علوم وتكنولوجيا

عبد الرحمن أياس /الترجمة بين الثورة التكنولوجية وتحوّلات الطلب: قطاع بمليارات الدولارات يعيد تشكيل نفسه

 في العقدين الأخيرين من الزمن، تحوّلت سوق الترجمة العالمية من صناعة لغوية تقليدية تعتمد على مهارة الفرد وخبرته، إلى اقتصاد معولم متشابك مع التكنولوجيا، وتحديداً أدوات “الترجمة بمساعدة الكمبيوتر” (كات) (CAT أو computer-assisted translation) والذكاء الاصطناعي. ومع تسارع التطور التكنولوجي، باتت الأسئلة الكبرى تدور حول حجم هذه السوق، وكيف تستجيب للتطورات، وما موقع العالم العربي داخلها. هذا المقال يقدّم تحليلاً معمّقاً يعتمد على أحدث التقديرات والدراسات الدولية والإقليمية، ويقارنها بواقع السوق العربية، بما يكشف عن صورة أوضح لصناعة تقارب قيمتها اليوم 70 مليار دولار سنوياً وتتغيّر جذرياً أمام أعيننا.

أولاً: سوق الترجمة العالمية… قطاع ضخم تصل قيمته إلى 70 مليار دولار
لا يتوافر رقم واحد قاطع لحجم سوق الترجمة العالمية، لأن الشركات البحثية تختلف في كيفية تعريفها لمفهوم “خدمات اللغة”. يضمّ بعضها الترجمة التحريرية والشفوية ودبلجة الصوت وتكنولوجيات إدارة المحتوى، بينما يقصر البعض الآخر التقديرات على الترجمة التحريرية فقط.
وعلى الرغم من اختلاف المنهجيات، تبدو الصورة العامّة واضحة:
• تُقدّر قيمة السوق العالمية لخدمات اللغة عام 2024 بما بين 65 و70 مليار دولار تقريباً.
• تقدّر مؤسسة “سي إس إيه ريسيرش” (CSA Research) – باستخدام تعريف أكثر ضيقاً – أنّ “الإيرادات الأساسية لشركات الترجمة” بلغت قرابة 50 مليار دولار في عام 2023.
• أمّا التحليلات التي تفرّق بين القطاعات فتشير إلى أنّ الترجمة التحريرية وحدها تمثّل ما بين 35 و45 مليار دولار سنوياً من ضمن السوق الأوسع.
لا يأتي هذا الحجم الضخم من فراغ، بل يتشكّل بفعل عوامل متشابكة: تسارع التجارة العالمية، وتوسّع الشركات المتعددة الجنسيات، وتنامي المحتوى الرقمي عبر الإنترنت، وازدياد الحاجة إلى الامتثال التنظيمي بلغات مختلفة – ولاسيما في مجالات مثل الرعاية الصحية، والتكنولوجيا، والمال، والقانون.

{لم تعد الترجمة مهنة فردية بقدر ما أصبحت قطاعاً اقتصادياً عالمياً يُدَار بمنطق الصناعة.}

تقديرات الشركات الكبرى مثل “نيمدزي” (Nimdzi)، و”آي مارك” (IMARC)، و”موردور إنتليجنس” (Mordor Intelligence) تشير إلى نمو سنوي يراوح بين أربعة وسبعة في المئة، ما يعني أنّ السوق قد تصل إلى 95-110 مليارات دولار خلال السنوات العشر المقبلة. وهكذا، لم تعد الترجمة مهنة فردية بقدر ما أصبحت قطاعاً اقتصادياً عالمياً يُدَار بمنطق الصناعة.
ثانياً: كيف تتعامل السوق العالمية مع ثورة “كات” والذكاء الاصطناعي؟
1. أدوات “كات”: معيار صناعي لا خيار
تشير التقارير المتخصصة إلى أنّ أدوات “الترجمة بمساعدة الكمبيوتر” (كات) – مثل ذاكرات الترجمة، والقواميس المدمجة، وأنظمة إدارة الترجمة – أصبحت ركناً أساسياً في الترجمة المحترفة. تثبت هذه الأدوات أنّها تزيد الإنتاجية، وتُحسّن الاتساق، وتخفّض التكاليف في شكل مستدام. وبات يصعب اليوم على مترجم محترف العمل في القطاعات التكنولوجية أو الطبية أو القانونية من دون الاعتماد على هذه الأدوات.
2. الترجمة الآلية والتحرير اللاحق
مع الانتقال من الترجمة الآلية الإحصائية (statistical machine translation أو SMT، وهي نظام يتعلم الترجمة من خلال تحليل ملايين الجمل البشرية المترجمة) في سبعينيات القرن العشرين إلى الترجمة الآلية العصبية (neural machine translation أو NMT، وهي نظام يعتمد على تكنولوجيات مستوحاة من طريقة عمل الدماغ البشري) في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ثم إلى نماذج اللغة الكبيرة (Large Language Models أو LLMs، وهي شبكات ضخمة تُدرَّب على مئات المليارات من الكلمات من مصادر متعددة) في منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، شهدت السوق تحوّلات عميقة:
• السوق العالمية للترجمة الآليّة لا تزال صغيرة نسبياً (بين 700 مليون و1.2 مليار دولار)، لكنها الأسرع نموّاً.
• بات التّحرير اللاحق للترجمة الآلية خدمة قائمة بذاتها تمثّل نسبة كبيرة من إيرادات الشركات الكبرى.
• أصبح مسار العمل الشائع هو: النص الأصلي ← ترجمة آلية ← تحرير بشري ← تدقيق آلي ← تسليم العميل.
ولا تزال القطاعات الحسّاسة – مثل القانون والطبّ – تعتمد على العنصر البشري بوصفه ثقلاً لا غنى عنه، لكن القطاعات ذات المحتوى الكبير والمنخفض المخاطر – مثل دعم العملاء، والتجارة الإلكترونية، والوثائق الداخلية – باتت تُترجَم عبر أنظمة هجينة تعتمد على الذكاء الاصطناعي مع تدخُّل بشَريّ.

