غادة كلش /ذاكرة بيروت القديمة أسوار وأبراج وحروب

نستعرض في هذه المقالة الذاكرة الجغرافية والتاريخية والأمنية للعاصمة بيروت، في القرن التاسع عشر، حين بدأ ثغر العاصمة يستقر فعليًّا بعد خروج المصريّين منها في سنة ألف وثمانمائة وأربعين، مُنهيًا بذلك مرحلة طويلة من الإضطراب السياسي والصراع على النفوذ.
طرأ الإزدياد السكانيّ على موقع بيروت الجغرافي، في تلك المرحلة التاريخية، ممّا غيّر في خريطتها الديموغرافية سريعًا، فرأينا ازدياد النشاط الإقتصادي، حيث كانت بيروت بموقعها في وسط الساحل الشرقي للمتوسط، هي الميناء التجاري للداخل السوري الذي عمل على تصدير الكثير من منتوجاته وموادِّه الخام لأنحاء الدنيا. ورأينا الإمتياز الذي حصلت عليه بيروت القديمة بتحوّلها إلى مركز ولاية سنة ألف وثمانمائة وثمانية وثمانين.
فالروايّات المُوثّقة والمؤرّخة تعطي الكلام أهميته الحقيقية ودلائله المثْبَتة التدوين. من هنا نستعرض بعض ما جاء في كلام المؤرخين والعلماء القدماء عن موقع بيروت في الخريطة. يقول الحميري: بيروت في ساحل الشام وهي مرابطُ دمشق “. أمّا ياقوت الحموي فيقول: بيروت مدينة مشهورة على ساحل بحر الشام تُعدّ من أعمال دمشق. وقد عرّف أبو القاسم بن حوقل النصيبي بيروت بقوله: مدينة بيروت على ساحل بحر الروم وهي فرضة دمشق. ويقول ابن عساكر: إنّ الرباط ببيروت تقليد قديم، بل إن المدينة كانت مرابط أهل دمشق منذ أيام خلافة عثمان قبل منتصف القرن الأول الهجري، فقد سأل سلمان الفارسي الصحابي الجليل الدمشقيين عن أبي الدرداء، فقالوا: إنه مرابط، فقال: أين مرابطكم يا أهل دمشق؟ قالوا: بيروت، فذهب للرباط معه .
هناك الكثير من المعالم والإشارات دلّت على هويّة بيروت، منها المساجد والمقابر الإسلاميّة، فقد عاش الأجداد البيارتة في العاصمة ،حيث طغت نسبة المسلمين من أهل السّنة والجماعة فعاشوا وتزاوجوا وأقاموا شعائر دينهم، ودافعوا عن عقيدتهم وأرضهم، وعند وفاتهم دفنوا في هذه المقابر، وهذا ما يدلّ على أنهم لم يكونوا وافدين موّقتا أو راحلين بعد حين.
كانت العاصمة تلك المدينة التي لم يتغيّر موقعها على هذه الأرض، تلك المدينة الملاصقة لهذا البحر العظيم، تغّير أهلها والوافدون عليها نعم، وتغيّرت مساحتها من مدينة نشأت وتطوّرت في ظروف تاريخية بمساحة معينة وبمعالم محدّدة، ومن ثمَّ تغيّرت هذه المساحة فزحفت تدريجيًا لتشمل روابيها المحيطة بها إلى أماكن لا تشكل حواجز في وجه ساكنيها الذين اندفعوا خارج حدودها القديمة، أمّا الأماكن التي كانت بعيدة عن سورها، ففي ظروف تاريخية معيّنة إستقرّ في أجزاء منها الوافدون من الأقاليم الإسلامية والعربية والنازحون من الجبل.
