ندوات ومقالات

علوية صبح / الكتابة الروائية بعيدًا عن الصورة النمطية للمرأة

 

ليست الرواية عندي هروبا من الواقع أبدًا، ولا تشكل لي هاجسا ايديولوجيا، لتغييره. السؤال عن التغيير ربما يتعلق بمدى فاعلية الفن والثقافة على القراء. أي ثقافة نقدّم؟ هذا الأمر يتطلب نقاشًا آخر.

الحقيقة أنني أكتب كاستجابة فنيّة وإنسانيّة لنداء داخليّ لفهم الواقع وللتعبير عن شخصيّات تسكنني. نداء لا يبحث عن يقين أو خلاص، وليس له رسالة سياسيّة أو غيرها. ولا الحكايا تسير تحت خيمة شعار، إنّما الأفق المفتوح على مدى التعبير الحرّ. يقلقني سؤال إذا ما كان اليأس من الواقع، العزلة، الوحدة غذّت خيالي لبناء عالم من لحم ودم، وخيال يحميني من هذا الواقع. أكتب كحالة تعويضية عن خسارات ما، أو وسيلة للشفاء كما يلجأ إليها البعض، فأنا طوال الكتابة أمرض حقًّا.
أكتب عن كل ما يجذبني للكتابة أو يصدمني في الواقع. وربما الصّدمة به يكون عملا خلّاقًا أحيانًا، حين يضيء على حيوات الشخصيّات حتى تلك المهزومة أو المأزومة أو الخائبة.
لستُ من سلالة أهل البوق، ولا اليقين الكتابيّ والحياتيّ، أو أستخدم الأدب لأفكار مسبقة جاهزة. هذا بالتأكيد ليس مختبر الفنّ ولا هواجسه عندي.
كلّ ما أؤمن به هو أنّ الفنّ المنزوع من الحياة هو فنّ مقتول وقاتل أيضًا. وأعتقد أن صدق الكاتب هو ما يجلب الحياة للسرديّة. إنه الانزياح، انزياحي عن الأدب” المؤدّب”، الذي يغلّف الواقع بإنشاء فضفاض ويغلّف حيوات الشّخصيّات الحقيقية كما الواقع. إنه انزياحي عن الخطاب الأيديولوجي والأفكار الجامدة التي تحنّط الشخصيات، كما السّرد واللغة وتنتج أدبًا ميتًا.
انزياح عن الأدب الذي يعلّب الصور ويحفظها في صورة نمطيّة عن المرأة، أو الأمومة أو الجسد، أو الحب، أو الذكورة، أو الأنوثة… وكلّ ما يتشكّل من هذه الصور المستهلكة التي نجترها كثيرا في الأدب.

{لم أحاول تسريب غضبي في الأدب ليقال عني إني متمردة كشعار مستهلك}

الحقيقة أنني لم أكتب يومًا لأني أعرف، بل لأستكشف عالمي الروائي وأعبّر عنه، بدون أي مواربة أو أقنعة لغوية. جابهتُ الواقع؟ نعم. العنف، الكراهية، قمع النساء، المجتمع الذي دمرته الحرب القذرة، الخطاب الديني المتطرّف، دون أن أقع في الخطابيّة. قاربت حتى ثيمة الهُويّة في روايتي الأخيرة ” إفرح يا قلبي”، بشكل مغاير عن كتابات الكتّاب الذكور. نعم جاهرتْ رواياتي بكل ما هو مخبوء ومحجوب في الأدب. أكتب بصدق دون أن أكترث سوى لما هو حقيقي عبر تعرية الذات والمجتمع، السلطات أيًّا كانت هذه السلطات دينية أم إجتماعية أم ذكورية متشددة، القامعة لحرية الإنسان، وخرائط علاقاتنا المدمَّرة وسلطة الخرافات والأفكار المغلوطة التي ترعبنا وتحثّنا على الخوف من الحياة، من الآخر،أيّ آخر، من الحب ومن العدالة. أنبش الوجع وأمجّد الحب والحياة. لم أغلّف العنف والكراهية وأخفيهما عن أدب أسميه “النظيف” الذي يدير ظهره لمشاكلنا الحقيقية والانسانية. ولا أدعو الشخصيات المأسورة أن تفكّ أسرها، ولم أحاول تسريب غضبي في الأدب ليقال عني إني متمردة كشعار مستهلك. لا، التمرد ادّعاء ما لم يكن تمردا على الأنماط الكتابية السائدة. الشعارات تقتل الأدب. التغيير يكون في إنتاج إبداع حيّ حقيقيّ مع متعة فائضة للقرّاء. لست معنية سوى أن أعبّر عمّا لا يعيق الفنّ والإبداع. ليس هاجسي سوى الكشف والمعرفة الفنية والإنسانية وبناء عالم روائي يضج بالحياة ويسوق نصّي إلى حرّيّته. الرواية سرد يبنيه الخيال، الخيال الذي يضيء الواقع ويرفع أسئلته عليه عبر كشفِه. ليس هاجسي أن أحرّض على الحريّة، هاجسي أن أكسر الحدود بين الفنّ والحياة.
ثمّة أسرار كثيرة بي أجهلها حول لماذا أكتب، لكني أعرف أن الكتابة كينونتي. هُويتي الذاتية. وسواس مؤلم وممتع. إنه الشغف الذي يتملكني كلّي. وسواس الفنّ الذي يقودني أحيانا إلى ما يُبهر ويُدهش بالمعرفة الفنية والإنسانية، لكنّه أحيانا يقودني إلى حدّ الانفجار أثناء الكتابة.
الرواية ليست إغفاءة عن آلام البشر، أو حيواتهم الحقيقية. تجربة واحدة في القراءة قد تعلمنا أشياء كثيرة. وربما تجارب أبطالي نتعلم منها ما تكشفه قصصهنّ وقصصهم. أنا نفسي أتغيّر بين رواية وأخرى، وربما تغيَّر القارىء بالتأكيد على معرفةٍ ما، لا أدري.