{لا يتراجع دور الإنسان، بل يتغيّر من مُنتج للنصوص إلى مصحّح ومراقب للجودة واستشاريّ للمحتوى}

3. الذكاء الاصطناعي يولّد صدمات… لكنه يعيد تشكيل المهنة بدلاً من القضاء عليها
منذ عام 2023، أصبح الذكاء الاصطناعي – ولاسيّما نماذج اللغة الكبيرة – موضوع الساعة في صناعة الترجمة:
• يمارس العملاء ضغطاً سعرياً غير مسبوق تحت شعار: “الذكاء الاصطناعي مجاني، فلماذا نحتاج إلى مترجمين؟”.
• تستثمر شركات الترجمة الكبرى بكثافة في دمج الذكاء الاصطناعي داخل دورة العمل: في المرحلة السابقة للترجمة، وفي المسودات، وفي تحرير الأسلوب، وفي مراقبة الجودة، وفي تحليل المصطلحات.
تفيد بيانات عام 2024 بأن بعض الشركات الكبرى باتت تحقق أكثر من 25 في المئة من إيراداتها من خدمات تعتمد مباشرة على الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، لا يتراجع دور الإنسان، بل يتغيّر:
• من “منتج للنصوص” إلى مصحّح ومراقب للجودة واستشاري للمحتوى.
• من مترجم يعمل على الجملة إلى متخصص يدير المخاطر اللغوية ويضمن سلامة المعنى والسياق والامتثال.
ثالثاً: حجم سوق الترجمة في العالم العربي… تقديرات معقّدة لكن الصورة تتضح
لا توجد جهة بحثية دولية تقدّم رقماً مباشراً لحجم سوق الترجمة في العالم العربي، لأن التقارير عادة تصنّف المناطق على أساس “الشرق الأوسط” أو “الشرق الأوسط وأفريقيا” أو “الخليج”.
ولا بد لذلك من استخدام منهجية التقاطع الإحصائي:
• سوق الترجمة التحريرية في الشرق الأوسط قُدّرت في 2021-2025 بنحو 1.3-1.7 مليار دولار.
• سوق الترجمة في دول الخليج وحدها قُدّرت في عام 2023 بأكثر من ملياري دولار، مع توقعات بالوصول إلى 3.8 مليار دولار بحلول عام 2032.
• سوق خدمات اللغة في الشرق الأوسط وأفريقيا يُتوقَّع أن تصل إلى نحو 9.9 مليارات دولار في عام 2025.
وبناءً على ذلك، يكون التقدير الأكثر منطقية كما يلي:
• يتراوح حجم سوق الترجمة العربية (التحريرية والشفوية والتعريب) بين ثلاثة وخمسة مليارات دولار سنوياً.
• أمّا التّرجمة التّحريرية وحدها فتمثّل ما بين 1.5 وثلاثة مليارات دولار سنوياً.
ويستند هذا التقدير إلى العوامل الديموغرافية والاقتصادية: حجم السكان (450 مليون نسمة)، وحجم التجارة البينية، ونمو اقتصاد الخليج، وتوسّع برامج التحوّل الرقمي، واتساع المحتوى الإعلامي العربي.

{تتجه الشركات في المنطقة إلى تطوير نماذج عربية متخصصة، وقد بدأت نتائجها في الظهور بالفعل}

