غسان مراد/ قراءة الأفكار آليّاً: هل ستبقى أفكارنا ملكنا في عصر تُقرأ فيه العقول؟

لطالما كانت قراءة الأفكار حكراً على الخيال العلمي والأفلام، بيد أن التطورات الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي وواجهات الدماغ-الحاسوب (BCIs) جعلت صُنّاع التقنية يعتقدون أن هذا الحلم يقترب من الواقع. فما الذي تحقق فعلياً حتى الآن؟ وما هي التحديات التي تواجه هذه التقنية؟ تخيّل لو تمكّن مستخدم واتساب من إرسال رسالة بمجرد التفكير فيها، أو كتابة مقال دون الحاجة للمس لوحة المفاتيح. يبدو هذا المشهد وكأنه مقتبس من فيلم خيال علمي، لكن المثير للدهشة هو أن مختبرات ومراكز أبحاث وشركات كبرى مثل ميتا (Meta) ونيورالينك (Neuralink) تعمل على أنظمة قادرة على تحويل إشارات الدماغ إلى كلمات أو حتى صور، بهدف تحقيق هذا الحلم (أو الكابوس) الذي يزداد اقتراباً مع كل تجربة ناجحة.
{أعلنت شركة ميتا (Meta) أنها نجحت في بناء جمل من إشارات الدماغ بدقة بلغت 80%}
كيف يمكن “قراءة الأفكار”؟
قراءة الأفكار لا تعني الدخول المباشر إلى العقل وقراءة المعاني، بل تعتمد على فكّ تشفير الإشارات العصبية الناتجة عن نشاط الدماغ. وتستند الجهود البحثية في هذا المجال إلى مسارين رئيسيين. المسار الأول هو غير الجِراحي، ويتم باستخدام أجهزة مثل التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG)، وتخطيط الدماغ المغناطيسي (MEG)، والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ (fMRI). تقوم هذه الأجهزة بالتقاط التغيرات الكهربائية أو المغناطيسية الناتجة عن نشاط الخلايا العصبية، ثم يجري تغذية نماذج الذكاء الإصطناعي بهذه البيانات (غالبًا شبكات عصبية عميقة أو خوارزميات المحوّلات)، لتوقُّع الكلمات أو الصور التي يفكر بها الشخص. وقد أعلنت شركة ميتا (Meta) أنها نجحت في بناء جمل من إشارات الدماغ بدقة بلغت 80% باستخدام تخطيط الدماغ المغناطيسي والتخطيط الكهربائي للدماغ. كما أن شركة نيورأكسس (NeuroXess) الصينية، قد استخدمت تقنيات التخطيط الكهربي للقشرة الدماغية (ECoG) مع شبكة عصبية لفكّ الكلام في أقل من 60 ميلي ثانية بدقة وصلت إلى 71%. من ناحيته، نجح فريق في جامعة ستانفورد في تحويل أفكار مريض مشلول إلى نصوص بدقة بلغت 74%.
أمّا الثاني، فهو المسار الجراحي، الذي يعتمد على زرع أقطاب دقيقة في القشرة الدماغية، وهذا يسمح بالتقاط الإشارات بدقة أعلى لقرب المستشعرات من مناطق النشاط العصبي. ولكن هذا المسار يتطلب تكلفة عالية ومخاطر، ويستلزم كوادر طبية وتجهيزات متطورة. وقد سمحت هذه المقاربة لمرضى فقدوا القدرة على الكلام، تحويل أفكارهم إلى نصوص بسرعة شبه فورية، ممّا يوفّر لهم قناة تواصل بديلة تعيد لهم شيئاً من الاستقلالية المفقودة.