{وبقيت بيروت تسمى ثغرا حتى ما بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى}
زلازل عدة ضربت في تلك الحقبة العاصمة بيروت، فكثر من حولها الخراب، وكان قد فتحها المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بقيادة يزيد بن أبي سفيان الذي فتحها فتحًا يسيرًا فجلا الكثير من أهلها. ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه الرقعة الجغرافية الضيقة ثغرا من ثغورهم، فانتشر الإسلام في ربوعها وعمرت بالمجاهدين والعلماء والصالحين. وبقيت بيروت تسمى ثغرا حتى ما بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى حيث وقعت تحت الاحتلال الفرنسي. كانت ثغرا لا بدّ من الدفاع عنه، وفي هذه الحال لم تكن هي صاحبة القرار السياسي الذي يحسم، فمنْ سيطر على جبالها أصبحت في قبضته، ومَنْ تمكّن من مدن الساحل أصبحت سهلة المنال له، ومنْ حاصرها كان لا بدّ أنْ يدخلها إذا تأخّرت نجدات الداخل. إذْ كان ينبغي لها أن تجتاز حواجز جبلية وعرة المسالك. فكانت العاصمة آنذاك جزءًا من سيطرة أيّ قوّة تسيطر على سواحل المنطقة إن كانت خارجية مثل الصليبيّين أو داخلية كالدول التي تتابعت على مدن الداخل الإسلامي من أموييّن وعباسييّن وسلاجقة أو فاطمييّن أو أيوبيّين أو غيرهم، ممّا جعلها ولفترة طويلة من تاريخها عرضة لغارات الأساطيل البحرية البيزنطية والصليبية قبل مجيء العثمانيين سنة ألف وخمسمائة وستة عشر، ثم عرضة لإغارات الروس والإنكليز والنمساويين والإيطاليين وغيرهم في زمن العثمانييّن.
وعندما انتصر العثمانيّون على المماليك سنة ألف وخمسمائة وستة عشر، وقعت بيروت تحت سيطرتهم وكانت لا تزال تستوقف أنظار الطامعين بملكها لوقوعها في وسط البلاد على ساحل البحر، وبقي ميناؤها على حالته من الصّلاح، ممّا أثار انتباه الأمراء المعنيين والتنوخيين وبني عسّاف ليبسطوا سيطرتهم عليها.
{جُدّد سور بيروت على جانب البحر وكان يتصل ببرج عتيق سمّاه صالح بن يحيى برج البعلبكية}
ومن بعض الذين تولّوا مدينة بيروت،الأمير منصور عسّاف سنة ألف وخمسمائة وإثنين وسبعين ، حيث بنى فيها سرايا ومسجدًا عرف باسمه، ثمّ تولاّها فخر الدين المعني سنة ألف وخمسمائة وثمانية وتسعين ، ثم الأمير منذر التنوخي الذي بنى فيها مسجدًا عُرف بإسمه، ثمّ مجموعة من الولاة الباشاوات، إلى عهد الشهابيّين حيث تولاّها بعض أمرائهم فترة إلى أن حصل النزاع المشهور بين يوسف الشهابي وأحمد باشا. فتولاّها مدّة وصار صاحب السلطة الفعلية عليها ورفع يد الأمير عنها وضبط ما فيها من أملاك الأمراء الشهابيين.
