ندوات ومقالات

وليد نويهض / فلسفة المعتزلة قبْلَ أوانها وسابقة لزمانها

بعد سبعة عقود على صدور كتاب ألبير نصري نادر

وليد نويهض

*بعد مرور حوالي سبعة عقود على صدور كتاب “فلسفة المعتزلة” للدكتور ألبير نصري نادر أعادت دار الوراق إصداره في طبعة جديدة بإشراف وتقديم ياسين السالمي.(*)
الكتاب في الأصل هو بحث مقدّم لنيل شهادة الدكتوراه في الآداب من جامعة السوربون في باريس بتاريخ 2 تموز/يوليو 1949. ويعتبر عمل الدكتور نادر هو الكتاب الأكاديمي الثاني من ناحية الترتيب الزمني بعد كتاب “المعتزلة” للدكتور زهدي جارالله الذي صدر في العام 1947.

آنذاك كانت الكثير من مخطوطات شيوخ المعتزلة لم تُكتشف أو تُحقق، لذلك اضطر الكاتب أن يعتمد أحيانًا على مقالات خصوم المعتزلة كابن حزم والأشعري والبغدادي والشهرستاني والملطي لقراءة خلفيات الاختلاف بين الفِرَق وأسباب تعارض آراء الشيوخ.
وبسبب هذه الثغرة لجأ الدكتور نادر إلى استخلاص وجهات نظر شيوخ الاعتزال من فقرات أتت الكتب على شرحها أو توضيحها في الكثير من المصادر التراثية.
بعد ذلك أعاد ترتيب الآراء وفرزها إلى موضوعات تناولت مثلًا فكرة الخالق (علومه، إرادته، عدله، كلامه، رؤيته، وجوده) وقصّة الخلق والمخلوقات، ومسألة الأجسام والجزء الذي لا يتجزّأ، وقانون الحركة والعلّة وأنواعها، وموضوع الأعراض والأحوال والأنواع والأجناس، وحقول المعرفة والعقل والمعارف، ومعاني الاختيار والإرادة والأخلاق، والاختلاف بين المؤمن والكافر، وما هي مجالات الاتصال بين الإمامة والسياسة أو بين العقل والشريعة.

{ مخطوطات شيوخ المعتزلة لم تُكتشف أو تُحقق، لذلك إضُّطر الكاتب أن يعتمد أحيانًا على مقالات خصومهم}

جاءت الأطروحة على كل هذه الموضوعات وفق تسلسل زمني بدأ منذ التأسيس والخطوات الأولى، ثم الانتشار وتوسع النفوذ، ثم الصعود إلى السلطة والتحكم بمساراتها الأيديولوجية، ثم انقلاب الخليفة المتوكل على شيوخها وفِرَقها، ثم الطّرد من السلطة وبداية التراجع، ثم انشقاق الأشعري عن المعتزلة والردّ عليها، وأخيرًا استقرار مدارسها وانكماشها وصولًا إلى تلاشي قوتها الفكرية واضمحلالها الزمني في مطلع القرن السادس الهجري، إذ يُعتبر الزمخشري (توفي 538هـ) آخر ممثّل للاعتزال في عصره.
حاول الدكتور نادر في أطروحته الجامعية ملاحقة مختلف موضوعات المعتزلة التي بدأت بسيطة وعادية في مرحلة التأسيس، وهي الفترة التي قادها واصل بن عطاء (توفي 131هـ) وصهره عمرو بن عبيد (توفي 143هـ) ثم أخذت بالتمدّد بقيادة عثمان الطويل وحفص بن سالم والحسن بن زكوان، ثم بدأت بالانتشار في البصرة قبل الانتقال إلى بغداد.

{انشطرت المعتزلة إلى عشرات الفِرق، وساهم فائض القوّة الذي ارتقت إليه في توريطها في صراعات فقهية مع العلماء}

