الهندسة المعمارية في معالم بيروت العثمانية

تتعدّد معالم المنشآت العثمانيّة التي شهدتها بيروت في أوائل القرن العشرين. وأذكر في هذا المضمار حديقة الصنائع التي تقع في محلّة القنطاري وهي معروفة حتىّ يومنا هذا بتلك التسمية نسبة لمكتب الصنائع والتجارة الحميديّ. وقد أنشئت سنة ألف وتسعمائة وسبعة، وكانت حديقة بديعة الشكل تبهج الناظر وتسرّ الخاطر.
كما كانت هنالك دار الحكومة التي كان موقعها إلى الجنوب من سينما ريفولي في ساحة البرج وقام ببنائها في أواخر سنة ألف وثمانمائة وأربعة وثمانين والي سورية أحمد حمدي باشا، ووضع هندستها بشارة أفندي الدب مهندس بلدية بيروت التي كان يرأسها في تلك الفترة الحاج محي الدين أفندي حمادة، ويتألّف المبنى من ثلاث طبقات بلغ طولها من الشمال إلى الجنوب ستّة وأربعين مترًا، وعرضها من الشرق إلى الغرب إثنين وأربعين مترًا، وإرتفاعها عن وجه الأرض سبع عشرة مترًا قائمة على مائة وثلاثين دعامة. أمّا عدد حجراتها ومساكنها فثمانون محلاًّ، فيمابلغت نفقة بنائِها أربع عشرة ألف ليرة عثمانية.
وقد شهدت حفل إفتتاح كبير، حيث كانت معلمًا من معالم المسلمين في ذلك الزمن، بدليل اشتراك المفتي ونقيب الأشراف فيها،لذلك إفْتُتِحت هذه السراي في ذكرى المولد النبويّ الشريف.
أمّا القشلة الهمايونية، فقد عُرفت فيما بعد بالسراي الكبيرة تمييزًا لها عن السراي الصغيرة. والقشلة معناها الثكنة العسكريّة أو الموقع العسكريّ، وقد بُني مبناها حواليّ سنة ألف وثمانمائة وواحد وخمسين،ويقع في المنطقة التي تسمّى حتىّ يومنا هذا منطقة السراي إلى الغرب من بوّابة يعقوب،ويبدو أنّ اختيارها في هذا الموقع يعود لأهميّة الأرض المرتفعة المشرفة من ناحية الغرب على المدينة القديمة،وتدلّ وثائق المحكمة الشرعية في بيروت، أنّ غربي المدينة القديمة كان يُعرف بمنطقة الثكنات، ولعلّه كان يوجد قبل بناء القشلة الهمايونية ثكنات للعساكر العثمانيّة في هذه المنطقة، ثم بعد ذلك، تمّ بناء هذه القشلة الضخمة.
بالمقابل، فإنّ القيّمين على منظمات الارساليّات وخاصّة البروتستانت قد أنشأوا ساعتين في بيروت إحداها فوق بوّابة يعقوب إلى الغرب، وتسمّى ساعة الأميركان، وأخرى داخل مباني الكلّية السّورية البروتستانتية، التي صارت تُعرف بالجامعة الأميركيّة، مما حدا بالحكومة العثمانيّة لأن تنشئ ساعة مشابهة لهاتين، وهنا كتبت جريدة “ثمرات الفنون” عن ذلك تقول: نشكر لحضرة ملاذ الولاية الجليلة حسن نظيره في إقامة هذا البناء الأثريّ بشكله البديع تلقاء بقية الساعات التي أشادها الأجانب في مكاتبهم.” وقد بوشر بإنشاء ساعة السرايا سنة ألف وثمانمائة وثمانية وتسعين في ساحة الموقع العسكري، أو القشلة الهمايونية، على الطراز البديع العربي تحت مراقبة لجنة مؤلّفة من الأمراء العسكرييّن وغيرهم، حيث كان يعتبر برجها من أهمّ الأبراج حتّى في أجمل عواصم أوروبا وذلك لكثرة ما بولغ به من الإتقان وجمال الرونق والزخرف، فإنّه قد إستعمل فيه عدّة أنواع من الأحجار المختلفة الجميلة منها الحجر الرملي البيروتي المشهور، والبركاني الأسود، والطباشيري الأبيض، والحجر الصّلد، والحجر السمّاقي الجميل، مع البلاط الرخاميّ. أمّا الساعة التي وضعت في ذلك البرج فإنها تُدار مرّة في الأسبوع، ويبلغ وزن ناقوسها ثلاثمائة كيلوغرام، ويكون لها وجهان على الحساب العربي وءاخران على الحساب الإفرنجي الزوالي،ويبلغ محيط دائرتها متر وستّين سنتيمترًا وءالاتها من النّحاس. ومن المعروف أنّ السراي الكبيرة وبرج ساعتها لا يزالان قائمين إلى يومنا هذا.
