سعد محيو/ كوكبكم يحترق.. ويستغيث

تشي القفزات الهائلة التي تجري على قدم وساق في ما يسمى الآن “التطور التكنولوجي الإنفجاري(tech. exponential growth) بأن “المعركة النهائية” في القرن الحادي والعشرين ستكون بين النزعة المادية الميكانيكية وبين التوجهات القيمية والروحانية ( بمعنى وحدة الوجود) حول كلٍ من كيفية مقاربة مسألة الحقيقة الموضوعية في الطبيعة والكون وما يستتبعها من ضرورة إعادة النظر بقوانين الاجتماع البشري، ومواجهة الكارثة البيئية.
كلا هاتين المسألتين (أي الحقيقة والبيئة) تصدران من نبع واحد، هو بالتحديد نبع فلسفي بالكامل. فحين تُطل النزعة المادية المتطرفة على الوجود بكونه أجزاء مادية منفصلة لا رابط بينها سوى الصراع والنزاع والحروب، وحين تُقارب مسألة المجال الحيوي للحياة (البيئة) على أنه مادة للاستغلال والتدمير بلا حدود ولا قيود، ترتسم بوضوح في الأفق معالم ومخاطر انقراض الحضارة البشرية.
وبالتالي، السؤال الأول والأهم في القرن الحادي والعشرين سيكون: هل ثمة بعد إمكانية حقاً لإنقاذ بيئة الحياة على كوكب الأرض، أم فات الأوان وانقضى الأمر؟
كل المعطيات العلمية الدولية الموثّقة تشي، من أسف، أن الأمل سيكون ضعيفاً، في حال تواصلت سيطرة الطبقة الفائقة الرأسمالية ( SuperClass)على مجالات الطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد والاعلام والسياسة، وهي طبقة لا تشكل سوى شطر ضئيل من الجنس البشري (0,001 في المئة).
فحرارة كوكب الأرض سترتفع درجة ونصف الدرجة أو درجتين خلال السنوات القليلة التالية، بفعل نشاطات هذه الطبقة في مجال تواصل انبعاث غازات الدفيئة. وحينها لن تعود المسألة حدوث أو عدم حدوث كارثة تغيّر للمناخ، بل المدى والحجم والمضاعفات الهائلة لهكذا تغيّر. وحين يحدث ذلك، وهو سيحدث حتماً، سينخفض انتاج الأرز والقمح والذرة والعديد من المواد الغذائية الأخرى في العالم بنسبة تتراوح بين 10 و17 في المئة، وستنتشر المجاعة في العديد من المناطق، وستتفاقم حروب الموارد والمياه بين الأمم إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ البشري، خاصة وأن الاحترار العالمي سيضرب ما تبقى من المخزون العالمي للمياه العذبة. كما سيكون ربع سكان الأرض في المرحلة الأولى غير قادرين على الوصول إلى موارد المياه. ثم: خلال نصف قرن من الآن (2025)، وبفعل الصيد الجائر وارتفاع الحرارة، ستنقرض 90 في المئة من الأسماك وأنواع الحياة الأخرى في البحار والمحيطات.
الجفاف قد يكون أخطر من موجات الحرارة، حيث ستتحّول أراضٍ زراعية خصبة وشاسعة بسرعة إلى صحاري. وفي العام 2080، سيكون جنوب أوروبا منطقة جفاف قاسية بشكل دائم، وكذلك العراق وسورية وأقسام كبيرة من الشرق الأوسط (أي عملياً كل حوض المتوسط، مهد جل الحضارات وكل الأديان التوحيدية). وهذا في وقت يتضوّر فيه 800 مليون من البشر الآن جوعاً على مستوى العالم، وفيما تحذّر الأمم المتحدة من أن المجاعات ستقتل قريباً الملايين كل عام.
انقراض أجناس الحياة على كوكب الأرض خلال المائتي سنة الماضية كان الأعلى منذ 65 مليون سنة، حيث كانت نسبة هذا الانقراض 8000 مرة أكثر من نسب الانقراض الطبيعي. وتقول دراسة للأكاديمية الوطنية الفرنسية للعلوم، أن الاقتصاد العالمي تخطى الدورة التجديدية للأرض في وقت مبكر للغاية هو العام 1980. وفي سنة 1999 تخطاها بنسبة 20 في المئة وبات الأمر يحتاج بالنسبة إلى البشر إلى كوكب أرض ثانٍ أو حتى ثالث.
وقد أصدر الكاتب الأميركي ديفيس ولاس ويل David Wallace- well العام 2017 كتاباً بعنوان The unhabitable Earth ذكر فيه حرفياً التالي: “أعدكم بأن ما سأقوله أسوأ من كل ما تتوقعون. فإذا ما كان قلقكم حيال تغيّر المناخ تسيطر عليه المخاوف من ارتفاع مستويات البحر فقط، فأنتم لا تخدشون سوى سطح الرعب الآتي. هناك بالتأكيد مدناً برمتها ومناطق ساحلية بأمها وأبيها ستغرق، والهرب منها لن يكون كافيا. لكن، وفوق ذلك، ومن دون تعديلات جذرية على الطريقة التي يعيش بها مليارات البشر حياتهم، ستكون أقسام واسعة من كوكب الأرض غير قابل للسكنى، فيما باقي المناطق ستكون قاسية وغير مضيافة قبل نهاية هذا القرن” .
أجراس الإنذار التي تصم الآذان التي أطلقها Wallace- well شاركه فيها بالفعل العديد من العلماء المتحررين من سطوة الشركات الكبرى وأصحاب المصالح الاقتصادية والمالية الضخمة. ففي العام 2021 أصدر بعض هؤلاء تقريراً حول الأرض دائمة التجمّد (Permafrost) في القطب المتجمد الشمالي، الذي يختزن 1،8 تريليون طن من الكربون، أي أكثر من ضعفي ما يحتويه الغلاف الجوي الآن من الكربون ، وقالوا أنه حين يذوب هذا الجليد بفعل الاحترار العالمي (كما يحدث الآن)، سيكون هذا الكربون الذي سيتبخّر في شكل غاز الميثان أقوى وأخطر 34 مرة من غازات الحبيسة الأخرى.
وفي العام 2017، أظهرت معلومات الأقمار الصناعية أنه منذ العام 1998 تضاعف الاحترار العالمي مرتين أسرع مما توقّع علماء المناخ، وأنه أحدث شرخاً بطول 6 أميال في جليد المحيط المتجمد الشمالي خلال ستة أيام فقط ولا يزال يتوسّع. وحين يستكمل توسّعه، ستنزلق كميات هائلة من المياه إلى المحيط وتتسبّب في اضطراب كبير في تياراته، مما سيفاقم العواصف والأعاصير والتسوناميات .