بعد مرور أقل من مئة سنة على التأسيس أصبحت فرق المعتزلة تمتلك أدوات نفوذ في السلطة وبدأت تمارس تأثيرها الأيديولوجي على الشارع وشريحة واسعة من المثقفين في البصرة وبغداد.
خلال هذه الفترة دخلت فِرَق المعتزلة عصرها الذهبي وأصبحت نخبها تمثّل قوّة لا يمكن مقارعتها حين قاد الاسواري (توفي 200هـ) ومعمّر بن عباد (توفي 220هـ) والنظّام (توفي 231هـ) والشحّام (توفي 233هـ) والعلاّف (توفي 235هـ) وعباد بن سليمان (توفي 250هـ) والجاحظ (توفي 256هـ) أنشطتها في البصرة بالضدّ من فرع بغداد الذي أسّسه بِشر بن المعتمر (توفي 210هـ) وتابعه ثُمامة بن الأشرس (توفي 213هـ) والمردار (توفي 226هـ) وجعفر بن مبشّر (توفي 234هـ) وجعفر بن حرب (توفي 236هـ) والاسكافي (توفي 240هـ).
خلال هذه الفترة الثريّة في سجالاتها انشطرت المعتزلة إلى عشرات الفِرق، وساهم فائض القوّة الذي ارتقت إليه في توريطها في صراعات فقهية مع العلماء والأئمة ما أدى لاحقًا إلى إثارة الشارع (العامّة) ضد طروحاتها على رغم أنها نجحت في بسط نفوذها الأيديولوجي على السلطة وتحديدًا في عهود المأمون والمعتصم والواثق.
خسرت المعتزلة كثيرًا من صدقيتها بعد تعاملها السياسي مع مراكز القوى في الخلافة العباسية ما أدى إلى انزلاقها في مواجهات عقائدية (مسألة خلق القرآن) قادها صاحب الوزارة المعتزلي المتطرّف أحمد بن دؤاد (توفي 240هـ) ضدّ الفقهاء ورجال الدين… فانتهى الأمر بخروجها من السلطة وطردها من البلاط في عهد الخليفة المتوكل.
حاولت فرق المعتزلة احتواء الموقف بإعادة تجديد خطابها الفلسفي والتكيّف مع الشارع الذي انحاز إلى العقيدة بسبب تلك التأويلات التي لجأ إليها شيوخ الاعتزال كالخيّاط (توفي 290هـ) والجبائي الأب (توفي 303هـ) والفوطي (توفي 318هـ) والكعْبي (توفي 319هـ) والجبائي الابن (توفي 321هـ).
فقدت فِرَق المعتزلة في هذه الفترة الكثير من بريقها ولم تعد تلك القوّة الجاذبة للنخبة الإسلامية بعد أن نجح الأشعري (أبو الحسن) في التمرّد عليها والرد على مقالاتها في كتاب كان له دوره في تطوير المنهج الكلامي في الفقه الإسلامي.

{ خسرت المعتزلة كثيرًا من صدقيتها بعد تعاملها السياسي مع مراكز القوى في الخلافة العباسية ما أدى إلى انزلاقها في مواجهات عقائدية}

آراء واجتهادات
أدى انكفاء فِرَق المعتزلة عن السلطة إلى تراجع تأثيرها السياسي على النخبة في المراحل اللاحقة، إلا أن نشاطها الإيديولوجي استمر ينتج الكثير من الأفكار التي نجحت في الصمود قليلًا في مواجهة ردود الفعل المتباينة في انفعالاتها دفاعًا عن العقيدة.
إلا أن التراجع العام عن موقعها الخاص لم يسقط بسرعة زمنية قياسية بل استمرت طروحاتها تمارس تأثيرها المعنوي على بعض الشرائح التي نجحت في المحافظة على تلك المبادئ العامة التي تميّزت بها وتحديدًا في موضوعات العدل والتوحيد ونفي الصفات وردّها إلى الذات الإلهية.
حاول الدكتور نادر في كتابه الجامعي المبكر توضيح تلك الآراء والاجتهادات التي اشتغلت عليها فِرق المعتزلة ثم اختلفت بشأنها ما أسهم في بعثرة خطابها لاحقًا.
يؤكد الدكتور نادر وجود تلك الاختلافات في الجزئيات، إلاّ أنه يشير إلى جوامع مشتركة كانت تشدّ الفرق إلى دائرة واحدة تمثلت في نفي الجسميّة وكل مشابهة عن الخالق. فالصفات هي مجرد اعتبارات ذهنية تُردّ جميعها إلى ذات واحدة. فالخالق لا يفعل إلاّ الأصلح وإلاّ الخير وهو لا يظلم أبدًا حتى لو قدِر على الظلم. والإنسان بمحض إرادته يصبح مطيعًا أو كافرًا، وهو يختار ما بين الخير والشر.
وبسبب تمييز فِرَق المعتزلة بين قدرة الخالق وما يقدُر عليه واجهت مشكلة الإجابة عن سؤال: من أين يأتي الظلم؟ وسؤال: من أين جاء الشر؟ إذا كان الظلم والشر والكفر يأتي من كائن حرّ الإرادة فمعنى ذلك هناك شريك آخر في عملية الخلق وبالتالي فإن كلام الخالق حادث كذلك القرآن.
حاولت فِرق المعتزلة التمييز في الفعل الإرادي بين وقتَين: العزم والتنفيذ. العزم يسبق التنفيذ بوقت (ص 264) في اعتبار أن الإنسان هو الفعّال (ص 274) والعقل هو السلطان ولا يجوز أن يتعارض مع الوحي “في أي حال من الأحوال” (ص 277). كذلك الأخلاق فهي مشتقّة من التوحيد (ص 283)، بينما “العقل يدرك القيمة الخلقية للأفعال” (ص 286)، لكون القيمة الخلقية “صفة نفسية للفعل” (ص 288) وهي لا تأتي من الشرع “بل في الفعل ذاته” (ص 288) لأن الشريعة تدرَك مباشرة بالعقل ولا تُعرف إلا بالسمع (ص 290).
تفرّق المعتزلة بين الجسم والحركة. فالأجسام كلها متحركة بينما السكون هو الثبات في مكان واحد (ص 177)، لكن لكل حركة نقطة بداية ونقطة نهاية ولا بدّ لها من مكانَين وزمانَين (ص 178). وهناك أيضًا علّة تُنتج المعلول، إذ لكل حركة علّة وهي تكون سابقة للمعلول وأحيانًا تكون معه وأحيانًا تتأخّر عليه، ولكن العلّة الغائيّة هي الأولى وهي دائمًا تسبق معلولها (ص 193)، لأنها لجميع المخلوقات ولكونها “هي أمر الله” (ص 194)، وهذا هو بالضبط مبدأ الحتمية عندهم (ص 202).

