
يتميّز كتاب”هزيمة الغرب” للمؤرخ وعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي إيمانويل تود، بدءًا من غلافيْه الأوّل والأخير، وما ورد فيهما من عبارات ترويجيّة مُفاجِئة، من قبيل:” يحرّر القارىء من البروباغندا التي تحاصره”، ” فريد من نوعه”، و” كتاب يهزّ اليقينيّات”. فكيف إذًا بما هو منشور بين دفّتيه؟
لا شكّ في أنّ تعريف البروباغندا، يؤدّي بنا إلى معرفة ماذا يقصد الكاتب من حصارها للقارىء. فالبروباغندا (Propaganda) أو الدّعاية “هي نشر معلومات، أفكار، أو شائعات بشكل موجّه، مكثّف، وأحاديّ المنظور للتّأثير على عواطف، آراء، وسلوك الجمهور المستهدَف. تهدف إلى تشكيل الوعي لصالح أجندات سياسيّة، عسكريّة، أو عقائديّة، وغالباً ما تعتمد على تقديم حقائق ناقصة أو مُضلِّلة بعيداً عن الموضوعيّة. وهي تُعَدُّ سلاحاً فكريّاً أخطر من الأسلحة التقليديّة، وتستخدمها الحكومات لتوجيه الرّأي العامّ، خاصّة في أوقات الحروب والأزمات”.
من هنا، عمد الكاتب إيمانويل تود في دراسته هذه، إلى تعرية المسلّمات المضلِّلة وتزويد القارىء بالحقائق السّالمة من الزّيف، والخاوية من التّوجيهات السياسيّة الماكرة، ويطرح نوعًا من أنواع الفراسة، تجاه ما سيواجهه الغرب، إذْ إنّه يتوقّع سقوطه، تمامًا مثلما توقّع في العام 1976 سقوط الإتّحاد السوفياتيّ. فالغرب اليوم هو على حافّة السّقوط، ويعيش أزمة مصيريّة، لذلك، بادر تود إلى “تحليل تداعيات الحرب الروسيّة –الأوكرانيّة، وقراءة المواجهات العسكريّة في الشّرق الأوسط، ومناقشة الازمات الإجتماعيّة والديموغرافيّة والثقافيّة القاتلة التي تعصف بالولايات المتّحدة والدول الأوروبية، كاشفًا فشل القيم الليبراليّة التي قامت عليها المجتمعات الغربيَة، أمام صعود التّطرف اليمينيّ وقوى محافظة وتقليديّة مثل روسيا والصّين”.
وتكمن فرادة هذا الكتاب في أنّه يتضمّن جرأة فكريّة وكليشيهات رؤيويّة واستدلالات سياسيّة-إجتماعيّة- أنثروبولوجيّة، يقرأ فيه الكاتب مآلات الحاضر ويثير الجدل في استشرافه للمستقبل.
{ يبدأ الكاتب قراءته الفكرية من المفاجآت العشر لحرب روسيا على أوكرانيا}
يبدأ الكاتب دراسته الموسّعة هذه، بدءًا من المفاجآت العشر لحرب روسيا على أوكرانيا، وهي على التّوالي:
المفاجأة الأولى: ” انفجار الحرب نفسها في أوروبا”.
المفاجأة الثانية: في الخصْمين اللّذين تضعهما هذه الحرب في مواجهة الولايات المتّحدة.
المفاجأة الثالثة:صمود أوكرانيا العسكريّ.
المفاجأة الرابعة: صمود الاقتصاد الروسيّ.
المفاجأة الخامسة:إنهيار الإرادة الأوروبيّة.
المفاجأة السادسة: ظهور المملكة المتّحدة بصفتها طرفا يختال ضدّ روسيا.
المفاجأة السابعة: إلتحاق دول شمال أوروبا بالحُمّى البريطانيّة، فالنرويج والدنمارك وصلتان عسكريّتان بالغتا الأهميّة للولايات المتّحدة.
المفاجأة الثامنة: عجز القوّة العظمى في العالم عن توفير تموين بالقذائف لمحميِّها الأوكرانيّ.