البشر، مثل كل الثدييات، آلات حرارية، كما يقول عن حق Wallace- well، حيث البقاء على قيد الحياة يتطلّب التبريد الدائم للأجسام، مثل اللهاث التبريدي الذي تقوم به الكلاب. ولذا، يجب أن تكون الحرارة منخفضة بما يكفي كي يعمل الهواء كنوع من آلة التبريد فيسحب الحرارة من الجلد لتتمكّن الآلة من مواصلة الضخ. وإذا ما ارتفعت الحرارة درجة ونصف الدرجة أو درجتين سيكون من المستحيل على البشر في المناطق الاستوائية، خاصة المدارية منها حيث تفاقم الرطوبة المشكلة، القيام بعملية التبريد هذه. وهذا سيكون تطوراً مميتاً وسريعاً للغاية: فخلال ساعات قليلة “سيُطبخ” الجسم البشري حتى الموت من الداخل والخارج.
العديد من الخبراء العاملين في خدمة الطبقة الفائقة الرأسمالية، يقولون ويكررون القول إن كوكب الأرض برد وسخن مرات عديدة في التاريخ الكوني. لكن فلندقق قليلاً في ما جرى حقاً: منذ العام1980، شهد الكوكب زيادة بمعدل 50 مرة في عدد الأماكن التي تشهد الحرارة الفائقة والمزيد على الطريق: خمسة أسخن فصول صيف في أوروبا منذ العام 1500 كلها حدثت منذ العام 2002. وقد حذر تقرير IPCC البشر من أن الخروج من المنزل في هذه الأوقات سيكون غير صحّي في أقسام واسعة من الكوكب. وحتى لو التزمت الدول بتنفيذ توصيات اتفاق باريس للمناخ حول درجة الحرارة (وهو الاتفاق الذي تدخل وتخرج منه الولايات المتحدة دورياً)، فأن مدناً مثل كراتشي وكالكوتا ستصبح غير قابلة للسكنى تقريباً، خاصة وأنها تتعرّض كل عام منذ 2015 إلى موجات حرارة قاتلة. الحرارة في نيويورك ستفوق تلك الموجودة في البحرين التي هي أعلى مناطق الأرض حرارة على وجه الأرض، كما أن الحرارة في البحرين نفسها ستتسبّب بظهور حالة “الحرارة التخديرية” (Hyperthemia ) حتى لدى البشر النائمين. تكييف الهواء قد يساعد، لكنه في النهاية سيضاعف مشكلة الكربون، خاصة في أسواق الخليج العربي المكيّفة، ولن يكون في إمكان ثلاثة أرباع الجنس البشري تحمّل تكاليف التكييف. ثم: أزمة الاحترار الأضخم في العالم ستكون في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، حيث سجّلت معدلات الحرارة في بعض الأعوام أحياناً أكثر من 70 درجة مئوية. ويعتقد بعض الخبراء أنه بعد عقود قليلة من الآن سيكون من المستحيل على ملايين المسلمين أن يحجّوا إلى مكة كل عام .
علاوة على كل ذلك، ذوبان المحيط المتجمّد بفعل ارتفاع الحرارة، سيُطلق أوبئة كانت “نائمة” طيلة ملايين السنين الجيولوجية قبل ظهور البشر على سطح الأرض، فيما جهاز المناعة البشري ليس لديه أدنى فكرة عن كيفية مواجهة هذه الأوبئة. المحيط المتجمد يتضمّن أيضاً فيروسات مرعبة تجمّدت في العصور القديمة. وقد اكتشف الباحثون بقايا فيروسة الانفلونزا الاسبانية التي ظهرت العام 1918 وضربت 500 مليون إنسان وقتلت 100 مليون (أي 5 % من سكان العالم آنذاك وست مرات أكثر من ضحايا الحرب العالمية الأولى). وأشار تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي) إلى أن العلماء يشتبهون بأن أوبئة الجدري والطاعون الدبلي (smallpox and bubonic plagues ) محتجزة في جليد ألاسكا .
العلماء يعملون الآن على إعادة إحياء العديد من الفيروسات والجراثيم “التاريخية” ونجحوا في العام 2007 في إحياء فيروسه عمرها 8 ملايين سنة. فما الذي يمنع “هرب” إحدى هذه الفيروسات من المختبرات وتسبّبها في انتشار وباء قاتل لملايين البشر؟
البشر يحتاجون بالطبع إلى الأوكسيجين، لكن هذا مجرد جزء بسيط مما يتنشقون. فهم يتنفسون أيضاً ثاني أوكسيد الكربون الذي يتجاوز الآن وبشكل متزايد حد الـ440 جزء من المليون. وفي حال واصلت الآلة الاقتصادية لـ”الطبقة الفائقة” تلويث البيئة الطبيعية على هذا المنوال الراهن، ستصل النسبة إلى 1000 جزء من المليون العام 2080، الأمر الذي سيعني انخفاض القدرات العقلية للإنسان بمعدل 21 في المئة ونزولا. هذا ناهيك عن أن المزيد من تلوث الأجواء والمياه ولو قليلاً سيقلّص الأعمار ويفاقم الأمراض العصبية والنفسية، بما في ذلك مرض التوحّد وغيره الكثير.
هناك مجموعة من الحقائق ليس في وسع أحد المجادلة حول دقتها:
* ازدياد تركيز غازات ثاني أكسيد الكربون والميثان والأوزون والحمض النيتروجيني، بسبب إحراق الوقود الأحفوري والمواد العضوية. فقد ازداد معدل ثاني أكسيد الكربون بنسبة 35% عما كان عليه قبل الثورة الصناعية. وتشير المعطيات أن هذا لم يحدث على مدى 650 ألف سنة.
* ازداد معدل حرارة الأرض بحدود 1.2 درجة خلال القرن الماضي، ومعظم هذه الزيادة حدثت بين 1920 و 1950، ثم جاءت زيادة أخرى العام 1975. وكانت بدايات القرن الحادي والعشرين الأشد حرارة في التاريخ الحديث المعروف.
* ارتفاع منسوب مياه البحار حوالي 2.7 إنشاً خلال الأربعين سنة الماضية.
* تناقص الجليد القطبي بنسب كبيرة منذ العام 1978.
* درجة حرارة الأرض الآن أعلى من أي وقت مضى منذ 500 إلى 1000 سنة مضت.