رابعاً: كيف تتفاعل سوق الترجمة العربي مع ثورة أدوات “كات” والذكاء الاصطناعي؟
1. الفجوة بين دول الخليج وبقية الدول العربية
في الخليج، يتقدّم تبنّي التكنولوجيا بسرعة:
• تطوّر شركات رائدة مثل “ترجمة” (Tarjama) حلولاً ذكاءً اصطناعياً عربية بالكامل، وتقدّم منصات إدارة ترجمة مثل “كليفرسو” CleverSo.
• تدمج مؤسسات حكومية – ولاسيّما في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة –الترجمة في منصات الرقمنة الحكومية (على غرار منصّة “ناجز” القضائية في السعودية).
• يتركّز النموّ القطاعي في الطلب في القانون، والصحة، والطاقة، والمالية، والتكنولوجيا – وهي قطاعات تتطلّب دقّة وجودة عاليتين.
أمّا في دول مثل الجمهورية اللبنانية، وجمهورية مصر العربية، والمملكة الأردنية الهاشمية، والمملكة المغربية، والجمهورية التونسية، فتبدو الصورة مزدوجة:
• يستخدم المترجمون العاملون مع الأسواق الدولية أدوات “كات” وأنظمة التّحرير اللاحق للترجمة الآلية بانتظام.
• لكن نسبة كبيرة من الوكالات الصغيرة والعاملين لحسابهم الخاص، لا تزال تستخدم طرقاً جزئية أو بدائية، مع اعتماد غير منظم على أدوات الذكاء الاصطناعي مثل “ترجمة غوغل” أو “تشات جي بي تي” (ChatGPT) من دون إطار مهني واضح.
2. الذكاء الاصطناعي العربي: حاجة ملحّة في بيئة لغوية معقّدة
تتّسم العربية بصعوباتها الخاصة:
• الازدواجية (فصحى / عاميات).
• فوارق المصطلحات بين الخليج والمشرق والمغرب.
• مقدار ضخم من المحتوى الديني والقانوني والسياسي العالي الحساسية.
هذا كله يجعل الذكاء الاصطناعي العام غير كافٍ وحده. لذلك تتجه الشركات في المنطقة إلى تطوير نماذج عربية متخصصة، وقد بدأت نتائجها في الظهور بالفعل، ولاسيما لدى الشركات الخليجية.
3. الترجمة الآلية تنتشر… لكن اليد البشرية تبقى حاسمة
تشير البيانات إلى أنّ:
• الترجمة البشرية لا تزال تمثّل أكثر من نصف السوق العربية.
• 25 في المئة من المؤسسات تعتمد حلولاً هجينة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والمترجم البشري.
• القطاعات الحكومية والخاصة تطلب جودة عالية لا يمكن إلا للمحررين البشريين ضمانها.
4. التحديات البنيوية
• نقص برامج التدريب الجامعي المتخصصة في أدوات “كات” والتحرير اللاحق للترجمة الآلية.
• تدني الأسعار في بعض الدول العربية بسبب المنافسة الشديدة.
• غياب تشريعات واضحة لضمان سرية البيانات عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
• تفاوت كبير بين الممارسات المهنية في الخليج وبقية العالم العربي.

{المنطقة العربية أمام فرصة تاريخية: أن تتحول من مستهلِك للتكنولوجيا اللغوية إلى منتج لها}

خاتمة: صناعة في قلب تحول عالمي… والعالم العربي أمام مفترق طرق
تعكس الأرقام والاتجاهات أنّ الترجمة لم تعد مجرد “مهنة” بل أصبحت قطاعاً صناعياً معقّداً يتقاطع مع التكنولوجيا والإدارة وقوانين السوق. فالسوق العالمية التي تقترب من 70 مليار دولار تدخل الآن مرحلة إعادة تشكيل جذرية تحت تأثير الذكاء الاصطناعي، لكن ليس عبر إلغاء دور المترجم، بل عبر إعادة تعريفه.
أمّا العالم العربي، فعلى الرغم من أن حجم سوقه متواضع نسبياً مقارنة بالسوق العالمية، إلا أنّه يعيش طفرة تكنولوجية تقودها دول الخليج، بينما تحتاج دول أخرى إلى تطوير البنية المهنية والتكنولوجية لمهنة الترجمة لكيلا تبقى على هامش الثورة.
في المحصلة:
• لن يلغي الذكاء الاصطناعي الترجمة، بل سيعيد توزيع القيمة داخل الصناعة.
• سيستمر الطلب على الترجمة – عالمياً وعربياً – بالنمو بفعل الاقتصاد الرقمي، والتجارة، والتعليم، والخدمات الحكومية الإلكترونية.
• المنطقة العربية أمام فرصة تاريخية: أن تتحول من مستهلِك للتكنولوجيا اللغوية إلى منتج لها، ولاسيما مع بروز منصات عربية متقدمة في الذكاء الاصطناعي اللغوي.
بهذا، يظهر أنّ الترجمة ليست صناعة تتراجع، بل صناعة تتجدّد، وأن المترجم الذي يتقن أدواته ويستثمر في مهارات التكنولوجيا سيكون أكثر قيمة وأثراً من أي وقت مضى.

* عبد الرحمن أياس كاتب وصحافي ومترجم لبناني من مواليد بيروت عام 1968. تخرج من الجامعة الأميركية في بيروت، ويكتب في عدد من المنصات والصحف العربية، منها “النهار”، و”المجلة”، و”عروبة 22″، إضافة إلى مواقع ثقافية واقتصادية أخرى. هو عضو في نقابة المحررين اللبنانيين منذ عام 1995.

زر الذهاب إلى الأعلى