رواية وروائيون

غادة علي كلش / ثلاثية شيخ الجبل حامل الطين

غادة علي كلش

قلّ من الروائيين العرب مَنْ خاض فضاء الرواية التاريخية التوليفية، ولا يدّعي كاتبُها التوثيقَ التاريخيّ بحرفيّته، بل يقدّم عملًا روائيًّا لغويًّا وسرديًّا، مبنيًّا على أحداث شهيرة. هذا ما يقدّمه الرّوائي عبد الرحمن جاسم قي ثلاثيته التي صدر منها حديثا الجزء الاول عن “دار المجمّع الابداعي” في بيروت بعنوان” حامل الطين” .

 الرواية  تضيىء على مرحلة زمنية من تاريخنا العربي والاسلامي،  وتسرد بأسلوب لغوي وتقني مرِن وغنيّ وشفّاف، مرثيّة الأحداث التي وقعت منذ العام 1050 م، أيّام شيخ الجبل الاول حسن الصّباح، ” الثائر، الوطني، الذي قاوم السلاجقة والدولة العباسية والحملات الصليبية في مناطق سلطته”. وحسن الصّباح المولود في إيران هو مؤسس الطائفة النزارية الإسماعيلية، كان زعيمًا دينيًا وعسكريًا وداعيًا إسماعيليًا، إشتهر بلقبه هذا بسبب استيلائه على قلعة الموت (قلعة ألموت) في المناطق الجبلية، حيث اتّخذها مركزًا لدعوته ونفوذه.  وقد اشتهرت طائفته في أوروبا بإسم الحشاشين، بعد أن تمّ –كما يقول المؤلف- تشويه حركته عبر وسم مجموعته بإسم الحشاشين، من خلال قصة كاذبة مُختلَقة نقلها الرحّالة الايطالي ماركو بولو وسواه”.

{الوصول إلى تعرية الأكذوبة السردية الغربية، التي من خلالها أطلق الاوروبيون على طائفة شيخ الجبل الاول صفة الحشاشين}

لا شكّ في أنّ جهدا كبيرا وشاقَّا، بذله الروائيّ جاسم في توليف وقصّ وسرد وتحديد اللغة الحوارية للشخصيات التاريخية ، سيّما وأنّ بعض خطوط الحبكة الدرامية للعمل، أسبغ عليها الكاتب بعض التداخلات الخيالية التي تطَلّبَها سياق الرويّ المرتبط بالتاريخانية، بشكل رئيسي، لكي يُشعِرُ المتلقي بسلاسة المقروء في آليّات السرد الروائي، ويزوِّده بحقائق المشهود من غابرات تلك المرحلة الزمنية.

عند هذا المنعطف، يسعى الروائي جاسم فيما يرويه ، ليس فقط إلى جعْلِ مفردات اللغة الروائية التي يبرع فيها، تنصهر مع البلاغة والمرادفات الجميلة والمفردات الطيّعة المعنى والأثر والوصول، بل أيضًا إلى تعرية الأكذوبة السردية الغربية، التي من خلالها أطلق الاوروبيون على طائفة شيخ الجبل الاول حسن الصّباح صفة الحشاشين. 

هدف الرواية

يقول جاسم مُعرِّفًا بهدفه الرئيسي من كتابة هذا العمل-ص 16- :” في المحصلة، كتبتُ هذه الرواية لتكون الجزء الاول من ثلاثية تتناول مرحلة معينة من التاريخ الاسلامي والعربي، مرحلة شُوِّهت  بالكامل عبر الغرب ومستشرقيه، والعرب ومستغربيهم، درسوا-أو لم يفعلوا- في جامعات أوروبا، ولبسوا ثيابها وأخلاقها وعقلها وروحيتها، ونسوا بلادهم تماما. خلال تلك الكتابة راجعتُ أكثر من 130 كتاب، وبحث جامعيّ، ومرجع تاريخيّ حول تلك الحقبة الزمنيّة. معظمها يختلف بعضه عن بعض، بشكل جذريّ إلّا في التفاصيل العامّة”.