* مستوى البحار سيرتفع ما بين 2.5 و9 إنشات أو أكثر خلال هذا القرن، وسيصبح المطر أكثر تركيزاً وغزارة في مناطق معينة ولكن على فترات متباعدة.
كل هذه التوقعات تتوقّف على كميات الغازات التي سيُطلقها الرأسماليون إلى الغلاف الجوي. فخلال ذروة آخر عصر جليدي، انخفض مستوى البحار بحدود 400 قدم عما هو عليه الآن، لأن كميات كبيرة من الماء احتجزت في الصفائح الجليدية الهائلة. وفي المقابل، إذا ما ارتفعت حرارة المناطق القطبية وذاب الجليد، فإن مستوى مياه البحار سوف يرتفع بحدود 22 قدماً لتغمر (كما ألمعنا) كثيراً من المناطق الساحلية، بما فيها أقسام كبيرة من أميركا الشمالية وأوروبا.
وتُظهر دراسات حديثة أخرى أن ازدياد درجة حرارة سطح البحر، كانت أكثر تأثيراً في زيادة عدد الأعاصير
(بنسبة 60 %) منذ سبعينيات القرن الماضي . وقد كان موسم الأعاصير في العام 2005 الأكثر شدة على مدى 150 سنة. إن زيادة درجة الحرارة بمقدار سبع درجات سوف يزيد وتائر بخار الماء بنسبة 25%، وهذا يعني زيادة الأمطار بمعدل مماثل. لكن المشكلة هي أن المناطق الماطرة ستكون أكثر مطرا، بينما تصبح المناطق الجافة أكثر جفافا. وبالتالي فإن عالماً أكثر حرارة يعني مزيداً من أخطار الفيضانات والقحط في آن. وفي هذا الصدد، لابد من تأمّل النتائج التي ارتبطت بالمتأرجحات المناخية الطبيعية منذ نهاية آخر عصر جليدي، إذ تعرّضت بعض الحضارات إلى الخراب، وفي بعض الحالات دُمِّرت حضارات بكاملها في مناطق مثل بلاد الرافدين ووسط وجنوب أميركا والمنطقة الجنوبية الغربية مما يُعرف الآن بالولايات المتحدة.
على رغم أن هناك حقيقة علمية لا خلاف عليها تؤكد أن حرق المواد الأحفورية (النفط والغاز) يزيد نسبة ثاني أكسيد الكربون ويساهم في تغيير المناخ وزيادة معدل الحرارة، إلا أن هناك علماء يواصلون التأكيد أن ازدياد حرارة الأرض ناشئ عن تبدلات مناخية سبق أن حصلت في الماضي. وقد أدى هذا التباين في النظرة حول أسباب ارتفاع حرارة الأرض إلى تسييس الموضوع وإلى ظهور مجموعات من العلماء تدعمهم شركات النفط وصناعة السيارات (أو هم “يدعمونها”)، فاحتدم الجدل بين العلماء الذين يخدمون هذه المصالح وأولئك الذين يبحثون عن إجابات موضوعية وحيادية. وبالطبع كان للعديد من المجموعات السياسية ووسائل الإعلام الممولة من الشركات الكبرى دور كبير في دعم وجهة نظر المعسكر الأول.
الانقراض بدأ..
الآن، بالعودة إلى السؤال حول وجود أمل أم لا، ننتقل إلى العالم الإيكولوجي Dr stuart pimm الذي أوضح أن مرحلة الانقراض بدأت بالفعل، وإن لم تصل كل مخالبها بعد إلى الجنس البشري. يقول:” خلال العقود القليلة المقبلة سندفع عدداً ضخماً من أجناس الحياة إلى الانقراض بمعدل ألف مرة أسرع من الآن. تخيّلوا مثلاً ماذا يمكن أن يحدث إذا ما مات فجأة غطاء العوالق النباتية Phytoplankton المنتج للأوكسيجين، الذي هو أساس شبكة الحياة البحرية. هذه العوالق تطعم كل الكائنات من المخلوقات النباتية والحيوانية المايكروسكوبية إلى الحيتان الزرقاء (أكبر كائنات الأرض)، وزاولها يعني حتما بدء الانقراض. ثم لا ننسى أن كل ثاني نفس للإنسان يأتي من هذه العوالق. من دونها لا حياة”.
لقد خسر كوكبنا الجميل الذي يعج بأنواع الحياة المدهشة 40 في المئة من غطاء العوالق خلال السنوات الخمسين الماضية فقط ، أساساً بسبب تغيّر المناخ والاحترار العالمي. “الطبقة الفائقة” تغيّر جيولوجية الكوكب وكيمياء المحيطات وبالطبع نحو الأسوأ. إن حياة البشر تعتمد كلياً على الماء، فيما الاقتصادات تعتمد كلياً (حتى الآن على الأقل) على النفط. ومع زحف الكارثة البيئية الحثيث، ماذا سيكون الخيار؟ عالم البشر يظمأ إلى كليهما، لكن أيهما سيضمن الحفاظ على بقاء الحياة على الكوكب الأزرق الصغير؟ أن مأساة الحضارة البشرية ووضعية الحياة في الأم الأرض واحدة وهي نفسها: فندرة المياه ستقتلهما معاً في نهاية المطاف، ووفرة النفط ستقتلهما أيضا.
هذا بالتحديد ما يراه أيضاً الكاتبان الأميركي وليم غريدر (William greider ) والفرنسي فرانسوا بارتان ( Francios Partant) اللذان قالا أن النظام العالمي المتعولم ستلحق به كوارث بيئية واقتصادية واجتماعية ماحقة، من دون أن يكون ثمة فرص لنجاح الحلول الانقاذية، بما في ذلك حتى مفهوم التنمية المستدامة والمتآلفة مع الطبيعة.
العالم الاسترالي البارز فرانك فينر Frank Fenner يرى أن تغيّر المناخ لا يزال في بداياته الأولى، لكنه سيكون سبب انقراض الجنس البشري. قال: “إننا سنعاين المصير نفسه الذي حلّ بشعب جزيرة إيستر. هذه الجزيرة، كما هو معروف، شهيرة بتماثيلها الحجرية، وكانت بقعة استوائية نقية وموطناً للشعب البولينيزي قبل نحو ألف سنة. في البداية تزايد عدد السكان بشكل بطيء، ثم حدث انفجار ديمغرافي كانت حصيلته استئصال الغابات ومعها كل حيوانات الأشجار، مع ما رافق ذلك من مضاعفات كارثية. وبعد العام 1600، بدأت هذه الحضارة بالانهيار واختفت عملياً من الوجود في منتصف القرن التاسع عشر. ويقول عالم التطور البيولوجي جيرد دايموند Jared Diamond أن التماثل بين ما حدث لجزيرة إيستر وبين ما يحدث الآن في كوكب الأرض ككل “واضح بشكل يثير القشعريرة”.
