سليدرندوات ومقالات

وليد الخالدي/ مؤرّخ القضية الفلسطينية وذاكرة فلسطين الحيّة

 في مسار القضية الفلسطينية، برزت أسماء كثيرة في السياسة والنضال، لكن قلّة منهم حملت عبء التوثيق والتأريخ كما فعل وليد الخالدي. لم يكن مجرد كاتب سياسي، بل كان مؤرخًا استثنائيًا كرّس حياته لحفظ الذاكرة الفلسطينية من الضياع، في زمن كان فيه الصراع على الأرض لا ينفصل عن الصراع على الرواية.

وُلد وليد الخالدي عام 1925، وعاش تحوّلات كبرى شكّلت وعيه الفكري والوطني، من الانتداب البريطاني إلى النكبة وما تلاها من أحداث مفصلية. هذه التجارب لم تدفعه فقط إلى تصدير الموقف السياسي، بل إلى العمل الأكاديمي العميق، حيث أدرك أن توثيق التاريخ هو شكل من أشكال المقاومة.
تميّز الخالدي بأسلوب علميّ رصين، جمع بين الدقّة الأكاديميّة والوضوح في الطرح. لم يكتب بدافع الانفعال، بل اعتمد على الوثائق والأرشيفات والشهادات، ليقدّم سرديّة متماسكة جعلته ينجح إلى حد كبير في توضيح القضية الفلسطينية للغرب وشرح جذور الصراع العربي–الإسرائيلي، لكنّ النجاح كان نسبيًّا ومعقّدًا بسبب طبيعة الموضوع والبيئة السياسيّة العالميّة. ويمكن القول إنّ نجاح الخالدي اعتمد عواملَ عدّة هي:
1 التوثيق العلمي:
اعتمد على الوثائق الأصلية، الخرائط، الإحصاءات، والشهادات. قدّم للباحثين الغربيين دليلًا علميًا غير قابل للجدل حول ما حدث قبل النكبة وبعدها. وقد ساعد هذا الامر الأكاديميّين على فهم التّاريخ الفلسطيني من منظور فلسطينيّ موثَّق.
2 الكتب المرجعيّة
أصبحت مؤلفاته مثل:
All That Remains القرى الفلسطينية المدمرة؛
Before Their Diaspora تاريخ المجتمع الفلسطينيّ قبل النكبة؛
مصادر أساسية في الجامعات الغربية، واستُخدِمت في مناهج الدراسات الشرق أوسطية.
3 التدريس في جامعات كبرى
أكاديميًّا، وصل إلى التدريس في جامعات:
-أكسفورد
-هارفارد
-برينستون
حيث كان يلقي محاضرات ودروسًا أكاديمية عن فلسطين من منظور علميّ مُحايد تقريبًا، معتمِد على مصادر مُوَثّقة.
4 الأسلوب الموضوعي
لم يكتب د. وليد الخالدي أعماله من منطلق أنّه ناشط سياسي فقط، بل عمل كمؤرخ بعيدًا عن الشعاراتيّة، حيث ركّز على الأدلّة والحقائق قبل التّفسير السّياسي، الأمر الذي مكّن النّاس من فهم القضيّة بعمق، وجعَلَهُ مقبولًا في الوسط الأكاديميّ الغربيّ.
5 التحدّيات والحدود
رغم نجاحه في الوسط الأكاديمي، فالمؤسسات السياسيّة والإعلاميّة الغربيّة، لم تتبنّ دائمًا روايته بالكامل. إذْ إنّ الروايات الرسميّة والإعلامية غالبًا ما كانت منحازة أو متأثرة بمصالح الدول، فكان تأثيره محدودًا على الرأي العام ، لكنّه كان أقوى داخل الجامعات ومراكز الدِّراسات.

