“أيام بيروت ” لعلية الخالدي على مسرح غولبنكيان: زحمة بصرية

جريدة السفير
١٧/أيار/٢٠٠٤
أروى عيتاني .
بدأت عروض مسرحية «أيام بيروت» يوم الخميس ١٣ ايار على مسرح غولبنكيان – الجامعة اللبنانية الاميركية، وتستمر حتى ٢٣ ايار عن رواية لنازك سابا يارد واخراج علية الخالدي، تمثيل مجموعة من طلاب المسرح من عدة معاهد لبنانية مختلفة.
في الآونة الاخيرة، صبت عدة اعمال اهتماماتها حول مدينة بيروت، بات الكل يحب بيروت ويريد ان يظهرها على طريقته، حتى حملناها ما لا طاقة لها به.
مسرحية «أيام بيروت»، عرض جديد، ارادت المخرجة عليه الخالدي ان تهديه الى بيروت، والى جميعٍ من لا يزال يبعث عن نفسه وسط شوارع المدينة، لكننا في مسرحيتها، بحثنا طويلا. عن ما صبت اليه، لكننا، وبخيبة كبيرة لم نجده. لم نجد بيروت في ايامها، بل مدينة عادية، لا خصوصية لها ولا لون، وكأننا امام رحلة فقدت لقتها منذ البداية. وكشفت عن أسرارها منذ لحظة انطلاقها. فانعدم التواصل بيننا وبين المسرحية منذ اللحظات الاولى.
بيروت داخل علبة سردين
من الواضح ان المخرجة ارادت ان تضيف رؤية دقيقة لنص نازك سابا يارد، رؤية مسرحية ممتعة لفكرة عادية جدا في اكتشاف ولد لمدينة بيروت. موضوع بسيط ومتوقع النتائج منذ بداية، نصبت العديد من الافكار على الصعيد البصري، مستخدمة بعض الرموز التي اعتقدت بأنها ستضيف مسحة جميلة للمناخ البيروتي، لكن التنفيذ خان المخرجة التي، وبالرغم من جهدها، لم تستطع ان تحكم قبضتها على التفاصيل، فضاع العرض في عدة اتجاهات. نحن تعودنا على صخب مدينتنا، بل وتألفنا معه، وبتنا جزءا منه، وهذا كان واضحا في النص، غيرانه على الخشبة تحول الى فوضى، تشتتت في داخلها الافكار في جميع المساحات السينوغرافية التي اوجدتها المخرجة، تتحول بيروت الى علبة سردين، او للعبة (بيت بيوت» عادية بطلها الولد في غالب مشاهد العرض، شعرنا لتوق المخرجة بالدخول الى تفاصيل حياتنا البيروتية، مترجمة بأمانة نص الراوية، غير انها خنقت الافكار في فضاء محدود، مما احدث تراكما على صعيد الممثلين والاكسسوارات والسينوغرافيا، حتى شعرنا بأن بيروت في ذاتها لم تعد تكفي المخرجة.