بيد أن بعض العلماء والمهتمين ذهبوا أبعد بكثير من مجرد التحذير من الواقع التراجيدي، وانتقلوا إلى طرح مشاريع تثير هي الأخرى القشعريرة. فالدكتور إريك بيانكا Eric Pianka، الذي يُطلق عليه نعت “عالم تكساس المميَّز للإيكولوجيا التطورية”، أعلن في المؤتمر الـ109 لأكاديمية العلوم في تكساس الذي عُقِد في 3-5 آذار/مارس 2006 أن البشر” ليسوا أفضل من الحيوانات ولا حتى من الفيروسات”. وأضاف أن كوكب الأرض لم يعد قادراً على احتضان الحياة إذا لم يشهد إجراءات في غاية الجذرية، على رأسها إزالة معظم الجنس البشري من الوجود، على أن يبقى فقط 10 بالمئة من الناس. كيف؟ ليس عبر الحروب والمجاعات، بل من خلال الأوبئة التي أثبتت خلال التاريخ أنها قادرة على إبادة مليارات البشر، أو من خلال تعقيم معظم البشر.
هناك أيضاً السير ديفيد أتينبورو David Attenborough، الخبير البريطاني البارز في علم السكان، الذي قال:” نحن البشر وباء على هذه الأرض. الأمر هنا لا يتعلق فقط بتغيّر المناخ، بل في توفير الطعام لهذه القطعان الهائلة. وإذا لم نقم نحن بالحد من تعداد السكان، فستقوم الطبيعة بذلك بالنيابة عنا، لابل بدأت الطبيعة بالفعل القيام بذلك الآن”. . وفي 26 كانون الثاني/يناير 2012، كانت جمهرة من العلماء من مختلف الاختصاصات الإيكولوجية والزراعية والبيولوجية والاقتصادية يعلنون في مؤتمر صحافي أن الجنس البشري تجاوز الحدود العددية للاستدامة الطبيعية، وأنه يتعيّن إزالة ثلث السكان (أي مليارين ونصف المليار نسمة) للحفاظ على الحياة على كوكب الأرض.
وفي العام 1988، نُسِب إلى الأمير البريطاني فيليب أنه يتمنى، إذا ما تقمَّص في حياة ثانية، أن يكون فيروساً قاتلاً ليقوم بتقليص عدد سكان الأرض. وهو بذلك ينضم إلى مجموعة واسعة من الحركات، على غرار كنيسة يوثاناسيا Church of Euthanasia وحركة الانقراض الاختياري للجنس البشري وجبهة تحرير غايا (الأم الأرض)، و “الأرض أولاً” وغيرها الكثير. كل هذه الحركات فقدت الأمل بإمكانية “إصلاح” الجنس البشري، وبالتالي إنقاذ الحياة على الأرض، وتدعو إما إلى الحد من تعداد هذا الجنس أو حتى إبادته بالكامل.
معالجة النار بالنار
وقائع بيئية دامغة لا مراء فيها، أليس كذلك؟
أجل. لكن، ليس لقباطنة الفكر المادي الميكانيكي الرأسمالي الذين إما ينفون أصلاً وجود هذه الكارثة الوجودية البيئية الزاحفة بسرعة، أو (في حال اعترفوا بوجودها) يدعون ليس إلى اتخاذ الإجراءات البيئة العاجلة لوقف التدهور، بل إلى ” معالجة النار بالنار” عبر المزيد من تطوير التكنولوجيا، الأمر الذي يذكّرنا بقول أحد العلماء: “نبني أولاً الآلات، ثم تبنينا الآلات”.
وهذا بالتحديد الآن ما يبشّرنا به الآن قباطنة العولمة التكنو- رأسمالية، الذين يعلنون أن أكبر الآمال للتصدي بنجاح لهذه التحديات الكبرى، تكمن في السرعة المذهلة للتقدم العلمي والتكنولوجي الذي يحرزه عرق الذكاء الأصطناعي AI، أي ما يسمى الآن “ديكتاتورية السرعة” وباقي عناصر الثورة التكنولوجية الرابعة.
يقول هؤلاء أن الجنس البشري يقف الآن على مفترق طرق كبير في التاريخ، لأن الاكتشافات والتكنولوجيات الجديدة لا تخضع للنمو وفق مسار خطّي مستقيم بل من خلال قفزات مطّردة السرعة باستمرار. وهذا أمر أوضحه عظيم أزهر Azeem Azhar مؤلف كتاب The exponential age الذي يظهر فيه أن قانون مور Moores law (الذي يقول إن قوة رقاقة الكومبيوتر تتضاعف كل سنتين فيما أكلافها تبقى كما هي) ينطبق الآن على مروحة واسعة من التكنولوجيات الأخرى أيضا. فقوة الرقمنة والتقدم الدراماتيكي الذي يحدث لدى الـ AI، وقريباً في علم الأحياء الاصطناعية Synthetic biology ، تشي بأن التقدم سيحدث كذلك بقفزات سريعة مماثلة، أي يتضاعف، في مجالات مختلفة مثل الخلايا الشمسية، والصناعة ثلاثية ورباعية الأبعاد، والسيارات الكهربائية، والزراعة الميدانية، والكتابة الجينية، والحقيقة المضافة والحقيقة الافتراضية، والأعمال عبر الإنترنت. وهذا ما يؤكده أيضاً بيتر ديامنديس Peter Diamandis (من جامعة singularity university) الذي يقول: خلال السنوات العشر المقبلة (بدءاً من العام 2022) سنعيد اختراع كل الصناعات، وسنشهد تقدماً في هذه الفترة أكثر مما شهدنا طيلة المائة سنة المنصرمة. المستثمرون يقفزون الآن إلى كل هذه المجالات”.
أنصار وموظفو الطبقة الفائقة ينطلقون من هذه الاختراقات ليزعموا أن الحلول التكنولوجية لكارثة المناخ بدأت أصلاً تطل برأسها: فخلال العقد الماضي تطوّرت الطاقة الخضراء بسرعة أكثر بكثير مما توقع الكثيرون، وهذا تحقّق عبر بروز مروحة واسعة من التكنولوجيات منخفضة الانبعاثات التي تتنافس مع التكنولوجيات المعتمدة على الوقود الأحفوري، من دون دعم حكومي أو فرض ضريبة على الكربون. ففي العام 2020 كانت الطاقة الشمسية وطاقة الريح الأقل كلفة من كل أنواع تقنيات توليد الطاقة. ويٌتوقّع أن تواصل أسعار تكنولوجيات الطاقة المتجددة الانخفاض، مما يُسقط الفكرة بأن الطاقة الخضراء مٌكلفة، وهذا ما يجعل من الممكن تحقيق معظم خفوضات الانبعاثات التي نصّت عليها اتفاقية باريس الطموحة.
