علوم وتكنولوجيا

عبد الرحمن أياس/الفن في زمن الخوارزميات كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي علاقة الفنان بعمله وبالجمهور؟

مع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي القادر على إنتاج الصور والرسوم والنصوص خلال ثوانٍ، يتزايد القلق في أوساط الفنانين من أن تتحول مهنتهم إلى نشاط مهمّش في اقتصاد الثقافة الجديد. لكن النقاش لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل أيضاً بسؤال أعمق: ما معنى أن يكون الإنسان فنّاناً في زمن الخوارزميات؟ رسالة مؤثرة نشرَتها صحيفة “الغارديان” لفنّان شاب تشكّل مدخلاً إلى هذا الجدل، إذ عبّر فيها عن شعور متنامٍ لدى المبدعين بأن الفن لم يعد يحظى بالاحترام ذاته، وأن الذكاء الاصطناعي قد يكون بصدد إعادة تعريف قيمة العمل الإبداعي نفسه.

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي مقتصراً على الاقتصاد أو سوق العمل التقليدية. في السنوات القليلة الماضية، دخلت الخوارزميات بقوة إلى مجال الفن، وأصبحت قادرة على إنتاج لوحات ورسوم وتصاميم بصرية وحتى أعمال أدبية خلال لحظات.
هذا التحول أثار موجة قلق في الأوساط الإبداعية. في رسالة نشرتها صحيفة “الغارديان”، كتب فنان في الثلاثينيات من عمره معبّراً عن هذا الشعور بوضوح: “لم أعد أشعر بأنّ الفن والفنانين – رسّامي الكاريكاتير والرسامين – يحظون بالاحترام في ثقافتنا بعد الآن. هل ينبغي أن أتخلى عن الإنتاج؟”.
هذا السؤال، الذي قد يبدو شخصياً في ظاهره، يعكس في الواقع أزمة أوسع يعيشها كثير من المبدعين في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
يقول الفنان الذي لم تذكر الصحيفة البريطانية اسمه “إنّ مسيرته لم تكن خالية من الأمل. قبل جائحة كوفيد-19 كانت أمامه فرص عديدة، وكان يبني شبكة من العلاقات المهنيّة. لكنّه يشرح كيف أدت الجائحة، إلى جانب ظروف سياسية وشخصيّة خارجة عن إرادته، إلى تدمير تلك الشبكات. ويكتب: “فقدت كثيراً من العلاقات ولم يعد لديَّ وقت للتّواصل وبناء الشبكات”.
هذه التجربة ليست استثنائية. لقد أدّت الجائحة إلى انهيار العديد من الدوائر الثقافيّة والمهنيّة، ولاسيّما في المجالات الإبداعيّة التي تعتمد على المعارض والمناسبات واللقاءات المباشرة.

{الخوارزميات أصبحت قادرة على إنتاج أعمال تشبه الأعمال الفنية البشرية. والأسوأ أن كثيراً من هذه الأنظمة تُدرَّب على أعمال فنانين حقيقيين من دون موافقتهم}

أزمة الاعتراف في عصر الذكاء الاصطناعي
لكنَّ المشكلة الأعمق لا تتعلّق فقط بالظروف الاقتصاديّة أو الاجتماعيّة. فالفنّان يتحدّث أيضاً عن أزمة معنويّة تتعلق بمكانة الفنّ في الثقافة المعاصرة.
يقول في رسالته: “بدأت أشكّ في قدرتي على التأثير في النّاس من خلال فنّي”.
ويضيف أن صعود الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ يزيد من هذا الشعور بالهشاشة، لأن الخوارزميّات أصبحت قادرة على إنتاج أعمال تشبه الأعمال الفنيّة البشريّة. والأسوأ من ذلك أنّ كثيراً من هذه الأنظمة تُدرَّب على أعمال فنّانين حقيقيين من دون موافقتهم. ويكتب: “أرى فنانين أكبر وأكثر شهرة يعانون أيضاً، في حين تُستخدَم أعمالهم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي من دون موافقتهم”.
هذه القضية أصبحت محور جدل عالمي حول حقوق الملكيّة الفكريّة. تعتمد الشركات المطوّرة للذكاء الاصطناعي على قواعد بيانات ضخمة من الصور والنّصوص الموجودة على الإنترنت، وكثيراً ما تتضمن أعمالاً محمية بحقوق النشر.
وبالنسبة إلى كثير من الفنّانين، يبدو الأمر كما لو أنّ التكنولوجيا الجديدة تستفيد من أعمالهم من دون أن تعترف بهم أو تعوّضهم.