لغة مسرحية ضعيفة بين الكلام والحركة
عملت المخرجة على العمل الجسدي للممثلين من اجل خلق ايقاع معين ساعد احيانا في تجميل بعض الصور،، لكن الجسد تال متلين، بل أناسرافيا وكثافة الصور، حتى لم نعدنرى الممثلين، بل أناس يتصرفون بطريقة آلية (غير مبررة)، مكتفين بالقاء النص، جاءت الحركات الحدية مفتعلة، لا تتسم بالمرونة، بل واحيانكان الجسد حمل في اوقات خاطئة،
جسر الايقاع :
لتبدو الحركة وكأنها حشرت في المشهد، صور عديدة مرت امامنا عن المجتمع اللبناني، قد تكون قد بدأت بالتبلور على الخشبة بشكلٍ منواضع، غير انها لم تصل الى الذروة، لنشعر بأننا امام عرض غير ناضج، يفتقد للون وللنكهة، عرض لاهوية له من كثرة تحميله لرموز، بعضها لم يؤثر فينا كما مفترض به، وبعضها تاه في غياهب «الكليشيه» (مشهد العرس والعزاء). زحام على الخشبة حاولت المخرجة جاهدة ان تقدم ابعاداً جديدة لنص مماثل، لم يتطور في طروحاته منذ البداية، فكانت الفكرة اقرب الى قصة مدرسية، هذا ليس مشكلة بحد ذاتها، فالنص بسيط ومعبر، لكن المخرجة حشدت عددا هائلا من العناصر المتراكمة على الخشبة، مما خلق نوعا من الهشاشة في بعض الاماكن، ونوعا من التعقيدات التي لم تتحملها فكرة النص الاصلية. اولا، عمدت المخرجة الى سينوغرافيا مزدحمة الاكسسوارات، ومقسمة الى عدة اماكن: شقة بيروتية ضيقة، ورشة بناء ومحل انترنت، لم يقدموا اية جمالية بصرية، بل ابتلعوا الممثلين في الكثير من الاحيان، وعرقلوا لهم الحركة من فرط وجود الاغراض (العديمة الجدوى احمانا) وكأن المخرجة رسمت صورا وارادت
بر عابئة بمدى الحاجة الى استخدامها على المسرح. الديكور كان ضخما وثقيلا وشعرنا بوطأته نحن المشاهدين. اما الموسيقى، نستطيع وصفها بالحيادية، اي انها لم تضف اية انفعالات او تأثيرات على العرض، فسمعنا بعض الاغاني التي تعود الى زمن الطرب الجميل (عبد الوهاب)، رغبة من المخرجة بالحنين الى بيروت القديمة، غيران الموسيقى ايضا بدت كليشيه يضاف الى جملة الكليشيهات الاخرى، بدت ذروته المفضوحة اغنية «لبيروت» في مشهد النهاية، التي اظهرت ضعف الاخراج في النهاية، بعد كثافة مزدحمة في .
البداية. مع زحام السينوغرافيا، كان هنالك ازدحام حاصل بين الممثلين، لا ندري، لماذا استخدمت المخرجة هذا الكم الهائل من الممثلين على خشبة فاضت عن حدها؟ فلقد ظهر الممثلون كجهد اضافي عملت على تربيته المخرجة، لكنه لم ينضبط على اكمل وجه.
البعض ادى ادواره وسط حضور محبب، استمتعنا بطلته على المسرح، والبعض الآخر كان حشوا في المسرحية، العديد من الممثلين ظهروا امامنا مجردين من كافة شروط التمثيل، اما القسم الذي اختارته المخرجة للعمل على الحركة الجسدية (الراقصين وعمال الورشة)، فبقي حضوره باهتا، وبدت الرقصات تافهة، هذا بعد ان علمنا ان الممثلين خضعوا لتدريبات جسدية وراقصة كثيفة، وهنا نسأل هل هذه هي النتيجة؟ صحيح ان الممثلين تجاوزوا العدد المقبول في مسرحية مماثلة، وصحيح اننا قد نضيع في مشاهدتهم، لكن هذا ساهم بتكبير نتيجة الاخطاء، وزيادتها. وللاسف العناصر الموظفة في خدمتهم، لعبت ضدهم، وكثيرا من الاوقات شعرت بالخوف على الممثلين وسط عراقيل السينوغرافيا، من خطر الانزلاق والسقوط. وهذا ما خلق جوا مزعجا في المسرحية، عدا عن «اللطشاتِ» المتكررة التي بتنا نراها في العديد من الاعمال في الآونة الاخيرة، وشاشة الفيديو، التي لم نعد نطيق وجودها على المسرح من فرط استعمالها، وكأنها باتت اداة جديدة لا تمشي العروض في غيابها. في مسرحية «أيام بيروت)» تاهت بيروت عن ايامها، ولعل مدينتنا تتجسد اخيراً لتشكرنا على كل ما قدمناه إليها وما زلنا نقترفه في حقها من اعمال تنسب اليها، وهي بعيدة عن الصورة، لنثبت لها بأننا نحبها ونأسف عليها، في اعمالنا وافكارنا. مسرحية «أيام بيروت»، تعالت فيها الجدران والعمارات، وناطحات السحاب، كشوارع بيروت، لكن الفرق بينها وبين مدينتنا، هوان مدينتنا حية لا تموت، ومدينة علية الخالدي بقيت كمدينة مهجورة، لا حياة ولا روح تنبعث منها.