ويضيف هؤلاء التالي:
1- المرحلة الانتقالية الى الطاقة النظيفة ستكون كلفتها أقل من مواصلة النظام الراهن المستند إلى الوقود الأحفوري.
2- التكنولوجيات الجديدة توفّر إمدادات مضمونة وثابتة من الطاقة.
3- وهي لا تتطلب أي خفض في موثوقية الطاقة،
4- ولا تتضمّن (وهنا الأهم للطبقة) أي خفض في النمو الاقتصادي.
هذه النقطة الأخيرة، أي عدم خفض النمو الاقتصادي هي كل بيت القصيد لدى عشيرة الرأسماليين الذين يضعون الربح والتراكم قبل أي اعتبار آخر. فهل قرر هؤلاء حقاً أنهم قد يربحون أكثر إذا ما انتقلوا من النفط والغاز إلى الطاقة الخضراء؟
المؤشرات الحالية لا تشي بذلك.
فالوقود الأحفوري لا يزال (حتى العام 2025) يمثّل 80 في المئة من إجمالي أنواع الطاقة، وهذا يعني أن الانتقال من الطاقة السوداء إلى الطاقة الخضراء لن يحدث بين ليلة وضحاها. لكن علماء الطبقة الفائقة يقولون أنه خلال المرحلة الانتقالية، سيجري العمل لجعل تكنولوجيا الوقود الأحفوري أكثر نظافة من خلال تقنيات حبس الكربون وتخزينه ( Carbon capture and storage- ccs) وغيرها من التكنولوجيات الجديدة.
لكن بلغة الأرقام، هذا يتطلّب تخصيص ما بين 100 تريليون إلى 300 تريليون دولار لتحقيق النقلة إلى الطاقة الخضراء. وأي تفكير بأن تقوم الشركات العملاقة بتوفير هذه المبالغ سيكون حلم ليلة صيف. وليس صدفة على أي حال أن يتحدث بعض كبار رجال الأعمال عن ضرورة جلب هذه المبالغ من إجمالي الناتج المحلي العالمي، أي أن هذا يعني، بتعابير أخرى، أنها مسؤولية الحكومات (وبالتالي الشعوب) وليس مسؤوليتهم هم.
وفي كانون الأول/ ديسمبر 2021، أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن “الكهرباء المتجددة تنطلق بوتائر متسارعة أكثر من أي وقت مضى في العالم، ما سيدعم بروز اقتصاد طاقة عالمي جديد، وأنه يتوقّع قبل العام 2026 أن ترتفع معدلات الكهرباء المتجددة العالمية بنسبة 60 في المئة أكثر من مستويات 2020 لتصل إلى 4800 جيغاوات ( GW). وهذا تقدم ملحوظ بات ممكناً بفضل التقدم العلمي والتكنولوجي الذي سيتسارع أكثر حين يتم العثور على تقنيات جديدة لتخزين الطاقة (LDES) مثل بطاريات الحديد المتدفق (خلايا كهرو كيميائية تخزن الطاقة) وبطاريات الهيدروجين. وتجدر الملاحظة هنا أن التقدم التكنولوجي السريع في مجالات الطاقة، ينبع من حقيقة التقاطع والتكامل بين كل مكونات الثورة التكنولوجية الرابعة، (تقاطع العوالم الفيزيائية والرقمية والبيولوجية) وهذا ما يجعل هذه الثورة الآن فريدة من نوعها. مثلا، التكنولوجيات الرقمية تتفاعل مع العالم البيولوجي في جهد للعثور على حلول للبيئة من الطبيعة نفسها لتسهيل الانتقال إلى الطاقة الخضراء.
نعترف أن هناك بالفعل تطويرات تكنولوجية على الطريق قد تكون مذهلة. مثلا، يتوقع الخبراء (والمستثمرون) أن الحوسبة الكمية QUANTUM COMPUTING ستصبح متوافرة تجارياً خلال 10-15 سنة، وهذا سيثوّر كل شيء من خلال معالجة المعلومات الخاصة بالبيئة ملايين المرات أسرع من الكومبيوترات الكلاسيكية الحالية. لكن الإنجازات الأكبر ستتم على جبهة علم الأحياء الاصطناعي الذي سيفيد بشكل هائل من التطويرات التي تتم على صعيد الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية. فهذا العلم يعد بإعادة برمجة البيولوجيا لإنتاج خلايا لمصلحة البشر كأفراد وجماعات ولمصلحة الكوكب في مجالات: مكافحة الأمراض، زيادة إنتاج المواد الغذائية، توليد الطاقة بشكل مستدام، تنظيف المياه، و”ابتلاع” ثاني أوكسيد الكربون من الجو. كل هذه الوعود ستصبح ممكنة مع التقدم المشترك والمتقاطع لعلم الأحياء والهندسة، وهي تحفز علماء البيولوجيا على الإعلان بأن قدرات علم الأحياء الاصطناعي ستعني الازدهار على مستوى الحضاري البشري كله، حيث ستخلق عالماً من الوفرة بدل الندرة، وتدعم زيادة عدد الجنس البشري من دون تدمير الكوكب.
مثلاً، هناك الآن ما يسمى تكنولوجيا أدوات التعديل الجيني ( CRISPR) التي تسمح للعلماء بتغيير شيفرة الحياة في الخلايا. وهي تستطيع التلاعب بالجينات الفردية أو مفاتيحها التي تفتح أو تغلق الجينات في أي كائن حي بدقة شديدة. ورداً على السؤال حول كيفية مساعدة هذه التقنية لوقف تغيّر المناخ، فلنتخيّل أننا نستطيع أن نجعل البكتيريا أكثر فعالية في حبس الكربون وتخزينه في التربة. البكتيريا تفعل ذلك بشكل طبيعي، لكننا نمتلك أدوات الآن لتسريع فعالية التطور وجعل عملها أسرع لمكافحة الاحتباس الحراري العالمي.
