سليدركتب

برتران بادي/ الهيمنة على المحكّ الأشكال الجديدة للسّيطرة الدوليّة

يطرح أستاذ العلاقات الدوليّة في “معهد العلوم السياسيّة” في باريس برتران بادي، في كتابه “الهيمنة على المحكّ” رؤيته لفهوم الهيمنة، واضعًا حدًّا للمفهوم القديم في العلاقات الدوليّة. فمنذ أن أعلنت أميركا بقيادة ترامب أنها تعطي الأفضلية لمصالحها الخاصّة( أميركا أوّلًا)، راحت الأنظار تتّجه نحو الصّين: هل ستراها تحلّ محلّ الولايات المتّحدة وتجسّد شكلًا جديدًا من أشكال الهيمنة العالمية؟

بالنسبة للكاتب، فإنّ “الهيمنة هي أسطورة، لأنها تفترض قبولا حقيقيًّا وواعيًا. على غرار حلف ديلوس الذي أقامته المدن الإغريقيّة قديمًا بزعامة أثينا. فإذا ما استعرضنا التّاريخ- يقول برتران- بطريقة متأنيّة، يتبيّن لنا أنّ الهيمنة لا تتحقّق أبدًا من دون أن تترافق مع شيء من الغموض والالتباس. والأسوء من ذلك، أنها تقود القوى الكبرى إلى التّعامي عن الرفض الذي تثيره لدى الأطراف الأخرى، ما يغذّي الحركات التي تطيح بهذه القوى”.
وقد ارتأى الكاتب شرح المسار التّاريخي الطّويل للهيمنة، إذْ إنّ لها في تصوّرِه تاريخًا معقّدًا، فنظرًا لهذا المسار الطّويل، استطاع مفهوم الهيمنة أن “يحافظ على المرونة والتعدّد في المعاني، الأمر الذي يتسبّب بالكثير من المعاناة للطلّاب في العلاقات الدوليّة. ذاهبًا إلى اعتبار أن فكرة السّيطرة تُفضَّل على فكرة القوّة التي تُعتبر شديدة الفظاظة.لا سيّما أن القوّة شكّلت على الدّوام هوَسًا لدى المهتمّين بالشّؤون الدوليّة. سواء كانوا فلاسفة أو مؤرّخين، خبراء في السياسة، محترفين، دبلوماسيّين أو عسكرييّن”.
يجد برتران “أنّ السيطرة أو الهيمنة كفكرة، تُدخلنا إلى مجال أكثر دقّة وأكثر تعقيدًا وأكثر استعصاء على الفهم. حتى وإنْ كان المصطلح شائعَ الاستخدام على نطاق واسع إلى حدٍّ كبير”.
من هنا، يناقش الكاتب في طرحه التّحليلي مفهوم الهيمنة المتعلّق بالولايات المتّحدة الأميركيّة، فأميركا تتربّع في صلب هذا النّقاش منذ عقود، وهي تجسّد في نظر الكاتب الهيمنة الأكثر تطرُّفا منذ نهاية الحرب العالميّة الثانيّة. إلّا أنّها تتراجع اليوم عن تأدية وظيفتها كضامن للنّظام العالميّ. وقد أتى إنتخاب ترامب ليدفع بالأمور بعيدًا، إذ تردد صدى ” أميركا أوّلًا” وكأنه شعار يحثّ على الاهتمام بالشأن الذاتيّ قبل السّعي للسيطرة على الآخرين، وتحويل القوّة إلى وسيلة للربح قبل التحكّم بالنّظراء أو العمل على إدارة النّظام الدوليّ”.

{الهيمنة أسطورة،لأنها تنحدر من مرويّة تحتلّ موقعًا مركزيًّا في التّاريخ والثقافة الغربيّة}

بالمقابل، يخوض برتران في مقاربتيْن حول مفهوم الهيمنة، المقاربة الأولى قديمة، والثانية حديثة، ويفصّل نقاط الاختلاف بينهما، تفصيلا تأريخيّا وتحليليّا مهمّا، معتبرًا أنّ هاتين المقاربتين تذكِّره بما استشعره إدوارد سعيد بقوّة: ماذا لو كان هذا العلم المسيطر قد بُني على أساسِ جعْل استنساخ هيمنة القوى القديمة أمرًا بديهيًّا، وبالتّالي جعل الهيمنة أمرًا اعتياديا وبديهيا؟
انطلاقا من هذه التساؤلات، يسعى الكاتب في كتابه هذا إلى برهنة أنّ الهيمنة ليست اعتيادية ولا بديهية.”
لكنّ السّؤال الذي ينبغي للقارىء طرْحَهُ ههنا، هو: لماذا يصف الكاتب الهيمنة بأنّها أسطورة؟
يقول برتران:” إنّ الهيمنة أسطورة، لأنها تنحدر من مرويّة تحتلّ موقعًا مركزيًّا في التاريخ والثقافة الغربيّة، إلى درجة أنه تمّ تبسيطها وتشويهها في الخيال الجماعيّ. من الواضح أنّ ثوسيديدس هو صاحب الرّواية الأصلية، وقد خضعت روايته بشكل دائم على مرّ العصور لعمليات تزيينيّة لإنتاج صورة مُجمَّلة عن الهيمنة، تصبّ قبل أيّ شيء في صالح أولئك الذين يفيدون منها”.
ويرى برتران، في واقع تسلسل الاحداث وربطها بمفهوم الهيمنة القديم، أنّ هناك الكثير من عمليات التجدّد قد حصلت منذ الخطوط العريضة التي رسمها ثوسيديدس. أوّلا، هناك الضّغط الامبراطوريّ الذي طبع فجر التّاريخ الاوروبيّ والذي كان ذا طبيعة مختلفة تمامًا. فالنّهج التعاقديّ الحرّ الذي توصّلت إليه مدن البيبلوبونيز أفسح في المجال للرّغبة في التحرّر التي أوحى بها الظلم الروماني”. كما ويرى في هذا التسلسل للأحداث الذي لم ينقطع حقا حتى العام 1945 فقد أتت حيثيات الحرب العالمية الثانية لتُحدث إنقلابا فعليا للمرة الأولى. فالنصر الواضح للجيش الاميركي الذي كان من الممكن أن يبقى تأثيره محدودًا نسبيًّا لو لم يأت انقسام العالم إلى معسكريْن ويعزّز من تردُّداته، كما ظهور السلاح النّوويّ و”الاصطفاف ضمن معسكريْن”.