{كان الخالدي سفيرًا للذاكرة الفلسطينية في الجامعات العالمية قدّم رؤية أكاديمية دقيقة للقضية الفلسطينية}

لقد تمكّن الخالدي من توضيح تاريخ فلسطين وأصول الصراع العربي–الإسرائيلي للغرب، لكنّه لم يكن قادرًا على تغيير السياسات الغربيّة أو الرِّوايات الإعلاميّة الكبرى.
من هنا فإنّ نجاحه كان أكاديميًّا ومعرفيًّا، ممّا جعل أجيالًا من الباحثين الغربيّين يتعاملون مع القضية الفلسطينيّة على أساس علميّ وموثّق. فكان تأثيره في السياسة والإعلام محدودًا، لكنّه مهّد الطريق للوعي لاحقًا.
ويمكن القول إنّ وليد الخالدي لم يكن مجرد مُدرِّس، بل كان سفيرًا للذاكرة الفلسطينية في الجامعات العالميّة، حيث قدّم رؤية أكاديمية دقيقة للقضية الفلسطينية، وأثَّرَ في جيل كامل من الباحثين والأكاديميّين الغربيّين حول فهم التاريخ الفلسطيني من منظوره الخاص. لا سيّما وأنّه درّسَ في جامعة أكسفورد ببريطانيا، وعمل محاضرًا في كليّة الدراسات الشرقية والإفريقية ، (Faculty of Oriental Studies) ولكن سرعان ما ترك منصبه في الجامعة في منتصف الخمسينات احتجاجًا على السياسة البريطانية في الشرق الأوسط (أزمة قناة السويس) الأمر الذي عَكَسَ موقفه الفكري وانتماءاته السياسيّة داخل المؤسسة الأكاديميّة الأوروبيّة.
بعد تلك المحطة من حياته، عمل الخالدي أستاذًا في قسم الدراسات السياسية والإدارة العامة في الجامعة الأميركية في بيروت، لمدّة لا تقل عن 25 عامًا حتى العام 1982. حيث قدّم مقرّرات في السياسة والتاريخ وحركات التحرّر الوطني. والكثير من طلابه في بيروت أصبحوا لاحقًا قيادات فكرية وسياسية في العالم العربي.

{ساهم في نشر المعرفة الفلسطينية بين طلاب الدراسات الدولية والسياسية في أميركا في جامعة هارفارد}

بعد بيروت، انتقل للعمل كباحث مشارك في مركز دراسات الشرق الأوسط (Center for Middle Eastern Studies). وقدّم هناك محاضرات وورش عمل بحثية حول القضية الفلسطينية وعلاقات الشرق الأوسط الدولية. وعمل أستاذا مشاركا في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأميركية، وقد أكسبه هذا الموقع حضورًا واسعًا في الوسط الأكاديمي الأميركي.
كما عمل الخالدي كأكاديميّ زائر في جامعة برينستون الأميركية وألقى محاضرات عن التاريخ والسياسة الفلسطينية. وقد أسهمت مشاركاته هذه في نشر المعرفة الفلسطينيّة بين طلاب الدراسات الدوليّة والسياسيّة في أميركا.
لا شكّ في أنّ منهجية محاضراته الأكاديمية ودوره في الجامعات الغربية، كان لهما نتائج مهمة نذكر منها:
1 -ترسيخ المنهج التاريخي العلمي:
ففي جامعات مثل هارفارد وبرينستون لم يكن مجرد مُدرِّس خبرة، بل مؤسسًا لمنهج أكاديمي واضح. كان يأخذ القضية الفلسطينية كمادّة دراسية تُدرَّس بوضوح دون تهوين أو تزييف، بالاعتماد على الوثائق والأرشيف.
2 -جسر بين الشرق والغرب:
من خلال قيامه بالتدريس في الغرب (أكسفورد، هارفارد، برينستون) استطاع أن يقدم منظورًا فلسطينيًا مختلفًا عن الرواية السائدة، وأن يفتح أبواب البحث عن فلسطين داخل المنظومات الأكاديمية العالمية، وهذا بدوره ولّدَ جيلًا من الباحثين الغربيّين الذين أخذوا القضية على محمل الجدّ.
3 -تأثيره على طلاب السياسة والشرق الأوسط:
لم يتلقَّ طلاّب السياسة الدولية والتاريخ في تلك الجامعات منه، مجرد مادّة دراسيّة، بل نظرة نقدية للروايات التاريخية والسياسية، تعد من أهم إسهاماته في الوسط الأكاديمي العالمي.