{ يُربَط كل مقطع من الإشارات بالنص أو الصوت المقابل له، لتكوين أزواج، أي إشارات}
أمّا مراحل إنشاء نموذج تقني للغة العصبية، فهي تبدأ أولاً بجمع البيانات، إذ يُطلَب من المشاركين الاستماع إلى نصوص، أو التفكير في كلمات محددة، أو محاولة الكلام، ثم يجري تسجيل إشارات الدماغ المتزامنة مع تلك المهام بعناية، سواء عبر أجهزة غير جراحية توضع على الرأس أو عبر أقطاب مزروعة جراحيًا. ثانياً، يتم ما يسمى بالمعالجة المسبقة، فنظرًا لأنّ الإشارات الأوليّة مشوّشة بالضجّة، تُجرى عملية تنقية عبر تصفية تردُّدية، ثم تقسم الاشارات إلى نوافذ زمنية، وتُحوَّل إلى تمثيلات طيفيّة (الطيف يمثل كيف تتوزع المكونات عبر نطاق معين)، مع استخراج ميزات دالة مثل نطاق جاما العالي (70–150 هرتز) المرتبط بالأنشطة اللغوية والحركية الدقيقة. بعد ذلك، يتم بناء مجموعة البيانات، إذ يُربَط كل مقطع من الإشارات بالنص أو الصوت المقابل له، لتكوين أزواج، أي إشارات –كلمات و/أو جُمل، تُستخدم في التدريب. وفي مرحلة تدريب النماذج، تُستخدم خورزميات التعلم العميق، مثل الشبكة العصبية الالتفافية لالتقاط الأنماط المكانية في الخرائط الطيفية، والشبكة العصبية المتكررة لمعالجة البعد الزمني، والمُحوّلات لفهم السياق الطويل وتحسين الدقة. جميعها تهدف إلى تعلم العلاقة الإحصائية بين البصمات العصبية وبُنى اللغة المكتوبة أو المنطوقة. وكما في كل مرحلة بناء لنماذج وتطبيقات معلوماتية، تخضع هذه التطبيقات إلى مرحلة التقييم والتحسين، وهذا يكون من خلال اختبار للنماذج على بيانات لم تُستخدم سابقًا في التدريب، ويقاس أداؤها باستخدام معايير تحدّد معدل الخطأ والصواب في الكلمات، ثم حسب النتائج يجري تحسين النموذج عبر توسيع البيانات وتنويعها، وضبط الخوارزمية المعتمدة. في نهاية المطاف تأتي عملية التكيّف مع الأفراد، نظراً لاختلافات أدمغة البشر، تخصص النماذج حسب كل مستخدم عبر إعادة تدريب جزئي لافكارة أو من خلال تصميم خوارزميات قادرة على التعميم ثم الضبط الدقيق لكل فرد.
{أصبحت واجهات الدماغ-الحاسوب وسيلة لإعادة التواصل لمرضى السكتات الدماغية أو الأمراض العصبية}
فما الذي تحقق فعلياً؟ حتى الآن، تمكن الباحثون من إعادة بناء جمل قصيرة أو كلمات من إشارات الدماغ بدرجات متفاوتة من الدقة والقيود. كما نجحت التجارب في إعادة بناء صور تقريبية لما يراه الشخص عبر تحليل نشاط المناطق البصرية في الدماغ، لكن هذه الصور كانت أقرب إلى الانطباعات الضبابية منها إلى الصور الفوتوغرافية الواضحة.
والسؤال المطروح كيف ستستفيد المجالات المتعددة من هذه التطورات في قراءة الأفكار؟ لناحية التطبيقات الطبية، يُعدّ الطبّ حالياً أكثر المجالات استفادة منها، خاصةً في حالات الشلل وفقدان النطق. فقد أصبحت واجهات الدماغ-الحاسوب وسيلة لإعادة التواصل لمرضى السكتات الدماغية أو الأمراض العصبية كالضمور العضلي الجانبي (ALS)، حيث يمكنهم تحويل أفكارهم إلى نصوص أو أوامر للتحكم في أجهزة مساعدة (كراسي متحركة، محوّلات كلام، واجهات ذكية). كما تُستخدم هذه التقنية في إعادة التأهيل العصبي عبر تدريب الدماغ بعد الإصابات وتحفيز مناطق محددة لتحسين التعافي. ومع تطور الدقة والسرعة، من المحتمل أن تصبح جزءاً أساسياً من بروتوكولات العلاج في المستشفيات ومراكز التأهيل.
أمّا التطبيقات التعليمية، فهي ستتيح قياس مستويات التركيز وفهم المفاهيم الصعبة بشكل فوري، ويساعد ذلك في تقديم ملاحظات سريعة وتعديل المحتوى، بما يناسب حالة المتعلم. كما أنها مفيدة لذوي الاحتياجات الخاصة لتجاوز القيود الجسدية واللغوية، وتمكين بيئات تعليمية افتراضية تتفاعل مباشرة مع التفكير، الأمر الذي قد يغيّر نموذج التعليم التقليدي جذريًا.
