فنون

معرض “بيروت في الذاكرة” رواية تشكيليّة للماضي الجميل

 أقام الفنان التشكيلي اللبناني المخضرم محمود شهاب في مقر “النّادي الثقافيّ العربيّ” في منطقة الحمراء ببيروت،في 11 كانون الأول 2025 ، معرضًا فرديًّا تحت عنوان” بيروت في الذاكرة”. عارضًا في لوحاته المشغولة بالزيت على القماش، مشهديات بصرية تحمل في خطوطها وشخوصها وألوانها عنصريّ الإدهاش والإبهار، لا بسبب استحضار تصاوير الذاكرة الجغرافية والزمنية والاجتماعية والطبيعية للعاصمة في منتصف القرن الماضي، فحسب، بل بسبب قوّة هذه الذاكرة.

ويمكن القول عن ذاكرة شهاب، بأنّها تسترجع بالريشة التصويرية، أسماء المحال والأسواق والمراكز والأمكنة، وما كانت عليه سيرورة الحياة، في تلك الأيام، في وسط العاصمة، وتُصوّر بعين داخلية ما انهدم وارتحل وتحوّل وغاب عن ذكريات البصر، من حكايا التجّار وأصحاب المِهن والعائلات والعادات والأزياء والسيّارات وصالات السينما والمطاعم والشركات وسكك الترمواي التي أزيلت في أوائل الستينات. حتى لوحته عن مبنى السراي الصغير الذي كان في ساحة البرج، لم يكن يعرف بوجوده الكثير منا، حتى الذي ملأ الشّيبُ شعرَه.
ما نراه في لوحات شهاب، يتخطى تقنيات الفنّ التشكيلي وشروطه الجمالية والتقنية والإيحائية، ليأخذ من القصيدة شاعريّتها ومن الموسيقى إيقاعاتها، ذلك بالتحديد ما تغتني به لوحاته كلها خصوصًا من ناحية الألوان، فثمة ملوانيّة فائقة الحساسية والدقة والحنين، أو ثمّة حساسية فائقة الألوان تغطّي أفق اللوحة وتتسلل إلى كُمونيّتِها، بما تمثّله من وجوه وقامات وإيمائيّات للحركة في أسواق بيروت. فاللّون في ريشة شهاب يَظهر وكأنّه مرتبط بأشعّة الشّمس في صباحات ذاكرة بيروت منتصف القرن العشرين، ويزداد توسُّعًا وتوهُجًّا في مسرح اللوحة، بما فيه من تصوير مِهن الأشخاص في المدينة وأزياء المارّة وطريقة مشيتهم، ويشمل ذلك الرجال والنساء والأولاد ووسائل النقل ومظاهر أصحاب الحِرَف.
ومن النّافل القول إنّ هذا المعرض يُعتَبر رواية بصريّة يرويها الفنّان بأدواته التقنيّة، وهي أدوات تستعير مجازيًّا حوارات البيارتة وقصصهم وأمكنتهم في ماضي بيروت الجميل.

{تسنّى لنا من خلال معرض الفنّان محمود شهاب رؤية بيروت، تلك الزّاهية والذّهبيّة}

من هنا، يمكن اعتبار المعرض بأنه “أرشيف” تشكيلي لمواقع ومحالٍّ وعناوينَ غفل عن وجودها المصوّرون الفوتوغرافيّون عهد ذاك، في ساحات العاصمة، ومنها ساحة باب إدريس، من قبيل محل ” أزهار إدريس” ومحل “المصوّر فاهي”، ومركز ماكينات الخياطة “سينجر”، ومطعم “أوتوماتيك”، وأسماء أصحاب المهن وأمكنة محالهم بالتفصيل والترتيب.
يا لها من ذاكرة بيروتيّة فائقة الجمال، قويّة الاستحضار، تغنّي لأمّ كلثوم أغنية “ذكريات عبرَتْ أُفُقَ خيالي”، كما كتب ذلك بقلمه الفنّان شهاب في أقصوصة ورقة معلّقة على جدار النّادي، قرب لوحة من لوحاته.
حتّى المسرح لم يغب عن ريشة الفنّان، ومَنْ يقف أمام فضاء أعماله التشكيليّة هذه، يدرك وجود بصمات من هذا الفنّ بموازاة فنّ الشّعر والفنّ الموسيقيّ، إلى جانب عملية الأرشفة الذّاكريّة الوفيّة لما كانت عليه بيروت الرائعة بشاطئها وسمائها وصيفها وشتائها وساحاتها وأسواقها ومحالها التجارية وصالاتها السينمائية الشهيرة من قبيل سينما “أمبير” و”متروبول” و”ريفولي”، ناهيكم عن الترامواي الأخضر والأحمر ونظامه السِّكَكي الكهربائيّ.
لقد تسنّى لنا من خلال معرض الفنّان محمود شهاب، رؤية بيروت، تلك التي كانت زاهية وذهبية ومضيئة وغنيّة وعصريّة؛ على عكس بيروت اليوم المعتّمة، المهمومة، الباهتة الألوان، القليلة الحدائق، الغارقة في الغلاء بعيدًا عن الرّخاء الذي كان، وعن الجمال الذي ذوى.

{كأنّه يرسم بالقلم كتابةً لا يمحوها النّسيان أو كأنه يكتب بالرّيشة روايةَ ما كان}

يتضمن المعرض إحدى وثلاثين لوحة مشغولة بتقنية الزيت على القماش، تتأصل فيها الذاكرة المرئية والروائية لبيروت في نهاية الأربعينات وحقبة الخمسينات إلى مطلع الستينات، من خلال قلب الفنّان ووجدانه وأسلوبه الباهر في الرّسم، فكأنّه يرسم بالقلم كتابةً لا يمحوها النّسيان، أو كأنه يكتب بالرّيشة روايةَ ما كان.

ملاحظة: يستمر المعرض لغاية الجمعة 26 كانون الأول 2025

زر الذهاب إلى الأعلى