{أسهم في تشكيل أجيال من الباحثين الغربيين الذين يتعاملون مع فلسطين كموضوع دراسة محايد وموثّق}

ويمكن القول إن تأثير وليد الخالدي في الجامعات الأجنبية الكبرى تمثَّلَ في:تدريسه في أكسفورد والجامعة الأميركية في بيروت وهارفارد وبرينستون؛ وفي نشر الرؤية الفلسطينية الأكاديمية القائمة على البحث العلمي، وفي مدّ جسور فكرية بين الشرق والغرب، وفي تشكيل أجيال من الباحثين الغربيين الذين يتعاملون مع فلسطين كموضوع دراسة محايد وموثّق.
بالمقابل، لا تقل كتبه أهمية عن المحاضرات والدروس، حيث تُعَدُّ هذه الكتب مراجع أساسية في الدراسات الفلسطينية والتاريخ الحديث للصراع، نذكر منها:
From Haven to Conquest: Readings in Zionism and the Palestine Problem until 1948
مجموعة قراءات وتحليل تاريخي لفكر الحركة الصهيونية ومسألة فلسطين حتى عام 1948.
Institute for Palestine Studies
Before Their Diaspora: A Photographic History of the Palestinians, 1876–1948
تاريخ مصوّر لحياة الفلسطينيين قبل النكبة، يجمع بين الصورة والنص التاريخي.
All That Remains: The Palestinian Villages Occupied and Depopulated by Israel in 1948
موسوعة عن القرى الفلسطينية التي دُمرت أو تهجّرت في عام 1948، وهي من أهم المؤلفات الأكاديمية حول النكبة.
Palestine Reborn
يغطي المسار السياسي والدبلوماسي للقضية الفلسطينية بعد النكبة.
Conflict and Violence in Lebanon: Confrontation in the Middle East
دراسة موضوعية عن الصراع في لبنان وعلاقته بالصراع الإقليمي.
كتب أخرى مصنفة كأبحاث أو دراسات مثل:
The Ownership of the U.S. Embassy Site in Jerusalem
أعمال موسّعة عن الوضع الدولي والسياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.
وتجدر الإشارة أخيرًا، إلى الكتاب الذي نشره “النادي الثقافي العربي” في بيروت بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية سنة 2009 تحت عنوان” فلسطين وصراعنا مع الصهيونية وإسرائيل” وهو كناية عن مجموعة مقالات ومحاضرات للراحل وليد الخالدي، ينحصر تاريخها من العام 1957 إلى العام 2009. ومن بين الدراسات المنشورة في هذا الكتاب،
دراسة وضعها الخالدي في العام 1964 تحت عنوان “قضية فلسطين في وضعها الراهن” ومما جاء فيها:” إستراتيجية إسرائيل كانت دوما ولا تزال مبنية على تجميع كافة العوامل التي يمكن استغلالها وتركيزها ومن ثم استخراج المنفعة منها مجتمعة بحيث لا تهدر فائدة عامل من العوامل على انفراد بل تتكامل المنفعة وتزيد من تغذية العوامل بعضها لبعض، وأدركت الصهيونية أول ما أدركت الارتباط العضوي بين الوسيلة العسكرية والوسيلة غير العسكرية وضعف الواحدة منهما مستقلة عن الأخرى، فأحكمت الربط بينهما وجاءت مبادرتها من حيث اختيار الزمان والمكان ونوعية العمل وهدفه، تعكس مرارا وتكرارا إدراكها العميق لهذه الحقيقة ومرونتها في تطبيقها عمليا.

{القضية الفلسطينية خرجت من ثنائية بين يهود فلسطين وشعب فلسطين العربي، إلى ثنائية بين إسرائيل وحلفائها والعرب جميعا}

هذه أبعاد الخطر الصهيوني الحقيقية في فلسطين، وهي تدل دلالة واضحة إلى أن القضية الفلسطينية خرجت من ثنائية بين يهود فلسطين وشعب فلسطين العربي، إلى ثنائية بين إسرائيل وحلفائها من جهة، والعرب جميعا ومجمل قواهم الذاتية والحليفة من جهة أخرى”.

زر الذهاب إلى الأعلى