{ بلغ عدد القناديل التي أنيرت في شوارع بيروت حواليّ ستمائة وأربعة قناديل سنة ألف وثمانمائة وإثنين وتسعين}
وفي المقلب الآخر، ينبغي سرد الانجازات التي تحقّقت على أيدي العثمانيّين في بيروت،
والتوقف عند مرحلة تنوير بيروت بالغاز ثم بالكهرباء التي جرت في شهر رجب سنة ألف وثلاثمائة وخمسة ه/ءاذار ألف وثمانمائة وثمانية وثمانين م ، حيث تمّ تنوير جزء من بيروت بالغاز واحتُفل لهذا الأمر بالحديقة الحميديّة. وقد أسرجت “شركة تنوير بيروت بالغاز” قناديل الغاز بطريق المعمل إلى ساحة البرج وسهلة الصور – أي السور – وكان احتشاد النّاس كثيرًا لمشاهدة هذا النّور،ويبدو أنّ الإنارة بدأت أوّلاً تنتشر في المدينة القديمة والساحات الحديثة خارج سورها القديم، ثمّ في الأحياء الجديدة. وكان قد بلغ عدد القناديل التي أنيرت في شوارعها حواليّ ستمائة وأربعة قناديل سنة ألف وثمانمائة وإثنين وتسعين م عندما تقرّر زيادتها إلى تسعمائة وخمسة عشر قنديل، وكانت الشركة تتقاضى عن ساعة التنوير في تلك الفترة أربعة سنتيمات ، أي نحو ثماني بارات. أمّا أجرة تنوير المتر المكعّب الذي كان يُباع إلى الأهالي فيبلغ خمسة وثلاثين سنتيما، وهذه القناديل كانت تنير شوارع المدينة ليلاً ما عدا ليلة التاسع حتى الثامن عشر من كلّ شهر هجريّ في أيّام الصيف مستفيدة من ضوء القمر وذلك لتخفيض الكلفة التي كانت تبلغ سنويًّا إثنين وستين ألف فرنك تدفعها بلدية بيروت للشرك. وبسبب مدّ خطوط الترامواي الكهربائيّ داخل شوارع بيروت، صارت الحاجة إلى توليد الطاقة الكهربائيّة، فصدر في سنة ألف وتسعمائة وثمانية م قرار يمنح إمتياز تنوير بيروت بالكهرباء إلى شركة الغاز الهوائيّ فيها.
لقد كانت بيروت مرتبطة بالمدن الساحلية شمالا وجنوباً بطرق شُقّت منذ القِدم، ولكنّ الطريق المهمّة كانت تلك التي ربطتها بمناطق الداخل العربيّ الإسلامي مخترقة جبل لبنان، ففي الثامن والعشرين من تموز من العام ألف وثمانمائة وسبعة وخمسين م حصل الكونت دي برتوي على إمتياز شقّ طريق بيروت – دمشق، وفي سنة ألف وثمانمائة وثلاثة وستيّن مشت عربات الدليجانس التي تجرّ الواحدة منها ستّة من الخيل، حيث كانت تمضي ثلاث عشرة ساعة بين المدينتين قاطعة مائة وإثني عشرة كلم. وبعد أن انتهت مدّة إمتياز هذا الطريق أحيل إلى إدارة السكّة الحميديّة الحجازيّة سنة ألف وتسعمائة وسبعة.
{تمّت مشاريع كبيرة لتوسعة طرقات البلد في تلك الأحياء مثل طريق المدرسة البطريركية وطريق زاروب الحرامية}
وبعد نموّ المدينة إحتيج إلى توسيع طرقاتها وتعميرها ورصف بعضها بالبلاط. فشُقت طرقات جديدة لربط الأحياء المستحدثة ببعضها، وتمّت مشاريع كبيرة لتوسعة طرقات البلد في تلك الأحياء ،مثل طريق المدرسة البطريركية، وطريق زاروب الحرامية، وطريق فرن الحايك، وطريق حاووز المحافر من تربة حمدي باشا إلى جامع المسيطبة، وطريق مار الياس من حاووز الساعاتية إلى طريق القنطاري، وطريق الخشّابة من ملك الغندور إلى لوكندة بسول وأملاك أيّاس والشيخ، إلى طريق جامع رأس بيروت. وفي سنة ألف وتسعمائة وواحد إرتأى والي بيروت فتح طريق يبتدئ من قرب جامع المسيطبة مارًا في حرج الصنوبر بجوار مقام الإمام الأوزاعيّ حتى يبلغ قرية برج البراجنة وفيها يتصل بطريق صيداء الذي كان يجري فتحه في تلك الفترة. وكان لهذا الطريق فوائد جمّة، منها أن الذاهبين إلى صيداء و القادمين منها يقتصدون بمرورهم عليها مسافة ساعتين، وأنّ زوّار الإمام الأوزاعيّ الواقع بالقرب من ممرّ الطريق يتخلّصون مما يعانونه من المشاقّ بسبب عدم إنتظام طريقه.