بالنسبة للتطبيقات الإعلامية، هذه التقنيات تتيح اقتراح محتوى بناءً على الحالة الذهنية للمستخدم قبل إنتاجه، وصناعة بثّ مباشر يتفاعل مع الجمهور المشارك عبر أفكارهم، وقياس الاستجابات العصبية للإعلانات والبرامج، بهدف تصميم حملات أكثر دقة ومحتوى مخصص. ومع ذلك، يثير هذا الأمر مخاوف عميقة بشأن الخصوصية، وإمكانية التلاعب النفسي، والاستغلال التجاري للبيانات العصبية.
لناحية التطبيقات الفنية، فقد يصبح الدماغ أداة مباشرة للإبداع، حيث يتيح تحويل الأفكار إلى لوحات رقمية أو مقطوعات موسيقية دون الحاجة إلى أدوات تقليدية، وإبداع مجسمات ثلاثية الأبعاد بمجرد التخيل، وتصميم تجارب فنية غامرة تتفاعل مع الحالة الذهنية للمشاهد في الوقت الفعلي. يثير هذا الباب تساؤلات حول الملكية الفكرية للأعمال الناتجة عن إشارات الدماغ وحدود التمييز بين الإبداع البشري والتقنيات المساعدة.
{يمكن مشاركة الأفكار مباشرة دون الحاجة إلى الكتابة أو الكلام، وإقامة لقاءات افتراضية}
ولجهة التطبيقات الرياضية، ففي التدريب عالي الأداء، يمكن تحليل مستويات التركيز والتوتر وعمليات اتخاذ القرار، بشكل فوري، لتصميم برامج تدريبية دقيقة، وتطبيق ذلك في الرياضات الذهنية كالشطرنج والألعاب الإلكترونية. كما تساهم هذه التقنية في إعادة التأهيل الرياضي بعد الإصابات من خلال تحفيز الدوائر الحركية والتحكم في الأجهزة العلاجية. ومن المحتمل ظهور رياضات مستقبلية تعتمد بالكامل على التحكم العقلي في الأدوات.
ولناحية التطبيقات الاجتماعية، يمكن مشاركة الأفكار مباشرة دون الحاجة إلى الكتابة أو الكلام، وإقامة لقاءات افتراضية تُعبر فيها الواجهات العصبية عن المشاعر والنوايا لحظيًا، مما قد يعزّز التفاهم بين الثقافات واللغات المختلفة. في المقابل، يهدد الانفتاح المفرط للذهن المساس بالحدود الشخصية والهوية، وقد يؤدي إلى ظهور أشكال جديدة من الضغط الاجتماعي والتلاعب بالافراد، مما يستلزم وضع أطر أخلاقية صارمة.
عسكرياً، فإن التطبيقات العسكرية هي من أكثر القضايا إثارة للجدل التي تتيح التحكم العصبي في الطائرات المسيّرة أو الروبوتات القتالية بمجرد التفكير بها، أو محاولة استخراج معلومات من الأسرى بوسائل غير تقليدية. رغم أن هذه السيناريوهات لا تزال في مراحلها الأولى، فإنها تفتح الباب أمام انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وعسكرة للوعي البشري ذاته. ولهذا، تتعالى الدعوات لوضع قيود دولية صارمة تمنع الاستخدامات القسرية والعسكرية لهذه التقنيات.
أمّا التطبيقات القانونية، فقد تُستخدم هذه التقنيات في التحقيقات الجنائية للتحقق من صدق الشهادات أو استجلاء النوايا، لكن هذا يثير تساؤلات جدية حول شرعية الأدلة العصبية وحدود التدخل في الخصوصية الذهنية. فمن يتحمل المسؤولية إذا أخطأ النظام؟ وكيف نضمن الحصول على موافقة مستنيرة وحماية حرية الفكر؟ إن وضع إطار قانوني محكم ليس ترفًا، بل ضرورة لضمان بقاء هذه الابتكارات في خدمة العدالة لا أداة ضدها.