لماذا بدأ الفن أصلاً؟
في ردّها على الرسالة، تحاول الكاتبة في “الغارديان” إليانور غوردون-سميث إعادة النقاش إلى نقطة البداية. تسأل الفنّان سؤالاً بسيطاً لكنّه عميق: لماذا بدأ الرسم في المقام الأول؟
تقول: “هل تتذكر عندما بدأتَ تنتج الفن، ربما في طفولتك؟ عندما أمسكتَ القلم للمرّة الأولى، كان هناك شيء ما يدفعك إلى الاستمرار”.
وتضيف أنّ الدّافع الأوّل لم يكن المال أو الشهرة: “على الأرجح لم يكن ذلك التفكير: أريد أن أفعل هذا من أجل المال أو أريد أن يعترف الآخرون بمهارتي”.
هذه الفكرة تعيد تعريف العلاقة بين الفنان وعمله. فالفنّ، في جوهره، ليس مجرد نشاط اقتصاديّ، بل هو فعل إنساني يرتبط بالحاجة إلى التعبير والتواصل.
ومع مرور الزمن، يتحول هذا النشاط إلى مهنة، فتظهر معايير جديدة مثل النجاح التجاري أو الاعتراف الثقافي. لكن هذه المعايير ليست بالضرورة السبب الذي جعل الإنسان يبدأ الإبداع أصلاً.
بين الفن كمهنة والفن كضرورة إنسانية
تلفت الكاتبة إلى أن المشكلة تكمن في الخلط بين سؤالين مختلفين.
السؤال الأول هو ما إذا كان ينبغي للفنان أن يجعل الفن مصدر دخله الأساسي. وهذا، كما تقول، قرار مالي بحت. فالحياة العملية تتطلب حسابات عقلانية تتعلق بالاستقرار المادي.
أمّا السؤال الثاني فهو ما إذا كان ينبغي الاستمرار في إنتاج الفن حتى لو لم يتحقق النجاح المهني أو الاعتراف العام.
تقول غوردون-سميث إن البشر بطبيعتهم يرغبون في الاعتراف بمواهبهم. لكن هذا الاعتراف لا يأتي دائماً في صورة شهرة أو نجاح تجاري.
وتشير إلى مثال بسيط ذكره الفنان نفسه في رسالته. قال إن أكثر لحظة شعر فيها بالرضا خلال الأشهر الأخيرة كانت عندما قدّم رسماً لامرأة تعمل في صندوق متجر محلي.
بالنسبة إليه كانت تلك اللحظة ذات معنى كبير. وهو ما دفع الكاتبة إلى القول إنّ أثر الفن لا يُقَاس فقط بالأرقام.
لا يتعلّق الوصول إلى النّاس، كما تقول، بعدد المتابعين أو المشاهدات فحسب، بل أيضاً باللحظات الصغيرة التي يخلق فيها العمل الفني معنى في حياة شخص آخر.

{في العصر الرقمي، أصبح النجاح الثقافي يُقَاس بمعايير رقمية مثل عدد المشاهدات أو المتابعين}

الخوارزميات ومعايير القيمة
في العصر الرقمي، أصبح النجاح الثقافي يُقَاس في الأغلب بمعايير رقمية مثل عدد المشاهدات أو المتابعين. وهذا ما يزيد من شعور الفنّانين بأن قيمتهم باتت مرتبطة بالخوارزميات.
تقول الكاتبة إنّ الحاجة إلى تسويق الذات تدفع الفنانين إلى التفكير في هذه المقاييس باستمرار. لكنها تحذر من أن اختزال قيمة العمل الفني في هذه المؤشرات قد يكون مُضلِلاً.
ليس الفن، بطبيعته، نشاطاً قابلاً للقياس بسهولة. وقد يكون أثره الحقيقي غير مرئي أو غير قابل للإحصاء.
ولهذا تقترح معياراً مختلفاً لقياس الاعتراف الفني: عدد الأشخاص الذين لمسهم العمل، أو اللحظات التي خلق فيها معنى في حياة الآخرين.
هل يختفي الفن في عصر الآلة؟
التاريخ الثقافي مليء بالأمثلة على التحولات التكنولوجية التي أثارت مخاوف مشابهة. أثار اختراع الطباعة، مثلاً، قلق بعض الكتاب في القرن الخامس عشر، بينما أثار ظهور التصوير الفوتوغرافي مخاوف الرسّامين في القرن التاسع عشر.
لكنّ هذه التحولات لم تقضِ على الفن. بل دفعت الفنّانين إلى تطوير أساليب جديدة.
التصوير الفوتوغرافي، مثلاً، لم يلغِ الرسم، بل ساهم في ظهور مدارس فنية جديدة مثل الانطباعية والتجريدية.
واليوم قد يؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً مشابهاً. هو يغيّر أدوات الإنتاج، لكنه لا يلغي الحاجة إلى التجربة الإنسانية التي تقف خلف العمل الفني.

{ليس الفن، في النهاية، مجرد نشاط اقتصادي أو صناعة ثقافية. إنه أيضاً طريقة لفهم العالم والتواصل مع الآخرين.}

 

سؤال أخير: لماذا نتوقف عن الفن؟
في نهاية ردها، تطرح غوردون-سميث السؤال الأكثر بساطة وعمقاً في آن واحد: “إذا كان الفن قد لا يجلب المال، وإذا كانت الخوارزميات لا تقدّره دائماً، فهل ينبغي التوقف عن إنتاجه؟”.
الإجابة التي تلمح إليها تبدو واضحة.
ليس الفن، في النهاية، مجرد نشاط اقتصادي أو صناعة ثقافية. إنه أيضاً طريقة لفهم العالم والتواصل مع الآخرين.
ولهذا، عندما يسأل الفنان نفسه إن كان عليه الاستسلام، قد يكون السؤال الحقيقي هو العكس تماماً.
“لماذا يتوقف عن الإنتاج؟”.

زر الذهاب إلى الأعلى