كان لثغر بيروت دور دفاعيّ على هذا الساحل، حيث بُني في محيطها مجموعة من الأبراج التي كانت إمّا تتخلل السّور نفسه أو على بعض روابيها، وهي تقوم مقام القلاع المنيعة في حماية البلد. ففي شرقي السّور أقيمت سلسلة من الأبراج في أزمان متفاوتة، فبعد تحرير العاصمة للمرة الثانية من قبضة الصليبيين، جُدّد سور بيروت على جانب البحر وكان يتصل ببرج عتيق سمّاه صالح بن يحيى برج البعلبكية، نسبة إلى الجنود البعلبكيين الذين كانوا يرابطون في الثغر ويحلّون فيه أبدالا، وقد جعل بين آخر السّور وبين البرج المذكور بابا رُكِّب عليه سلسلة تمنع المراكب الصغار من الدخول والخروج وسُميّ باب السلسلة، وكان له برج يُعرف ببرج السلسلة. وعلى مدخل المرفأ كان يقوم برجان رأى آثارهما أحد الرحّالة ويدعى لوريس لورثه، وذلك سنة ألف وثمانمائة وثمانين ، يُسمّى أحدهما برج الفنار ويقوم على صخرة منفردة فوقها فنار، بينما يتّصل الآخر باليابسة برصيف هُدم فيما بعد. ويقول لوريس: إنّ برج الفنار لم يبق منه إلا طلل جميل بينما برج السلسلة هدمته عاصفة عن آخره سنة ألف وثمانمائة وتسعة وأربعين، بينما يقول البعض إن شركة مرفأ بيروت هدّمت البرج المذكور سنة ألف وثمانمائة وسبعة وثمانين والذي يسمّيه العامّة برج المينا وهذا الأرجح. وبرج البعلبكية قد يكون هو نفسه برج السلسلة.
{ما ذكر من أنّ برج أبي حيدر أصله برج أبي هدير وحُرِّف فصار برج أبي حيدر ليس صحيحًا}
وقد ذكر صالح بن يحيى بُرجًا آخر سمّاه البرج الكبير بُني في زمن السلطان الملك الظاهر برقوق، وقد أشار أحد المؤرخين إلى أن البرج المذكور كان في الموضع الذي أقيمت فيه السرايا الصغيرة، ويقول هنري غيز إنّه شاهد بقايا سلالمه الجميلة سنة ألف وثمانمائة وثمانية ويبدو أنّ البرج المذكور بقي يُستعمل من قبل جنود إبراهيم باشا للمراقبة سنة ألف وثمانمائة وإثنين وثلاثين. وتذكر بعض المصادر أنّ فخر الدين المعنيّ قد بنى البرج الكشّاف الجديد على مقربة من السّور في الجهة الشرقية الجنوبية، وهو يقع على ربوة غربي باب يعقوب جنوبي السرايا الكبيرة التي تم بناؤها سنة ألف وثمانمائة وواحد وخمسين، أمّا ما ذكر من أنّ برج أبي حيدر أصله برج أبي هدير وحُرِّف فصار برج أبي حيدر فهذا ليس صحيحًا، والدليل في ذلك ما ورد أنه في سنة ألف وثمانمائة وستة وعشرين، قدِم ليلا إثنا عشرة مركبًا من الأروام بإزاء البرج المعروف بأبي هدير فخرج منها عسكر ونصبوا السلالم شرقي بيروت على السّور وتقدّمت المراكب إلى المينا، فهذا البرج لا بدّ أن يكون قريبا من البحر ولعلّ أنّ ما ذُكِر من وجود برج الخضر بالقرب من جامع الخضر في محلة الكرنتينا هو نفسه برج أبي هدير وفي ذلك دليل من وثائق المحكمة الشرعية في بيروت حيث ورد: برج أبي هدير في سهل مقام الخضر عليه السلام بالقرب من الكرنتينا. وفي هذا المضمار ذكر ادوارد روبنسون أنّ دارفيو الذي زار بيروت سنة ألف وستمائة وستين قد وصف برجًا في رأس بيروت يعلوه حارس يعطي الإشارات للسفن وقد تكلّم أيضًا عن وجود خمسة أوستّة أبراج بين رأس بيروت والمدينة.
وإضافةً للأبراج التي كانت تعلو سور بيروت وكانت متقاربة وواجهاتها من الحجر وطُرُز بنائها عريق في القِدم .ففي جهتها البحرية، كانت تقوم على حماية بيروت أيضا، قلعة بحرية هي مقر الحامية، واشتهرت بمناعتها وبسيطرتها على موقع الميناء، كانت تقوم في الجنوب الشرقي من مدخل المرفأ فوق محلة الخارجة، وقد أثر فيها قصف البوارج الإنكليزية والنمساوية سنة ألف وثمانمائة وأربعين، حيث تركت القنابل في جدرانها ءاثارا ظاهرة.