لا يشك العلماء المرتبطين بالطبقة الفائقة بأن هذا الابتكار الراديكالي آتٍ على الطريق وخلال فترة قصيرة قد لا تتجاوز خمس أو عشر سنوات، وستصبح أقوى وسيلة في يد البشر لمواجهة تحديات تغيّر المناخ. الاستثمارات الاقتصادية تتدفق الآن على مختبرات هذا العلم. وعلى رغم أن هذه الشركات لا تستهدف انقاذ المناخ، بل الربح من خلال صنع لحوم وهامبرغر ومواد غذائية، وبوليمر لصناعة الدواليب ومركبات التجميل، إلا أن كل ذلك يصب في النهاية في التقليل من انبعاثات الكربون، خاصة إذا ما استخدم الوقود الحيوي بدل البترول لإنتاج السلع التي يحتاجها المجتمع الحديث، وجرى انتاج بلاستيك يتحلل طبيعياً في المياه المالحة.
مجدداً، ليس هناك أدنى شك بأن علم الأحياء الاصطناعي سيحدث ثورة هائلة بالفعل في التكنولوجيا كما في المفاهيم، خاصة حول السؤال الذي طرحته مرة مجلة “نيوزويك”: “من يملك الخريطة الجينية” (الجينوم).
ووفق مؤسسة ماكينزي (Mckinsys technology council) هناك إضافة إلى علم الأحياء الاصطناعي ستة تكنولوجيات قد تغيّر المشهد خلال فترة قصيرة لا تتجاوز العقد المقبل، وهي كلها متشابكة مع بعضها البعض. منها: 1- عملية الأتمتة والتطبيقات الافتراضية Automation and virtualization،
2- مستقبل الربط عبر الـG5 وغيره ما سيغيّر مشهد الأعمال بتمكين رقمنة التصنيع ولامركزية نقل الطاقة، ومراقبة المرضى عن بعد وغيرها.
3- هناك أيضاً المجال الخاص من تطبيقات الـ AI في مجال تطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي في التعلّم الذاتي والتعرّف على الأنماط، ما يساعد الكومبيوتر على إضفاء المنطق على داتا العالم المادي.
5- الجيل الجديد من المواد مثل الغرافين ومواد الجسيمات النانوية (Nanomaterials ) ومروحة من المواد خفيفة الوزن القادرة على تحسين وتوفير الأداء في صناعات مثل الطاقة والصحة والبنى التحتية وصناعة الأدوية وشبه الموصلات والنقل.
6- وأخيرا، مستقبل التكنولوجيات النظيفة، وأنظمة جديدة للنقل الذكي للطاقة في الشبكات، وأنظمة حفظ الطاقة، وطاقة الانصهار وتوليد الطاقة اللاكربونية، والبنى التحتية والماء.
وهذا يعطي الأمل، كما يدّعي بعض العلماء، بأن التكنولوجيا قادرة على إنقاذ مناخ الأرض.
بيد أن هؤلاء العلماء أنفسهم لا يشيرون إلى أن هذه التقنيات تتضمن مخاطر، مثل تلوّث الهواء وكل أنواع التأثيرات غير المتوقعة على المناخ. ثم: من يجب أن يتخذ قرارات بمثل هذه الخطورة التي قد لا يمكن السيطرة عليها؟
أي انقاذ؟
فلندقق الآن موضوعياً بمدى قدرة التكنولوجيا حقاً على إنقاذ كوكب الأرض من الكارثة البيئية الزاحفة.
أولا، نحن نعاني في مجالنا العلمي من معضلة مزدوجة: الأولى رفض المؤسسات الرأسمالية الكبرى لأي بحث أو نقاش يخرج عن إطار شرطيهم الأساسيين: مواصلة الربح مهما كان الثمن، ومواصلة النمو الاقتصادي مهما كانت التكلفة.
ثانياً، انقسام الطبقة الفائقة الحاكمة إلى فئتين: فئة تنفي أصلاً وجود أزمة كبرى بيئية، كالرئيس الأميركي ترامب ورهطه الجمهوري واليميني المتطرف، وفئة أكثر انفتاحاً تعترف بوجود الأزمة، كالرئيس السابق أوباما وتوقّع الاتفاقات والمعاهدات المناخية، لكنها في الوقت نفسه تتجنّب اتخاذ أي إجراءات قد تثير غضب الشركات الكبرى.
هذه العوامل تدفع العديد من الخبراء، كما يقول عالم المناخ James Hansen إلى “الحيطة والحذر والتردد في عرضهم لطبيعة الأزمة البيئية، ما يجعلهم يفشلون في شرح مدى خطورة هذه الأزمة، ومدى خطأ الاعتماد على التكنولوجيا وحدها لحلها. ولو أن هؤلاء العلماء قالوا لقادة العالم “يجب أن نغيّر كل شيء، بما في ذلك نظامنا الاقتصادي برمته وبسرعة، فسيُطردون من الغرفة بسرعة وخشونة وسيفقدون وظائفهم. ما يريد أن يسمعه القادة هو التالي وفقط لا غير: لقد حددنا مشكلة تلوّث خطيرة، لكن لها حلولاً تقنية.
سبب كل ذلك في الدرجة الأولى هو سيطرة إمبراطورية العولمة النيو ليبرالية الجامحة اقتصادياً وثقافياً وإيديولوجيا وتكنولوجياً على كل العالم منذ نهاية الحرب الباردة حتى الآن. البعض أطلق على هذه الإمبراطورية اسم “الرأسمالية الأحفورية”، ليشير بذلك إلى أن كل تاريخ النمو الاقتصادي السريع الذي بدأ فجأة في القرن الثامن عشر لم يكن في الواقع حصيلة الابتكار في التجارة أو في ديناميكيات الرأسمالية العالمية، بل ببساطة اكتشاف الوقود الاحفوري الذي قاد إلى كل الحروب والحركات التوسعية الاستعمارية والامبريالية، والآن إلى العولمة النيو ليبرالية والنزعة المادية الميكانيكية المطلقة التي تقدّس التكنولوجيا. وهنا يجب أن نذكر أن إحراق الوقود الأحفوري طيلة هذه الفترة بلا حساب، هو الذي أدى إلى شفير الكارثة المناخية الراهنة، بكل مضاعفاتها حتى على الاقتصاد نفسه: فمثلا، كل درجة مئوية من الاحترار تكلّف كمعدل 1،2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي العالمي (وهذا رقم ضخم). وفي نهاية هذا القرن ستكون الخسائر لدخل الفرد السنوي 23 % (بسبب التغيرات في الزراعة، وارتفاع معدلات الجريمة والأعاصير، واستهلاك الطاقة، وزيادة معدلات الحياة وأعداد السكان، وفقدان الأعمال).