لا تخلو هذه االتطبيقات من تحديات مهمة على الاصعدة كافة، أبرزها التحديات التقنية المتعلقة بالدقة والثبات، إذ لا تزال معدلات الخطأ مرتفعة عندما تكون الأفكار معقدة أو خارج نطاق مفردات التدريب المتاحة للنموذج. كما أنّ هذه الأنظمة غير الجراحية أقل دقة وحساسة للضجة البيئية (مثل حركة العضلات أو العيون)، في حين أن الأنظمة الجراحية تتميز بالدقة لكنها باهظة التكلفة، ومحفوفة بالمخاطر، وتتطلب إشرافًا مستمرًا. لناحية المستخدم يوجد عقبة قابلية هذه الأنظمة للتعميم، لأنه سيكون من الصعب نقل نموذج مُدرَّب من شخص إلى آخر دون إعادة ضبط دقيق، مما يزيد من تكلفة التخصيص والوقت اللازمين لذلك.
كما في مجمل التطبيقات الذكية التي تتعلق بالدماغ البشري وبالذكاء الاصطناعي، فإن التحديات الأخلاقية حاضرة باستمرار، أبرزها الخصوصية الذهنية. فإذا أصبحت الأفكار قابلة للقراءة، كيف يمكن حماية حرية العقل من المراقبة أو الاستغلال؟ وماذا عن الاستخدامات الاجبارية، وخاصة الخوف من استخدام هذه التقنية في التحقيقات، أو الحروب، أو للتأثير في الإعلانات والسياسة (التلاعب النفسي). وماذا عن فهم المستخدم للتبعات المترتبة على مشاركة بيانات أدمغتهم؟ واخيراً ألن نصل إلى فجوة جديدة تضاف إلى الفجوات المتعددة المستجدة والتي تتعلق بالعدالة والإنصاف الرقمي، فهل سيتمكن الجميع من الوصول إلى هذه التقنيات، أم سيستخدمها فقط الأفراد الميسورون ماديًا؟
بصورة عامة عندما تصبح هذه التقنية متاحة، إذا ما أصبحت!، ستكون حتماً بحاجة إلى معالجة هذه التحديات، ووضع لوائح قانونية وأخلاقية صارمة، وتحديد معايير واضحة للمساءلة وحوكمة البيانات.
{تعتبر تقنية قراءة الأفكار في حالة تأرجح بين الوعود والمخاطر }
استطراداً، ما هو مستقبل هذه التقنيات؟ من المتوقع أن نشهد طفرة نوعية خلال العقدين القادمين، مدفوعةً بالتقدم في الذكاء الاصطناعي، وتحسين أجهزة الاستشعار العصبية، وربما دعم إضافي من الحوسبة الكمومية التي ما زالت ذات تكلفة مادية وتقنية عالية. بعد ذلك، من الممكن أن تنتشر هذه التطبيقات لتشمل المجالات كافة. ولكن في ذات الوقت سيقاس مدى نجاحها بمدى قدرة البشر على ترسيخ حوكمة تحمي الخصوصية والعدالة، وتمنع سيطرة الجهات الأقوى على الوعي البشري. إن مستقبل البشرية مهما كانت التقنية المستجدة والناشئة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرتنا على إيجاد توازن بين الابتكار وحماية حرية الإنسان الفكرية.
في الختام، تعتبر تقنية قراءة الأفكار في حالة تأرجح بين الوعود والمخاطر. فمن ناحية تملك قدرات ستؤدي إلى تعريف جديد لآليات التواصل البشري، كما تملك قدرات يتيح التواصل لذوي الاحتياجات الخاصة، وهذا جيد ومفيد. ولكنها، في الوقت عينه تثير العديد من التساؤلات حول الفرد، وحرية فكره وتفكيره، وإنكشاف هويته، والعدالة الاجتماعية الناجمة عنها. إن التخوف المستجد من هذه التقنيات لن يتعلق بمدى قدرتنا على سن قوانين وتشريعات وأطر أخلاقية تحمي البشر، بل بقدر ما يتعلق ذلك بفقدان البشر لآخر معاقله الذاتية التي تحدد إنسانيته، أي العقل وحرية العقل. فهل ستبقى أفكارنا ملكنا في عصر تُقرأ فيه العقول؟