{تزعزعت المبادىء الكلاسيكيّة في فضاء لم يكن يعرف لقرون طويلة سوى المواجهة الدّائمة بين المسيطرين والخاضعين}

إلى ذلك، يتساءل الكاتب اليوم:” هل عادت الهيمنة أخيرًا إلى تأكيد نفسها عندما انتصرت معادلة ” إثنان ناقص واحد يساوي واحد”، باعتبار البطل السوفياتي منسحبًا من المنازلة بعد سقوط جدار برلين؟ على العكس من ذلك، بل لقد عادت الاوهام مرة أخرى، وبزخم لم نشهد له مثيلا، وتجدّدت الفِخاخ بكثافة”.
من هنا يضيء الكتاب على مسار الهيمنة في مواجهة تحدّي الإدماج، وفي مواجهة التداخل الاجتماعي، ويتوقف عند تفوُّق الاعتراض على الهيمنة. ولشرح كيفية هذا التفوّق، يرى برتران أنّ مطلع الألفية الثالثة، كرّس مفارقة قويّة: لقد أصبح الاعتراض بعد الآن هو الذي يتحكّم بالسّاحة الدوليّة أكثر من الهيمنة والاستراتيجيّات التي تنجم عنها. هكذا تزعزعت جميع المبادىء الكلاسيكيّة في فضاء لم يكن يعرف لقرون طويلة سوى المواجهة الدّائمة بين المسيطرين والخاضعين، ويميل إلى أن يتماهى مع سياسات القوّة. كان الإعتراض يقتصر على اللّعبة الداخليّة ولم يكن يَرِدُ على لسان أصحاب الفكر الأمميّ مُطلقا. كان علينا أن ننتظر البدايات الأولى للعولمة وفشل إنهاء الاستعمار لكي تبرز على جوانب النّظام الدولي، سياسات خارجيّة ذات نفَس جديد صاغت تدريجيًّا ” الدبلوماسيّات الاعتراضيّة”، التي بدأت في باندونغ، وتأكّدت مع صعود حركة عدم الانحياز وتجسّدت في ميثاق الجزائر (1967) والتي طالبت “بنظام اقتصادي دولي جديد”، ما أضفى طابعًا رسميًّا على وجود مجموعة من 77 دولة”.

{ يتوقّع بادي نظاماً دوليّاً لا تحكمه هيمنة فرديّة، بل“تشابك وترابط” عالميّ، يقلّل من شأن السّيادة التقليديّة }

فقأمّا السّؤال عن العالم ما بعد الهيمنة، فيجيب عليه الكاتب ذاهبًا إلى الاعتقاد بأنه من غير الضّرورة ومن غير المرجَّح أن يعمّه السّلام أو أن يكون عالَمًا تغمره السّعادة.
الكتاب يتضمّن مادّة سياسيّة فكريّة مهمّة، ومقاربة مفاهيميّة للأزمات التي يشهدها العالم الآن، ربْطًا بمفهوم الهيمنة اليوم، والتّحولات الامنية والعسكرية التي تضعه على المحكّ، وربْطًا كذلك بالأشكال الجديدة للسّيطرة الدوليّة الواردة في الكتاب ضمن النقاط الآتية:
1-انتقال الهيمنة من “القبول” إلى “الاعتراض”: يؤكد بادي أن الهيمنة التقليدية انكسرت، وحلت محلها “قوة اعتراضية” (مثل بوتين، أردوغان) ناتجة عن هشاشة القوى الكبرى، حيث أصبحت السيطرة تقاوم بشكل متزايد.
2-نموذج “الصفقة المجزية للجميع” (الصين): يطرح بادي الصين كنموذج جديد للسيطرة يعتمد على العولمة الاقتصادية وتقديم صفقات تربح فيها الأطراف، بدلاً من هيمنة المنافسة الغربية التقليدية.
3-سلاح الضعفاء والاعتماد المتبادل: يشير إلى أن ضعف الدول المستوردة للنموذج الغربي تحول إلى أداة اعتراض ضد القوى الكبرى، حيث يعيد “الضعف” تشكيل النظام الدولي.
4-عالم ما بعد الهيمنة المتشابك: يتوقع بادي نظاماً دولياً لا تحكمه هيمنة فردية، بل “تشابك وترابط” عالمي، يقلل من شأن السيادة التقليدية، ويزيد من الانقسامات الإقليمية والحضارية.
5-دبلوماسية انتخابية ونيوقومية: تحول القوى العظمى (مثل أمريكا ترامب) من قوة مهيمنة عالمياً إلى قوة معترضة “أمريكا أولاً” تصيب العولمة والتعاون الدولي بالخلل.

الناشر: مؤسسة الفكر العربي
ترجمة: د. جان ماجد جبّور
عدد الصفحات:280 صفحة من القطع الكبير

زر الذهاب إلى الأعلى