لقد تساءل الكاتب Benjamin Y. Fong (نيويورك تايمز) : هل الرأسمالية المسؤولة عن أزمة المناخ غبية إلى هذا الحد؟ وبادر إلى الإجابة سريعا: “المتهم والمسؤول الأول عن أزمة المناخ ليس أي شكل من الاستهلاك، ولا الانتاج أو التنظيمات، بل بالتحديد الطريقة نفسها التي يتم فيها الانتاج عالمياً، والتي لا تستهدف سوى الربح وليس الاستدامة. هذا خطأ الرأسمالية. وطالما استمر نظامها ستبقى الأزمة معنا. أما لماذا لا نتحدث بهذا الوضوح عن حقيقة هذه الأزمة فهذا لأن الأغنياء يقبضون بالنواجذ على ما لديهم، فيما السياسيون الذين اشتروهم بالمال وعنف الدولة، يقفون إلى جانبهم”.
ويضيف فونغ:” لقد سوّغوا الفكرة بأن أكبر مشاكلنا تقنية أساساً، وأن الحل لها يكمن في تمكين “الأشخاص الأذكياء”. وهنا نفهم طبيعة الهالة التي يحاط بها أشخاص مثل إيلون ماسك. مثل هذا الموقف يرقى إلى القول أن فشل المجتمع الرأسمالي سببه غباء بعض الأشخاص. فحين تتخذ شركة كبرى قراراً مدمّراً للبيئة، تُنحى اللائمة على أشخاص “غير أذكياء” كالمدراء التنفيذيين. وهذا المنطق بدأ يجعل الكوكب غير ملائم للسكنى، لأن اعتمادنا على العلماء لاستخراج الكربون من الغلاف الجوي أو هندسة مصادر طاقة بديلة، لا يخدم سوى التغطية على الحقيقة البسيطة وهي أن انقاذ الكوكب هو عمل سياسي وليس تكنولوجياً ” .
قد يقال هنا أنه حتى ولو كانت الرأسمالية الجامحة هي أساس المشكلة بسبب الأولوية القصوى، وربما الوحيدة، التي تمحضها للربح والتنافس الأعمى وللنمو الاقتصادي الدائم غير المُقيّد بضوابط البيئة وتوازناتها، إلا أنه في الوقت نفسه لا يبدو أن شعوب العالم قادرة على تغيير النظام الرأسمالي، خاصة بعد انتصاره الكاسح في الحرب الباردة وتحوّله إلى إمبراطورية عالمية، فلماذا لا يمنح الـAI والتكنولوجيا الفرصة كي توفّرا المخارج من هذه الكارثة الوجودية، خاصة في ضوء الانجازات التكنولوجية الضخمة في كل المجالات الطبية والبيولوجية والرقمية والمعلوماتية.. ألخ؟
هذا السؤال بالتحديد هو ما يشدّد عليه الطرف الرأسمالي وحلفاؤه، أي تحويل التكنولوجيا إلى وجهة حميدة: انتاج أكثر فعالية في مجال الطاقة، سيارات تتحسّن باستمرار، استبدال الطاقة الأحفورية بالطاقة الشمسية، وإعادة تدوير الموارد. كما ثمة اقتراحات لإدخال إصلاحات بيئية مثل خفض النمو السكاني وحتى تقليص الاستهلاك. بيد أن الحل السحري لا يزال هو التكنولوجيا القادرة برأي هذا الطرف على الإنقاذ، من دون أن يؤثر ذلك على الماكينة الرأسمالية. وقد جاء بروتوكول كيوتو الدولي العام 1997، الذي يستهدف الحد من انبعاثات غاز الدفيئة ليعزز هذا المنحى، وليشجع البعض، مثل نائب الرئيس الأميركي السابق آل غور، على تحبيذ التحسين التكنولوجي لفعالية الطاقة كمهرب وحيد من الكارثة.
“تسريع التدمير”
لكن، فلندقق معاً في مدى جدية ونجاعة هذا الحل:
أولا، المواد الجديدة التي يقترحها النظام التكنو رأسمالي كبديل عن المواد الملوثة الحالية، تتضمّن سموماً من كل الأنواع التي يمكن تخيّلها. مثلاً، نعرف أن انتشار الكيماويات الاصطناعية، والعديد منها ضار مثل carcinogenic and teratogenic – ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنمو صناعة البتروكيماويات والأعمال الزراعية التي تنتج البلاستيك والمبيدات. ولكن، أي محاولة للتغلّب على اعتماد هذه الشركات الرأسمالية على هذه المواد السامة ستخلق مقاومة عنيفة ضد التخلي عنها. فهل يمكن هنا أن تحل التكنولوجيا هذه المعضلة قبل حل أزمة الرأسمالية مع المناخ؟
ثانياً، لطالما تغنّت الدول الرأسمالية الغنية بأنها قادرة على الحد من تدهور البيئة بفعل تقدمها التكنولوجي الذي يسمح لها بترقية التحسينات البيئية، فيما هي تزيد من رفاهية شعوبها. (أي نمو كلٍ من الرأسمال والاستهلاك في آن). لكن الأزمة البيئة الراهنة، التي تتجسّد في موجّات الحر غير المسبوق والحرائق والأعاصير والفيضانات في كل الدول الغنية، تثير الكثير من الشكوك حول تمكّن التكنولوجيات الجديدة من منع التدهور الإيكولوجي الذي سيسير جنباً إلى جنب مع توسّع الاقتصاد الرأسمالي. والدليل هو أن انتاج سيارات أكثر فعالية في توفير الطاقة في الولايات المتحدة في السبعينيات لم يحد من الطلب على الوقود، لأن شراء السيارات ازداد وسرعان ما تضاعف. وبالمثل، أدت التحسينات التكنولوجية في أجهزة التبريد إلى انتاج برادات أكثر وأكبر. أي أن تحسين التكنولوجيا يؤدي إلى زيادة الاستهلاك، وبالتالي زيادة تلويث البيئة. وهذا ما يطلق عليه وصف Levons paradox.
ثالثا، سبق لجوزف شومبيتر ـJoseph schumpeter (في كتابه الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية Capitalism, Socialism and Democracy ) أن تحدث عن نزعة الرأسمالية نحو “التدمير الخلاق”: أي تدميرها للأشكال السابقة من الإنتاج والتوزيع، وخلقها عبر الابتكار لأشكال جديدة أكثر فعالية في هذا الانتاج والتوزيع. وهذه العملية التي لا نهاية لها من التراكم الرأسمالي والتدمير الخلاّق، تقضي على كل وأي شيء يقف في طريقها، بما في ذلك حاجات كوكب الأرض البيئية وكل المتطلبات البشرية والطبيعية التي قد تعرقل تراكم رأس المال. هنا تكمن الأسباب المباشرة لأزمة البيئة. وهنا ما يقف وراء ما اسمته world watch “تسريع التاريخ”، الذي عنت به التحولات السريعة لبيئة الكوكب وتدمير نظامه الإيكولوجي.