{ورثنا هذه المسافة من مخطوطة لجنرال عسكري صيني يدعى تشوغ ليانغ والذي كان وصيا على عرش الامبراطور ليو شان}

أسماء وشخصيات راسخة في تاريخنا، إستحضرت الرواية ذكرها ومواقفها وشخصياتها، من قبيل حيّان القزوينيّ الذي كان يدير المؤن قي دار شيخ الجبل، وأبو الفتح ملكشاه إبن ألب أرسلان، محمد بن داوود بن ميكائيل بن سُلجوق بن دُقّاق، ثالث سلاطين الدولة السلجوقيّة. ناهيكم عن المغول والفرسان الخوارزميين، والمواجهات التي جرت في تلك الحقبة من التاريخ.
مسافة الامان

عند سرده لتعاقبية بعض المعارك ونتائجها، يصف الكاتب تفاصيل من  المواجهات التي وقعت بين الخوارزميين  والاسماعليين، وفي ذلك يقول (ص 78) :” بلغت المسافة بين قائد الفرسان وشيخنا الصبّاح قرابة المترين ونصف المتر نظريًّا. بالنسبة إلينا، كانت تلك المسافة ممنوعة بشكل مطلق. ممنوع أن يُلمَس الصبّاح بحضورنا. ممنوع أن يقترب منه أحد إلا بمقدار الحد الذي نسمح به: عشرون مترا. ورثنا هذه المسافة من مخطوطة قرأناها لجنرال عسكري صيني يدعى تشوغ ليانغ والذي كان وصيا على عرش الامبراطور ليو شان من سلالة شو. حكى الرجل بالفم الملآن أن أكبر خطر يهدد الرجل هو مسافة الامان”.

أما عن قلعة ألموت الشهيرة ب قلعة الموت، فقد “بنيت منذ مئات السنين، لم نعرف بالضبط- يقول الكاتب- من بناها. قيل عنه أحد الامراء الديلميين، أصحاب الارض القدامى وورثها أحفاده، لكن لم يُعرَف من هو الشخص المسؤول حصرا عن عمل كهذا، متقن مسبوك بعناية وتؤدة شديدة. والأسطورة تقول إن هذا الامير كان مغروما بالصيد، فأطلق ذات يوم عقاب صيده وتبعه إلى تلك الارض المرتفعة العالية”(ص108).

{التاريخ يكتبه الاقوى، والحائز إنتصارًا، لكن ماذا عن القصة الحقيقية، من يرويها؟ من يحملها؟ من يكتبها؟}

الخلاصة

إنّ ضخامة الجزء الاول من رواية “حامل الطين”، تعجز مقالة صحافية عن الامساك بجميع مساراته التاريخية: الدلالية والبنائية والسردية والتصويرية والفنية معًا. لكنّ العصارة التي يمكن استشفافها وتقديمها للمتلقي، أنّ الجزئين الثاني والثالث سيكملان العثور على أجوبة التاريخ الحقيقية، خاصّة وأن الكاتب عبد الرحمن جاسم يُخلِص بشكل كبير في عملية البحث عن وثائق قديمة وصحيحة يفنّد بها الاكاذيب. وها هو يتساءل في ختام الجزء الاول:” ماذا أخفى كتاب التاريخ عنا؟ أعلم أنّ التاريخ يكتبه الاقوى، والحائز إنتصارًا، لكن ماذا عن القصة الحقيقية، من يرويها؟ من يحملها؟ من يكتبها؟ وإنْ فعل: هل سيقرؤها أحد؟ وهل تصل؟”

يقع الكتاب في 552 صفحة من القطع الكبير

الطبعة الاولى: 2025/ الناشر:دار المجمّع الإبداعي-بيروت

زر الذهاب إلى الأعلى