{ جوامع مشتركة كانت تشدّ الفرق إلى دائرة واحدة تمثلت في نفي الجسميّة وكل مشابهة عن الخالق}

جاء مبدأ الحتمية عند المعتزلة لتأكيد دفاعها عن فكرة التوحيد من دون أن يتعارض قولها مع مسألة المعرفة وأنواعها ومصادرها. فالمعرفة عندها موزّعة على الحواس الخمس، وكل حاسّة خلاف الأخرى ولكنها ليست مخالفة لها. والمعرفة الحسّية ليست كافية لإدراك كل حياتنا العقلية، لأن الحواس مهمة في تكوين المعرفة لكنها تحتاج إلى المعرفة العقلية في اعتبار أنها تساعد على إنتاج المعرفة النظرية (ص 235). العقل يمتلك القوة التي تدرك الحقائق المتفوقة على الحسّ ويمكنه الوصول إلى المعاني الكلية التي تتجاوز الجزئيات. إذن هناك درجات تبدأ المرحلة الأولى بالمعرفة الحسّية وتليها المرحلة الثانية وهي المعرفة العقلية (ص 237).
العقل عند المعتزلة بإمكانه أن يصل إلى معرفة الحقائق الأساسية، وهذا لا يحصل عند الإنسان “إلا إذا نضج عقله” (ص 242). ولا يعني الأمر أنه قادر على إدراك كل الحقائق. فهناك بعض الحقائق لا يمكن التعرّف عليها إلا عن طريق الخبر، لذلك تبقى المعرفة جزئية ونسبية (ص 248).
العقل إذن قوة خاصة بالإنسان، لكنه لا يعمل إلاّ إذا بلغ درجة معيّنة من النضوج تساعده على إدراك المبادئ الخلقية أو تلك التي ترشده إلى المعرفة (ص 255) التي تتولّد من الإرادة أو الفعل الإرادي الذي يصدر مباشرة من الإنسان (ص 258).
لهذا كانت فرق المعتزلة تركز على مسألة الإنسان العاقل ولا تعارض اختياراته، فهو “في إمكانه إدراك الشريعة، وفي إمكانه الخضوع إليها أو مخالفتها” (ص 306). وبسبب هذا القول رأت مدارسها أن الإنسان “لا يستحق الثواب إلاّ مَن أدرك الشريعة وعمِلَ بموجبها حرًّا، ولا يستحق العقاب إلاّ مَن أدرك الشريعة وخالفها حرًّا” (ص 309)، أي “إن الإنسان يستحق بفضل إرادته الحرّة، الجنّة أو النار حسب ما أتى من أفعال” (ص 310). فالخالق برأي المعتزلة “لا يفعل الشر أبدًا ولا يظلم واحدًا من مخلوقاته” (ص 311). وهكذا “يصبح الإنسان بفضل اختياره لأفعاله، مختارًا لجزائه” (ص 321). برأيها هناك ما يشبه النزاع بين العقل والإرادة. فالمؤمن “هو مَن يعرف الشريعة ويعمل بمقتضاها” (ص 292). والكافر هو مَن يعصي الشريعة، و”المعصية لا تكون إلاّ من كائن حرّ مختار يخلق في نفسه هذه الحالة” (ص 293). ومَن يعصي الشريعة “لا يفقد الإيمان ولا يزال موحّدًا” (ص 300). فالمعتزلة “لا تحكم على ما هو ظاهر من الأفعال” (ص 301) وهي تسترشد “بالشريعة العقلية للحكم على الكبائر” (ص 303). والفاسق “يمكنه أن يتوب عمّا أتى به من معصية” (ص 303).

