة أحياناً.
كيف يمكن اثبات النّسخ من الذكاء الاصطناعي:
إثبات أن المقالات الصحفية، على سبيل المثال، منسوخة من الذكاء الاصطناعي يتطلب الجمع بين الفحص البصري والتحليل التقني، حيث لا يمكن الاعتماد على أداة واحدة بشكل قطعي.
من هنا فالمطلوب من غرف الأخبار والمؤسسات الإعلامية، اعتماد المعايير والخطوات التالية لإثبات ذلك:
1- فحص اللغة والاسلوب:
يمكن لجهاز التحرير الإعلامي، أو لأساتذة الجامعات والمدارس، أو لدور النشر، التمييز بين الكتابة الشخصية، والكتابة الآلية، فالبشر يكتبون جملاً متفاوتة الطول (قصيرة جداً أحياناً وطويلة أحياناً)، بينما يميل الذكاء الاصطناعي إلى كتابة جمل متقاربة الطول وذات إيقاع رتيب. هذا عدا عن خُلوّ المقالة أو البحث أو العمل الأدبي تماماً من الرأي النقديّ، العاطفة، أو الأسلوب الأدبيّ المميَّز الذي يُعرَف به كاتبُ المادّة.
2-الفحص عبر التطبيقات:
يتم إدخال النص في برمجيات تعتمد على قياس درجتي القدرة على التنبؤ بالكلمات (Perplexity) وتنوع إيقاع الجمل (Burstiness)، ومن أبرزها:
أداة قوية ومحدثة لرصد المحتوى المولد بأحدث نماذج الذكاء الاصطناعي: Copyleaks
أداة شهيرة تُستخدم في غرف الأخبار لتقييم احتمالية كتابة النص بواسطة الآلة: GPTZero
أداة دقيقة شائعة الاستخدام في فحص جودة المقالات المخصصة للنشر Originality.ai:
غير أنّ أدوات الكشف الرقمية تعطي “نسبة احتمالية” وليست دليلاً قاطعاً بنسبة 100%؛ لذا فإن الربط بين تقرير الأداة وفشل الكاتب في إثبات مصادره ومقابلاته الحية هو ما يحسم الإدانة مهنياً.
في الختام ينبغي التعامل مع الذكاء الاصطناعي كـ “مساعد” لزيادة الكفاءة وليس “كبديل” للعقل البشري، مع ضرورة المراجعة الدقيقة والتحقق من كافة المعلومات في كل ميادين العلم و البحث والكتابة بجميع أنماطها.