المفاجأة التاسعة: العزلة الأيدولوجيّة للغرب.
المفاجأة العاشرة: في صدد التحقُّق. إنها هزيمة الغرب.
يفصّل الكاتب هذه المفاجآت تفصيلًا عسكريًّا وإيديولوجيًّا وديموغرافيًّا وسياسيًّا، لا يخلو من الاستنتاجات والدِّلالات والبراهين والقراءات الأيديولوجيّة المختلفة التي هي في غاية الأهميّة، لِمَا يمكن أن يشكّل اليوم نظامًا عالميًّا جديدًا، تختلط فيه كلّ الأوراق بطريقة فوضويّة- إعصاريّة جامحة.
إلى ذلك، يصف الكاتب ما هو على المحكّ في أوكرانيا، مُحاولًا فهمه، عارضًا فرضيّات حول ما يحتمل أن يطرأ لا في أوروبا فحسب، بل في العالم. هادفًا إلى فك لغز انعدام الفهم المتبادل بين طرفين، فمن جهة، معسكر غربيّ يعتقد بوتين أنّه مجنون، وروسيا معه. ومن جهة أخرى، نجد روسيا، أو ميرشايمر ( جون ميرشايمر الباحث الأميركي الذي تنبّأ بانتصار حتميّ للرّوس)، يعتقدان في أعماقهما أنّ الغربيّين هم المجانين”.
{تكمن المفارقة في أنّ الكاتب يقودنا إلى قراءة أزمة الغرب إنطلاقًا من عمل عسكريّ روسيّ}
تكمن المفارقة ههنا، في أنّ الكاتب يقودنا إلى قراءة أزمة الغرب إنطلاقًا من عمل عسكريّ روسيّ. فقد حلّل الديناميّة الاجتماعيّة الروسيّة في المرحلة بين عاميّ 1990 و2022،وكانت سهلة وبسيطة –حسب توصيفه- وقدّم دراسة فكريّة لأوروبا والمملكة المتّحدة، وبصورة أكبر الولايات المتّحدة، إستندت إلى تمرين فكريّ صعب، لاسيّما وأن تود تصدّى للإدراكات الزّائفة والانعكاسات المشوَّهة، والسّراب، قبل وُلوجِهِ واقع ما يبدو بتزايُدٍ كأنّه ثقب أسود. فالحرب وفْق قوله:” تنقلنا عبر المرآة إلى عالم حيث يتقلّص بصورة تدريجيّة سلطان الأيديولوجيا، والخِداع الإحصائيّ، وتقصير وسائل الإعلام، وأكاذيب الدُّول، من دون إغفال الهُتر المؤامراتيّ. حيث ستظهر حقيقة بسيطة: إنّ الأزمة الغربيّة هي محرّك التاريخ الذي نعيش. البعض يعرفون. وحين ستنتهي الحرب، لن يقدر أحد على الإنكار”.
بالمقابل، يقدّم الكاتب صورةً لنظام عالميّ جديد يتشكّل اليوم، حيث يواجه الغرب تحدّيات
وجوديّة تُعرِّض استقرار البشريّة للخطر. ويُفصّل بالتالي دور الولايات المتّحدة في تبنيّها العنف، عبر الحرب على غزّة، وتحريكها لحاملة الطّائرات إلى شرق البحر الأبيض المتوسّط لدعم إسرائيل، ورفضها مقرّرات الهدنة الانسانيّة لشعب يُقتل يوميًّا ويُباد بأعتى الغارات الجويّة ويجوَّع بأبشع الأساليب الهمجيّة على أيدي الكيان الصهيونيّ المحتلّ. فإذا أردنا – يقول الكاتب– توقُّع الخيارات الاستراتيجية لأميركا، فعلينا التخلّي على وجه السّرعة عن بديهيّة العقلانيّة. فالولايات المتّحدة لا تبحث عن المكاسب من خلال تقييم التّكاليف. ففي قرية واشنطن، في أرض حوادث إطلاق النّار الجماعيّ، وفي ساعة الدّين صِفر، الدّافع الأساسي هو الحاجة إلى العنف”.