{الكتابة تستدرج الأفكار ولكن ليس بشكل خطاب جاهز}

بالطبع حين تُقارب الرواية الحياة لا بدّ وأن تطرح إشكالات كثيرة، والرواية بالنسبة إليّ عالم واسع مليء بالتناقضات والصراعات والتجاذبات، هي تستجيب دائما لكل الأفكار التي تأتيني حين أكون مستغرقة في ملاحقة حيوات الأبطال. يُقلقني التعرّف إلى حيوات بطلاتي وإلى عوالمهنّ وإضاءة خباياهنّ، وعلاقاتهنّ، ولملمة نثار ذكرياتهنّ، وكشفِ المكتوم في أعماقهن، وإعلاء أصواتهنّ المكمومة، لكنيّ لا أفعل ذلك إنطلاقًا من أفكار مسبقة. الكتابة تستدرج الأفكار، ولكن ليس بشكل خطاب جاهز، وإنما من خلال ترك الشخصيات تتحرك في الحياة لتقرَبَها الرّواية وتصير قريبةً منها.
ودون وعيٍ منّي رُحْتُ أهجس بأصوات النساء وتجاربهنّ وذاكرتهنّ أو حتى هزائمهنّ،
كما أنّي أهجس بالقول إنّ إعلائي أصواتَ النساء، وتشكيل ذاكرتهنّ في الكتابة، يبدآن بالشكّ في النمطيّ والذهنيّ الجاهزيْن، وبكشف المستور وتحرير الذاكرة الكتابية من صنميّتها، لينفتح القول على طرائق تعبيرية، قلقُها محاولة الكشف عن المضْمَر والمحتمَل وتحريرُه من سجون قولِه وطرائقِه الكتابية والأيديولوجية.
وبوعي مني سعيت إلى توليد الكلام حيث القلم رحْمٌ أنثوي يُضمِر فتنةً خاصّة وولعًا شديدًا بقدرة مؤنّث الكتابة على السّرد. نعم حلمتُ برائحة الحياة في الكتابة، وأردت حيزا كتابيا مفتوحا على الحرية وعلى مسرح الحياة ومشهديته لخرائط علاقاتنا المعقدة والمستورة، وأنْ أذهب بتلك الصورة إلى المعنى القابل للتشكيك والخلخلة والتماري داخل اللغة والشخصيات.