{ العقل قوة خاصة بالإنسان، لكنه لا يعمل إلاّ إذا بلغ درجة معيّنة من النضوج تساعده على إدراك المبادئ الخلقية أو تلك التي ترشده إلى المعرفة}

برأي فِرَق المعتزلة “أن الشريعة تُدرك بالعقل قبل أي تنزيل” (ص 335)، لذلك حاولت “أن تُخضع الدين أو الوحي إلى سلطان العقل” والإنسان “يستطيع أن يفعل خلاصه بواسطة عقله وإرادته” (ص 336) حتى في موضوع الإمامة ووليّ الأمر. برأيها إن كل مجتمع يحتاج “الى رئيس يديره وإلى دستور وقوانين تنظّم شؤونه” (ص 325)، لكنها اختلفت على أسلوب الاختيار. فهي بالرغم من اعتمادها على الأصول الخمسة في رؤية الآخر (التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتَين، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر) لم تنجح في التوصل إلى صيغة مشتركة للاختيار السياسي ما أسهم في انشطارها إلى فِرَق متنافسة في تعاملها مع السلطة أو في رؤيتها لمسألة الإمامة وهل تأتي بالنص أو التعيين أو ينالها مَن هو أهلٌ لها. واشترطت حتى تكون الثورة على الإمام شرعية يجب أن يرتبط مبدأ القوّة بمبدأ العدل تحت سقف ميزان العقل في اعتبار أنه هو “مقياس التنزيل” (ص 333).
استخدم شيوخ المعتزلة “العقل” ذريعة للتأويل أو في مواجهة الخصوم حين استغلوا تعاطف السلطة معهم لمحاربة المخالفين لقولهم في “مسألة خلْق القرآن”، فاعتمدوا القوة لا مبدأ العدل لقمع الآراء المضادّة حين تولى أحمد بن أبي دؤاد مناصب وزارية (قاضي القضاة) لمدة 28 سنة (بين 204 و232هـ) في عهود المأمون والمعتصم والواثق. وأدى استغلال شيوخها السلطة لمناصب وزارية واستخدامها كإطار للملاحقة والمحاكمة إلى انهيار منظومة المعتزلة الفلسفية واضمحلال تأثيرها السياسي مع مرور الزمن.

{لا يزال الكتاب يتمتع بحيوية فكرية لكونه قرأ مقولات المعتزلة في سياقَين: نظري وسياسي}

لم تغب فِرَق المعتزلة عن المشهد التاريخي فجأة بل حاولت أن تجتهد في تجديد خطابها الأيديولوجي على الرغم من تراجع وظائفها السياسية بعد انشقاق الأشعري عن الجبائي الأب واختلاف الجبائي الابن مع والده وتأسيسه فرقة عُرفت بالبهشمية أو الهاشمية التي تخرّج منها محمد بن البصري، وأحمد بن يوسف بن يعقوب الطنوجي (توفي 377هـ)، والحسين بن علي البصري (توفي 399هـ)، وابراهيم بن عياش البصري. والأخير (أبو اسحق) كان أستاذ القاضي عبد الجبار بن أحمد الحمداني (توفي 415هـ) الذي عُرف باعتداله واشتغاله على إعادة الاعتبار لموقع المعتزلة وتنشيط دورها في بناء منظومة معرفية. أسهمت محاولات القاضي عبد الجبار في إثارة قضايا كلامية لكنها لم تنجح في الاستمرار بسبب خلافات فِرقها وكثرة انشقاقات التلامذة عن الأساتذة والأتباع عن الشيوخ والأبناء عن الآباء.
جاءت خطوة القاضي عبد الجبار المهمة في الوقت الضائع لأنها تأخرت في الالتحاق بالمسار العام الذي قاده الأئمة والعلماء في معركة تجديد الفقه وتطوير أدواته المنهجية.
برأي ألبير نصري نادر أن زوال المعتزلة شكّل خسارة كبرى للمسلمين، والسبب كما يقول “لم تكن العقول مهيّأة” آنذاك لتقبّل مثل هذا النوع من التفكير قبل عشرة قرون من الزمن الحاضر.
على رغم مرور سبعة عقود على أطروحات نادر لا يزال الكتاب يتمتع بحيوية فكرية لكونه قرأ مقولات المعتزلة في سياقَين: نظري (موضوعات فلسفية) وسياسي (انقسامات وانشقاقات واجتهادات) ما أسهم في بلورة منهجها الكلامي الذي كان له دوره الحاسم في إثارة الجدل مع الخصوم وتنشيط حركة الفقه دفاعًا عن العقيدة.
* * * * *

زر الذهاب إلى الأعلى