رواية وروائيونسليدر

رشيد الضعيف/ ندم إبليس

يخوض الرّوائيّ رشيد الضّعيف في روايته الجديدة ” ندم إبليس” في غرائبيّة عالم الجنّ، ويروي قصّة زوجيْن عاشقيْن سعيديْن، كما جاء في أخبار الأوّلّين، يختبران تجربة الحمل والولادة، من غير أن يشعرا بالرئيّ أي بالجنيّ الذي قرّر أن يلتزم وليدهما راماعيل وأنْ يوسوس له ويرافق مجرى حياة هذه الأسرة السّعيدة، سعيًا منه إلى تحطيمها وتضليلها لإرضاء رؤسائه من عتاة الجنّ.

أمّا أسلوب الرويّ الذي اعتمده رشيد الضّعيف،فهو أسلوب حكائي متسلسل ومتقطِّع في آنٍ معا، فَفوْقَ كلِّ صفحات قليلة، يأتي العنوان ملائمًا لمسار الحدث المَرويّ. حيث إنّ متنَ الرواية يتداخل فيه عَالمَان: العالَم الكثيف المرئيّ المتمثِّل بالإنس، والعالَم اللّطيف غير المرئيّ المتمثل بالجِنّ، فيجري السِّياق الحَدثيّ بينهما بالتصادم بين الخير والشّر، وبين العلم والجهل، وبين السّعد والحزن، وبين الواقع والمنام. من هنا نجد أنّ شخصيّات الرّواية قد تشكّلت لتكون في مواقعها وأدوارها التي تخدم مناخَها الهُلاميّ – إن صحّ التّشبيه- بدءًا من الرجل الحكيم الذي احتار في أمر هذين الزّوجين الذين قصداه لحل مشكلتهما في الانجاب، مرورًا بالمرأة التي تدّعي الكشف عن أمور خفيّة والعطّار، انتهاء إلى سليْمى أو ليلى، ومن ثمّ لبنى.
ولا تخلو الرّواية من الحديث عن أصناف الظِّباء والطّيور والأفاعي ووبر الكلاب، وعلاقة الجِنِّ بهم، لا سيّما من ناحية تشكّلهم بصور بعض هذه الأصناف.
ولأنّ الرواية تبدأ من خروج سيّدنا آدم من الجنّة وهبوطه إلى الأرض، فإنّ ندَمَ إبليس كما يراه الكاتب هنا، لا يتوافق مع الرّواية الشّرعيّة، ذلك أن سيّدنا آدم لم يُظلَم، لأنّ الله ليس بظلّام للعبيد، إنّما هبوط آدم عليه السلام، كان اختبارا لذرّيته وللأمم التي تأتي بعده. أمّا إبليس فقد طُرد من الجنّة وكفر لأنه اعترض على أمر الله.

{تتوالى في هذا المناخ، ثيمات تاريخيّة ودينية وروحيّة، وتتوارى في عناصر مختلفة، من قبيل اللغة والخفاء والقرين}

بالمقابل، يقارب رشيد الضعيف في مناخ هذه الرّواية، السّرد التاريخيّ والدينيّ لمسألة الوحي، فيستولد حوارًا يشبهه ويوظفّه في عالم المنامات،حيث تتوالى في هذا المناخ، ثيمات تاريخيّة ودينية وروحيّة، وتتوارى في عناصر مختلفة، من قبيل اللغة والخفاء والقرين والتشكّل والوسوسة والاسطورة والخيال والحقيقة.
نقرأ من متن العمل وتحت عنوان” في طريق العودة”:
” لم تكن طريق العودة سهلة على راماعيل، فقد كمن له رئيُّه عند كل منعطف، وعند كل عين ماء، وتحت كل شجرة، وأعدّ له ما هو أقسى من النار وأشدّ إيلاما.
لقد قرّر الرئّيّ أن يُضعف رماعيل حتى يصبح بلا قوّة ولا إرادة، فيتحكّم فيه ويُملي عليه ما رغبَ. أراد أنْ يسحب منه إنْسيّته المتغلغلة فيه والسّائلة في دمه، وأنْ يحلَّ محلَّها نفْسًا مطيعة كنفْسِ حملٍ مطيع.
ولتحقيق هذا الهدف، يجب أن يَعْرى رماعيل من لحمه وشحمه لتلتفّ عظامه بجلده فقط.
فأضلّه الطريقَ أوّلًا، وزرع على الّطريق، عند كل مفترق، علامات تشير إلى الوُجهة الخطأ. أضلّه ضلالا مُهلكًا، حتّى وجد نفسه في وادٍ غريب بلا شجر ولا عشب ولا ماء، والفتاة المرافقة له قلقة على نفسها وعليه”.
لا شكَّ في أنّ بعض العبارات الواردة في الرّواية أيضًا، لا تتوافق مع علم التّوحيد وعلوم الفقه الاسلاميّ كالعبارة التي اختارها عنوانًا من عناوين التسلسل الرّوائي عن مشيئة القدر، ويقول فيها:” لا تعيني القدرعلى إتمام مشيئته”.

{اختار رشيد الضّعيف انتصار شخصيّات الرّواية الإنسيّة على الرئيّين، وغلبة الفرح على الحزن}

وبالعودة إلى السياق الروائيّ والنهائيّ للأحداث، اختار رشيد الضعيف انتصار شخصيّات
الرّواية الإنسيّة على الرئيّين، وغلبة الفرح على الحزن، وشيوع الأمان مكان القلق.
نقرأ في آخر صفحة من هذا العمل تحت عنوان” سعادة الوالدَيْن”:
” أمّا الوالدان، فقد سعدا بعودة عطر ابنهما له، سعادةً لا توصف، ونشَرا الورود في كلّ مكان من البيت حتى يتكاثف العطر كلّما تكاثفت فرحتهما.
وظلّت سليمى تذكّر أخاها بوعده:
– متى ستريني العالم من على القمم العالية؟ متى ستأخذني إلى القمم فوق الضّباب، وفوق الغيم؟”

-الكتاب صادر عن: دار الساقي
-الطبعة الاولى:2025
عدد الصفحات:158 صفحة من القطع الوسط.

زر الذهاب إلى الأعلى