إذًا، نحن أمام كتاب يهزّ الكاتب فيه يقينيّات راسخة عن تفوّق الغرب، مُعتبرًا أنّ “انهيارالغرب” ناتج عن عوامل بنيويّة ودينيّة وثقافيّة داخليّة، وليس عسكريًّا فقط. وفيما يلي تفصيل لليقينيّات الرئيسيّة التي فنّدها تود:
1- تبخُّر البروتستانتيّة وسقوطها (نهاية روح الغرب): يرى تود أنّ صعود الغرب اعتمد على قيم العمل والانضباط التي وفّرتها البروتستانتيّة. وأنّ تبخُّر هذه البروتستانتيّة في أميركا وبريطانيا، ووصولها إلى “الصِّفر الدّيني”، أدّى إلى زوال القاعدة الأخلاقيّة التي بُنيت عليها الرأسمالية الغربيّة، ممّا أنتج مجتمعات بلا مركز أو معنى.
2-الوهم الصِّناعيّ والاقتصاديّ للولايات المتّحدة: هزّ تود يقين القدرة الاقتصادية الأميركية، مُشيرًا إلى أنّ النّاتج المحليّ الإجماليّ الأميركيّ وهميّ، وأنّ هناك عجزًا صناعيًّا حقيقيًّا، مع افتقار للعمالة الماهرة وانحدار في المستوى التّعليميّ.
3-تفوُّق النّموذج الليبراليّ والسياسيّ: يعتبر تود أنّ الغرب، وخاصّة أميركا، تحوَّل إلى “أوليغارشية ليبرالية” تحتقر الفقراء، وبات يعيش حالة من “العدمية” (فقدان المعنى)، ممّا جعل نموذجه غير جذّاب لبقيّة العالم.
4-وحدة وتماسك المعسكر الغربيّ: كشف تود عن انهيار الإرادة الأوروبيّة وتراجع استقلاليتها، مشيرًا إلى خضوع أوروبا (وخاصّة ألمانيا) للإرادة الأميركيّة، وظهور فجوات داخليّة.
5-حتميّة انتصار الغرب في أوكرانيا: فنّد تود السّردية الغربيّة حول أوكرانيا، مُعتبرًا أنّها دخلت “فخًّا” روسيًّا. وأكّد أنّ الصّراع كشف حدود القوّة الغربيّة وليس حدود القوّة الروسيّة، وأنّ روسيا أظهرت مرونة اقتصادية واجتماعيّة كبيرة بخلاف التوقّعات الغربيّة.
{الغرب لا يواجه هزيمة عسكريّة عابرة، بل “موتاً حضاريًّا بطيئًا” ناتجًا عن خيانة قيمه الأولى}
من هنا، فقد خلص الكاتب إلى أنّ الغرب لا يواجه هزيمة عسكرية عابرة، بل “موتاً حضاريًّا بطيئًا” ناتجًا عن خيانة قيمه الأولى والتّحوّل إلى النّرجسيّة والغطرسة الجيوسياسيّة.
لقد خاض إمانويل تود في تحليل واسع وجريء، واقعَ الديمقراطيّة الليبراليّة، والأوليغارشيّة الليبراليّة، واللّغز الأوكرانيّ، والإنتحار الأوروبيّ، والعدميّة الأميركيّة (الدّليل في غزّة)، وشرح كيفيّة وقوع الولايات المتّحدة في الفخّ الأوكرانيّ. كما وعمل على تفصيلها بأدواته الفكرية والانثروبولوجية والسياسيّة والإجتماعية والثقافية، رابطًا بين المتغيّرات العالميّة بالأمس البعيد، وبين ما يتغيّر اليوم بسرعة صادمة ومختلفة ومثيرة للقلق، وكيف لا يقلق الغرب من هزيمته المتوقعّة؟
” هزيمة الغرب” هو كتاب “ضروريّ لفهمِ الأزمة المصيريّة التي يعيشها الغرب وتأثيرِها على العالم أجمع”.
الكتاب: هزيمة الغرب/الطبعة العربية 2025
الناشر: دار الساقي
ترجمة: محمود مروة
عدد الصفحات: 295 صفحة من القطع الكبير