رابعاً، وقف الرأسماليون وحلفاؤهم بقوة ضد خيار الطاقة الشمسية، وقامت الشركات الكبرى بالاستيلاء على هذه الطاقة من أيدي حركات قاعدية، ليس في سبيل ترقيتها بل لتقييد تطورها إلا في نطاقات محدودة. الطاقة الشمسية رخيصة ودائمة ولا تكلّف كثيراً، لكنها أيضاً لا تدر أرباحاً وفيرة كما الوقود الأحفوري الذي يتطلّب، جنباً إلى جنب مع الطاقة النووية، بروز شركات عملاقة تستثمره وتسوّقه، ومؤسسات دولة تبني جيوشاً جرارة لحمايته أو السيطرة عليه في كل أنحاء العالم، وصناعات عديدة أخرى بتروكيماوية وزراعية تعتمد عليه، ومجمع بترو- عسكري يستند إليه. هذا في حين أن شركات صغيرة ومجتمعات بكاملها تستطيع الإفادة من هذه الطاقة من دون حروب وأكلاف وصراعات.
الآن، إذا كان من المحال أن تغيّر الرأسمالية المسيطرة على العالم جلدها وممارساتها لأن الربح والنمو هما طبيعتها التامة؛ وإذا كانت هي أيضاً تسيطر على المفاتيح التكنولوجية الخاصة بتطوير بدائل للطاقة المدمّرة لمناخ الأرض، فهل هذا يعني أن الأوان فات على إنقاذ البيئة والمحيط الحيوي، ولم يبق أمام البشر من مصير سوى الانقراض بفعل شتى الظروف المناخية والنووية والفيروسية والبيولوجية؟
العلماء والخبراء المتشائمون هنا كثر، وهم يعتقدون أن الجنس البشري دمّر بالفعل، وإلى غير ما رجعة، فُرص بقائه نفسها، بسبب عجزه عن تجاوز الوعي الماكيافلي الذي خدمه في حقبة صراع البقاء في الكهوف والعصور الجليدية والحجرية، لكنه يقوده مباشرة الآن إلى مقصلة المخلوقات العاجزة عن التأقلم والسائرة بدأب نحو الانقراض.
الفيلسوف الفرنسي برتراند ميويست bertrand meheust أحد أبرز هؤلاء. قال في في كتابه “سياسات المضادات الذاتية” أن استخدام التعابير المتناقضة ذاتياً من قِبَل حكام العالم، شهد في الآونة الأخيرة انفجاراً كبيراً في التوسُّع لم يسبق له مثيل في التاريخ، جنباً إلى جنب مع الأزمة الإيكولوجية العالمية، أو بالأحرى مع الانهيار الإيكولوجي العالمي. تعابير من نوع: “النمو السلبي”، و”حضارة السوق”.. الخ. وهذه برأيه كلها أكاذيب لا تفعل شيئاً سوى إثباط المعنويات وتفريخ الأمراض النفسية، وهي تصبح بمثابة “سموم اجتماعية” تخفي الحقيقة بالكامل تماما كما كانت تفعل آلة الدعاية النازية.
التحوُّل الانقاذي الكبير المطلوب، برأيه، جاء في وقت متأخر للغاية، ولم يعد بالإمكان وقف الكارثة الإيكولوجية ودمار المحيط الحيوي، “بسبب تليّف الكبد النيو ليبرالي الذي لا شفاء منه”. الأمر أشبه بحركات السلام التي لا تمنع الحروب ولا تبرز وتنمو إلا بعد اندلاعها”. لقد وصلنا، إذاً، إلى نقطة اللاعودة، وحتى إذا لم نصل بعد، فالحلول (بما في ذلك حلول الديمقراطية للكارثة البيئية) لم تعد مُجدية.
ميويست يستخدم هنا تعبير “التشبّع” (saturation) الذي اقترحه غيلبرت سيموندون Gilbert Simondon والذي ينص على الفكرة بأن “أي نظام حقيقي (مادي، بيولوجي، سايكولوجي، اجتماعي، تقني.. ألخ) يمر بمراحل تغيّر فقط حين يصبح غير متسق مع نفسه، أي حين يصبح “كاملاً”، فيقفز حينها فوق ذاته وبشكل مفاجئ ويعيد هيكلتها في بُعد جديد”. لكن، إذا ما طبّقنا هذا المفهوم على المجتمعات المتعولمة راهنا، فستكون النتيجة برأي ميويست كالتالي: لا شيء سيمنع العالم المعاصر من الوصول إلى التشبّع، وبالتالي لا شيء سيمنع الجنس البشري من مواصلة مسيرته الانحدارية إلى أن تقع الكارثة (الإيكولوجية) الكبرى. وحينها سيكون الأوان قد فات على احتمال أن يقفز الإنسان فوق ذاته”.
الحقيقة والبيئة:
****
“المعركة النهائية”، إذا، في القرن الحادي والعشرين ستدور، كما ألسفنا، بين النزعة المادية الميكانيكية وبين التوجهات القيمية والروحانية ( بمعنى وحدة الوجود) حول كلٍ من كيفية مقاربة مسألة الحقيقة الموضوعية، ومواجهة الكارثة البيئية.
وفي مثل هذه المعركة، سيتحدد مصير ليس الجنس البشري وحده، بل كل أنواع الحياة على كوكب الأرض التي احتاجت إلى أربعة مليارات سنة للتطور من خلية حية وحيدة في ظروف مناخية قاسية إلى مخلوقات معقدة وواعية وذكية.
فهل تنهض قوى أمنّا الأرض، من تيارات بيئية وديمقراطية ويسارية وروحانية وإنسانية، هنا والآن للتصدي إلى العربدة الإيكولوجية القاتلة للطابقة الفائقة الرأسمالية، أم تكون نسخة طبق الأصل عن حركات السلام التي لا تعلن عن وجودها إلا بعد وقوع كوارث الحروب؟
________
( *) كاتب لبناني. حاز العام 2019 على جائزة أفضل كتاب في الوطن العربي عن مؤلفه “الخروج من جهنم: وعي بيئي- كوني جديد أو الانقراض”. أحدث كتبه: “زمن الذكاء الاصطناعي: حوار ساخن بين إنسان عضوي وإنسان آلي”: مركز دراسات الوحدة العربية، 2024.