{لم أقاربْ تاريخ الأنوثة الحافل بالقهر انطلاقا من هاجس بحثي}

والحقيقة أنني تنصّرْتُ لجنس الكتابة دون أن أنسى هواجسي في التعبير عن جنسوية مَنْ أكتب عنهنّ وعن خصوصية تعبيراتهنّ وأقوالهنّ بلا خطاب أو أيديولوجيا. وهذا ما جعلني أُعلي أصواتَ الشخصيات، وأقوم برحلة اكتشاف لعالمها، وعالم النساء الموؤودات بالخوف والجهل والعنف والهزائم والإلغاء والوحشية والانغلاق على الذات، في آبار سحيقة تحبس الجسد والروح بالخوف من الآخر ومن الحياة والرغبات. آبار تجعل الروح والجسد في أماكن قصية ومحرَّمة ومظلمة. وكلّ هذا تطلّب منّي الذهاب إلى ما هو حقيقي ومتبئِر ومسكوت عنه، بحيث بدا لي ما هو ” تابو” عاديًّا، ومُلتصقًا أشدَّ الالتصاق بتفكيك الشخصية وفهمِها، وفهمِ علاقتها بذاتها وبالآخر، بل بوجودها، ومُلتصقًا أشدّ الالتصاق بحيوات النّاس وذهنيّة المجتمع، علمًا بأن الجرأة كما قلنا لم تكن هاجسًا أو هدفًا يحرّك العمل بقدر ما كانت حريّة الكتابة وفنيّتها هما هاجسي الأساسي. وبهذا المعنى لم أقاربْ تاريخ الأنوثة الحافل بالقهر انطلاقا من هاجس بحثي، ولم أتوسل من خلال الرواية حريّة المرأة مثلًا، أي توظيف الكتابة لغير أغراضها، لأن الكتابة بحد ذاتها هي فعل حريةٍ، يحوي أغراضًا عديدة لا تُحَدُّ بمقولة أو خطاب أو فكرة ما.
ما هو حقيقي في شخصياتي، جعل قرّائي، نساءً أم رجالًا، يجدون أنفسهم في الرواية ويتمارون مع البطلات والأبطال، وأنا نفسي كأنني أصير كل واحد منهم وأنا أكتب. أتقمصهم خلال الكتابة إلى حد أنني أنفصل عن الواقع خلالها، وليتحولوا هم إلى عالم حقيقي. أصير أنا هُم وهُم أنا، وهذا الفعل التقمصيّ يستدعيني لأعيش وأحسّ وأتفهم حيوات ومشاعر وسلوكيات الشخصيات. ربّما هذا سرّ من أسرار الكتابة الروائية عندي، تتلبسني كل شخصية إلى حد مرعب. أشعر بأنفاسهم وأشمّ روائحهم وأسمع نبضات قلوبهم وأنا أكتب عنهم، ليس بيدي فحسب بل بلحمي وكلّي.

{إنّ حرية أصوات الشخصيات شرط لكيلا نتحجر في اجترار القول الاستهلاكي المعمّم}

وفي كل مرة، في كل رواية، مع كل صوت نسائي كنت أحاول أن أعبّر عن عالم النساء وأدوارهن المختلفة وعلاقاتهن بأنفسهن وبالآخرين. في كل مرة أحاول أن أفهمهن وأستكشفهن، وأتعلم منهنّ كيف يجب أن أحكي حكاياتهنّ، حتى يحقَّ لي أن أحكيها. هذا الحقّ يبقى ادعاءً للكاتب، وربما الأصحّ هو وهْمٌ، لا يستطيع النجاة منه، ما دام يروي الحكايات.
إنّ حرية أصوات الشخصيات شرط لكيلا نتحجّر في اجترار القول الاستهلاكي المعمّم، ولكي نُبعد ثقل تنميط النساء في الكتابات الذكورية. مع أصوات النساء كما الرجال الحقيقية نتعلم النطق واللغة ولا نتآكل في خَرَس الموت. هي ما يجعلنا متحوّلين في كل لحظة نمتلكها، متغيرين بأرواح جديدة ومرايا جديدة كاشفة للذات والآخرين، حرية الشخصيات النسائية كي نزيح السلطات القامعة للأدب الحي، ولكي نحرّر الذاكرة الكتابية من صنميتها ونمطيتها، وأن نجاهر بحقّنا الإبداعي في التعبير. فأن نقرأ نصًّا حرًّا مبدعا يعني أن نتغير ونصبح قراءً أحرارًا، لأنّ الأدب بهذا المعنى يحرّر، ولست من القائلين بأنّ الأدب يبقى أبكم في أجواء الاستبداد والقهر والعنف. نعم أنا في كتاباتي مهجوسة بحلم الحرية لكل المقموعين والمقموعات. الحرية لأنها ليست ملكي وحدي وإنما لكل الناس ولأبطالي كما القرّاء.
وإنّ تعدد أصوات النّساء بطلاتي، هاجس أساسي عندي. أجد نفسي وأنا أتنقل في السرد بعفوية ويسر أمازجُ الفصحى بالعامية، الملهاة بالمأساة، الشعري بالعادي وغير ذلك من تنوّع السرد. وفي كل مرة، في كل رواية، مع كل صوت نسائي، كنت أحاول أن أعبر عن عالم النساء وأدوارهن المختلفة وعلاقاتهن بأنفسهن وبالآخرين. في كل مرة أحاول أن أفهمهنّ وأستكشفهن، وأتعلم منهن كيف يجب أن أحكي عن حكاياتهن.

* نصّ محاضرة الروائيّة علوية صبح في النّدوة الفكرية ” تضخّم الإنتاج الروائي العربي واللبناني،هروبٌ من الواقع أم مسعى لتحويله؟” التي أقيمت في “النادي الثقافي العربي” بتاريخ 5 كانون الاول 2025

زر الذهاب إلى الأعلى