ندوات ومقالات

غادة علي كلش/ كيف يقرأ الجيل الرقمي الجديد أسماء الشوارع اليوم؟

قرر مجلس بلدية رام الله إطلاق أسماء ثلاث شخصيات عربية وفلسطينية بارزة على شوارع ومرافق في المدينة، تقديراً لـ”إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية” وهم المؤرخ وليد الخالدي والفنانان أحمد قعبور وزياد الرحباني، وذلك لـ”إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية”.

تُعد أسماء الشوارع أدوات سياسية وثقافية، لتخليد ذكرى الشخصيات، وتحويل الفضاء الحضَري إلى ذاكرة جماعية تعكس هوية السلطة أو سردية المجتمع. تُستخدم التسميات لفرض الهيمنة، توثيق الانتصارات، أو مقاومة التغيير (مثل شارع صلاح الدين بالقدس)، وتتغير مع تحولات الأنظمة، كما في العراق ولبنان، لتعزيز سرديات سياسية، دينية، أو استعمارية.
وللعلاقة التذكارية بين الشوارع والشخصيات أدوات وأبعاد يمكن اختصارها بالنقاط الآتية:
1-أداة للسلطة والهوية: تعكس أسماء الشوارع توجهات الحكم؛ ففي لبنان، وثّق الانتداب الفرنسي أسماء شخصيات فرنسية كجورج كليمنصو وشارل ديغول، بينما تعكس شوارع أخرى بعد 2003 في العراق توجهاً مذهبياً.
2-تجسيد للذاكرة الشعبية والنضال: يُطلق أسماء شخصيات وطنية، رموز تاريخية، أو “شهداء” لتخليد ذكراهم وتعزيز الهوية الوطنية.
3-توثيق “حكاية الشارع”: مبادرات مثل “حكاية شارع” في مصر تهدف لتعريف المارة بتاريخ الشخصيات التي تحمل الشوارع أسماءهم، خاصة في القاهرة والإسكندرية وبورسعيد.
4-صراع على الذاكرة: تتبدل الأسماء مع سقوط الأنظمة أو تغير النفوذ، حيث يُنظر إليها كساحة صراع بين “ذاكرة الناس” و”قرار السلطة”.
5-التوثيق والتوثيق المرجعي: تحول الشوارع إلى علامات إرشادية تحافظ على إرث الشخصية، وتتحول من مجرد اسم إلى “مفتاح” لمعرفة التاريخ الشخصي والوطن.
أمثلة في السياق :
لبنان: شهدت شوارع بيروت صراعاً بين أسماء شخصيات عثمانية، فرنسية، ثم محلية سياسية، وصولاً إلى مطالبة بتغيير أسماء مرتبطة بنظام الأسد.
مصر: توثق شوارع بأسماء رموز سياسية وثقافية مثل أحمد لطفي السيد أو د. بطرس غالي.
العراق: استبدال أسماء شوارع بأسماء شخصيات دينية مذهبية بعد 2003.

{تحولت أسماء الشوارع من مجرد علامات إرشادية إلى ساحة صراع على الذاكرة والهوية}

بالنسبة للجيل الجديد في بيروت، فقد تحولت أسماء الشوارع من مجرد علامات إرشادية إلى ساحة صراع على الذاكرة والهوية، تعكس انقسامات سياسية وثقافية. حيث يرى الشباب في تغيير التسميات (مثل استبدال أسماء سياسيين محليين أو أجانب برموز ثقافية كـ”زياد الرحباني”) محاولة لإعادة كتابة التاريخ وتكريم الهوية اللبنانية، بعيداً عن رموز الوصاية أو الانتداب.
أمّا أبرز دلالات أسماء الشوارع للجيل الجديد فهي:
-ساحة صراع سياسي وهوياتي: أصبحت التسميات أداة لإثبات الحضور أو المقاومة، حيث تم استبدال بعض الأسماء بوجوه فنية وثقافية، مما يعكس توجهاً لتجاوز الحقبات السياسية السابقة.
-الذاكرة الشعبية مقابل الرسمية: رغم التسميات الرسمية (مثل شوارع بورسعيد، أثينا، باريس، أو الجنرال اللنبي)، يميل الجيل الجديد إلى التمسك بالتسميات الشعبية المحلية التي
تحمل رمزية وتاريخاً بيروتياً خاصاً.
-التاريخ الممزوج بالثقافة: تعكس الشوارع طبقات تاريخية (فينيقية، عثمانية، فرنسية) ممزوجة بذاكرة المدن العربية، بينما يبرز جيل الشباب الأسماء التي تربطهم بأيقونات الفن اللبناني.
-رفض أسماء الوصاية: تميزت الفترة الأخيرة بتغيير لافتات شوارع كانت تحمل أسماء شخصيات سياسية أجنبية أو محلية مرتبطة بفترات “الوصاية”، واستبدالها بأسماء فنية، مما يمثل رفضاً لرموز الماضي السياسي. من قبيل شارع الامبي (- L’Allemby): هو جزء من ذاكرة بيروت العمرانية التي أسستها سلطات الانتداب الفرنسي. قد يعرفه البعض كشارع حيوي، لكن ارتباطه التاريخي بـ “الجنرال اللنبي” (أو الامبي بلفظه الفرنسي) قد يكون مبهماً للكثيرين، حيث استبدلت أسماء مثل آرتوا بـ “ألفرد نقاش” وليون بـ “إميل إده”.

{يعتمد الجيل الجديد بشكل شبه كلي على العناوين الرقمية: خرائط جوجل والتطبيقات الذكية}

بالمقابل، يبدو جليا أن أسماء شوارع بيروت للجيل الجديد هي مزيج من “عناوين” للملاحة (GPS) ورموز تاريخية منسية أو مسيّسة، حيث غلبت الأسماء الشائعة (مثل الحمراء، فردان) على الأسماء الرسمية. بينما يعرف البعض شوارع رمزية كـ “الامبي” (المعروف حالياً بشارع مونو)، فإن الهوية التاريخية لمعظم الشوارع تلاشت أمام الذاكرة الجماعية الجديدة والنزاعات على التسميات. حيث يعتمد الجيل الجديد بشكل شبه كلي على العناوين الرقمية: خرائط جوجل والتطبيقات الذكية، مما يجعل التسميات الرسمية القديمة (مثل شارع “ليون”) مهملة لصالح الأسماء الحديثة.
على الرغم من وجود لافتات، إلا أنّ الرواية التاريخية خلف الشارع غالباً ما تُختزل في الاستخدام اليومي. يظل الاهتمام بالمعرفة التاريخية لأسماء الشوارع محصوراً لدى المهتمين بالتراث، بينما يركز الجيل الجديد على الموقع والنشاط (تسوُّق، سهر، مَقاهٍ).
بشكل عام، تعتبر أسماء الشوارع للجيل الجديد في بيروت وثيقة حية تعكس حكايتهم، من يتحكّم بتغييرها، يتحكّم بتدوين الحكاية. فتسميات الشوارع أصبحت موضع جدلٍ يمثّل صراعاً بين الذاكرة الرسمية من جهة، والذاكرة الشعبية من جهة مقابلة، لاسيّما مع تغيُّر نمطيّة الذاكرة المكانية من تلك المرتبطة بالأحداث التاريخية والثقافية والفنية التقليدية،إلى تلك المرتبطة بأدوات الجيل الجديد المستندة إلى الذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي المفتوح..

زر الذهاب إلى الأعلى