{لقد كانت بيروت القديمة كمدينة حصينة لها حامية لضبط الأمن ولحراسة الأبواب الخمسة}
يقول لوريس لورثه سنة ألف وثمانمائة وخمسة وسبعين :” ويُرى حول المدينة القديمة بقية حصون وأبراج رفعها الجزّار،وهي اليوم شبه خراب. كما يذكر أنّ أبراجا أخرى بأسماء بعض العائلات البيروتية كانت توجد خارج المدينة منها، برج العريس غربي البسطة التحتا، وبرج دندن الذي كان أطلالا دارسة زمن إبراهيم باشا، وبرج بيْهم في المصيطبة، وبرج شعبان، وبرج البواب وبرج العيتاني في رأس بيروت بزقاق الحمره كما ورد في سجلات المحكمة الشرعية. و كانت هذه الأبراج وغيرها التي سُمِّيت بأسماء عائلات شيّدْتها على أرضها، عبارة عن عمَار مبْنيّ من طابقين أو أكثر يُستعمل الطابق العلوي منه للنزهة.
وكان يحيط بالمدينة سور حجارة كبيرة حماها على مرّ الأجيال. ويُبتدى من قلعتها القديمة في الشمال الشرقي إلى الجنوب الشرقي، غرب ساحة البرج عند مدخل سوق أبي النصر، ويمتد غربا إلى باب يعقوب ثم يمتد شمالا إلى باب ادريس ويصل إلى ميناء الخشب عند مرفئها القديم في الشمال الغربي، وهي مساحة يبلغ طولها خمسمائة وسبعين مترًا ، بينما يؤخذ من كتبة الفرنجة أن طول بيروت كان يبلغ نحوثمانمائة وخمسين مترًا وعرضها ستمائة مترًا.
وقيل إنّ جدران السّور كان يبلغ ارتفاعها خمسة أمتار، وسمكها كان يناهز أربعة أمتار عند القاعدة، ثم يقلّ ارتفاع الجدران حتى تنقص إلى ثلاثة أمتار، وقد لجأ الأقدمون لحماية هذه الجدران من النبش والهدم إلى إقامة أبراج فوق السور يلجأ إليها جنود الحامية.
ولعل ءاخر مَنْ اهتم ببناء السّور وتحصين المدينة كان أحمد باشا الملقّب بالجزّار الذي تسلّمها سنة ألف وسبعمائة وإثنين وسبعين قبل أن يصبح واليا لإيالة صيدا سنة ألف وسبعمائة وستة وسبعين.
أمّا أبواب السور فكانت ثمانية، سبعة منها مصفّحة بالحديد، وهي:
باب الدبّاغة وباب السّرايا وباب أبي النّصر وباب الدركاه وباب يعقوب وباب ادريس وباب السنْطية وباب السلسلة.
لقد كانت بيروت القديمة كمدينة حصينة لها حامية لضبط الأمن ولحراسة الأبواب الخمسة التي تشكل مخرجا للمزارع، وحسب العادة المتبعة في جميع مدن الشرق، تغلق هذه الأبواب بانتظام بعد مغيب الشمس باستثناء واحد يترك مفتوحًا بضعة ساعات أخَر. وفي اليومين العاشر والحادي عشر من شهر أيلول سنة ألف وثمانمائة وأربعين، كانت بيروت هدفًا لقصف الأسطولين الإنكليزي والنمساوي الذي خرب العديد من المنازل وأزهق كثيرًا من الأرواح، وقد بدا أن السور تهدّم تهدمًا يكاد يكون كاملا بسبب هذا القصف.
*المعلومات الواردة تستند إلى أطروحة جامعية منشورة في الثمانينات من القرن الماضي، تحت عنوان “معالم المسلمين في بيروت في منتصف القرن التاسع عشر” أسعد محمد مطيع تميم.