توسَّعت العاصمة في تلك الحقبة. ومنها هضبة رأس بيروت، فمن محلاّتها المشهورة السكريّة وشوران وجلّ البحر ومحلّة سهوم الحمرة أو زقاق الحمرة أو كرم الحمراء، وحيّ الطنطاس. محلّة الطنطاس موقعها تجاه الكليّة السورية البروتستانية التي صارت تُعرف بإسم الجامعة الأميركية في بيروت، وكان أهلها في سنة ألف وثمانمائة وسبعة وسبعين يستقون من عين المريسة، ولكن قُطِع طريقهم عن عين المريسة بسبب تصوين أرض المدرسة المذكورة، فقام أحد المحسنين، مؤيد بك العظم، بإنشاء سبيليْن للماء في محلّة الطنطاس إضافة لمشاريع أخرى.
أمّا سهوم الحمرة أو زقاق الحمرة أو كرم الحمراء فهي أراض أخذت أسماءها من بني الحمراء الذين سكنوها وبنوا زاويتهم المشهورة المسمّاة بزاوية رأس بيروت أو جامع الحمراء حيث كانوا مرابطين في هذه المنطقة الواسعة لحراسة الشواطئ من الغارات ولهذا السبب كانوا يُسمّوْن درك بيروت.
أمّا إلى الشرق من المدينة القديمة فكانت تنتشر أحياء الجميّزة والرميل والقيراط. فحيّ الجميزة كان في محلّة الصيفيّ إلى الشرق من المنطقة المعروفة بجنينة أبي صالح طبّارة الواقعة شرقيّ مقبرة المصلّى وكانت مشهورة بإسم جميّزة يمين ومن أزقتها زقاق منيمنة.
وشرقي جميزة يمين ،كانت تمتد محلّة الرميل ومن أزقّتها زقاق سميسمة وزقاق ديه وزقاق سيّدنا الخضر عليه السلام.
وأما حيّ القيراط فهو بالقرب من برج الكشّاف، وعُرف من أزقّته زقاق دعبول وزقاق شباره أي شبارو، واشتهر فيه أيضا بستان بني محيو.
{منطقة الأشرفية قيل إنها سمُيّت بذلك نسبة إلى الملك الأشرف خليل بن الملك المنصور قلاوون}
بالمقابل لا بدّ من ذكر منطقة الأشرفية فقد قيل إنها سمُيّت بذلك نسبة إلى الملك الأشرف خليل بن الملك المنصور قلاوون سنة ألف ومائتان وواحد وتسعين وهو الذي حارب الصليبيين وتمّ على يده فتح صور وصيدا وبيروت وغيرها من مدن الساحل، وأطلق على هذه الحروب الفتوحات الأشرفيّة. وفي كتاب “تاريخ بيروت”المنسوب لصالح بن يحيى ورد ذكر إسماعيل بن هلال من الأشرفية زمن السلطان الناصر بن قلاوون.
وقد تحدّث أحدهم عن هذه المنطقة في أوائل القرن العشرين فقال:كانت معالم المدينة تنتهي عند طلعة الجعيتاوي التي كانت تُسمّى الصخرة، حيث كانت تكثر هناك أقراط الصبير والصخور والرمال.
ويذكر الشيخ مختار العلايلي أنّ الأشرفية كان يسكنها المسلمون، وكانت حدود العمران تمتدّ فوق جامع بيضون ببضعة أمتار وكان الشيخ عبد الله خالد يسكن دارًا قريبة من المكان المعروف الآن بدير الناصرة، كما يذكر أنّ ظهور النّصارى في هذه المناطق كان على الأغلب بمجيء الفرنسيّين إلى بيروت.
ويلي الأشرفية في ذلك الزمن، وتحديدًا إلى الجنوب الغربيّ منها سهل أخضر زاهر بديع يقع في ءاخره رأس النبع، على مسافة ربع ساعة من بيروت. وكان النبع يتغلغل في جوف الأرض في محلّة الكراوية، ثم ينساب إلى المدينة لينتهي في ساحة الدركة وهناك يجري في أنبوب إلى حوض منحوت في الصخر يشرب منه الأهالي ويستقي الوارد والصادر. لكنّ مياه النبع انقطعت عن الحوض منذ العام ألف وتسعمائة وعشرين وانحصرت في محلّة الكراوية إلى العام ألف وتسعمائة وستّة وخمسين حيث كانت تستعملها بلديّة بيروت لغسل الطرقات وسقاية الحدائق وإطفاء الحرائق.
إعداد: غادة علي كلش
**المعلومات الواردة تستند إلى أطروحة جامعية منشورة في الثمانينات من القرن الماضي، تحت عنوان “معالم المسلمين في بيروت في منتصف القرن التاسع عشر” أسعد محمد مطيع تميم.



